الذاكرة

الفصل الخامس: الذاكرة

مقدّمة

يمتاز الإنسان عن سائر الكائنات بأنّه سيّد الأبعاد، فبإدراكه يمتلك القدرة على اكتشاف العالم الواقعي الذي يحيط به. والإدراك ليس مجرّد عمليّة إثارة للحواس الخمس، بل هو عبارة عن علاقة تربطنا بالأشياء، فتكشف لنا وجودها وتحدّد لنا خصائصها. وبخياله يتوجّه نحو المستقبل، ويتحرّر من الواقع ويعبّر عن حاجته الملحّة إلى الإستقلال. فهو يدعونا إلى إعادة خلق العالم كما نريد، من خلال إبداع صور جديدة تحمل رؤيتنا ومعاناتنا، وأحلامنا. وبذاكرته يمتلك القدرة على استعادة الماضي كماضٍ، فالذاكرة هي إذًا وظيفة نفسيّة تحفظ الماضي وتستردّه في حدود فترة زمنيّة محدّدة.

      I.            تثبيت الذكريات

انّ عملية تثبيت الذكريات تخضع لخيار إذ أنّنا لا نثبّت جميع ذكرياتنا، ويجب التمييز بين تثبيت ارادي وتثبيت غير ارادي للذكريات، وسنتوقف عند نوعين من العوامل المؤثرة في تثبيت الذكريات:

أ – العوامل الموضوعية :يعتبر الغشطالتيون انّ بنية الشيء (شكله) او الفعل هي التي تجعله من جملة الذكريات؛ فان الشكل الافضل والاكثر تاثيرا في ادراكنا هو الذي يثبت في الذاكرة، مثلاً: كلمات أغنية أو إعلان تلفزيوني .

ب –العوامل الذاتية : اذ انّ قيمة الاشياء واستجابتها لرغباتنا  وميولنا وثقافتنا هي التي تساعد بالفعل على تثبيتها الاشياء في ذاكرتنا، مثلاً: حادث سير مروّع عشناه، أو نتائج مباراة رياضية شاهدناها.

- تقويم: ان اكتساب الذكريات وتثبيتها ليس عملا آليا بل هو فعل حي مرتبط بعوامل شخصية ، فليست الذاكرة كمستودع يصب فيه كل حادث من دون تمييز، بل هو فعل الشخص الذي يركّز الاحداث ويثبت الصور والمواقف والكلمات من خلال حاجاته وهمومه وقيمه ومفاضلاته الواعية وغير الواعية .

 

    II.            مكان وكيفيّة حفظ الذكريات:

السؤال الآن اين تبقى ذكرياتنا عندما لا نفكر فيها  ؟كيف تكون وكيف نستعيدها؟هل تكون استعادة ارادية مقصودة ام عفوية؟وما هي اساليب الاستعادة؟

 

1-  النظرية المادية: (ريبو)

تعود جذور هذة النظرية الى الطبيبين اليونانيين :ابقراط وجالينوس اللّذين جعلا الذكريات محفوظة في تجاويف الدماغ. اما الفيلسوف العربي ابن سينا فقد حدد تجاويف الدماغ بثلاث:المقدم والاوسط والمؤخر وجعل الحافظة في التجويف المؤخر منه.

غير ان النظرية المادية في العصور الحديثة تقترن باسم ريبو، الذي رأى "انّ الذكريات تحفظ في الدماغ على شكل آثار مادية" يمكن للانطباعات الحاضرة ان تعيدها الى مجال  الوعي كما تخرج ابرة الفونوغراف الموسيقى المسجلة على الاسطوانة. انّ هذا المفهوم مقتبس من اعتبارات تشريحية طبية خاصة بمعالجة امراض الذاكرة ، وقد اعتمدها ريبو كدليل على صحّة أقواله؛ إذ انّ الخلل في منطقة دماغية يمحو الذكريات المتمركزة فيها، فتكون الذاكرة مجموعة الصور البصرية واللمسية والحركية وغيره المتمركزة في مناطق دماغية محددة.

كما انّ النظريّة المادّية تلقى حاليا تأييدا واسعا من قبل عدد كبيرمن فيزيولوجيي الدماغ والجهاز العصبي وعلماء النفس المعاصرين، وبخاصة انصار المدرسة المعارفية (cognitivisme) الذين يرون وجود تشابه بين تخزين المعلومات والذكريات في الدماغ وبين نظام ذاكرة جهاز الكمبيوتر، وكذلك بالنسبة الى استعادة هذه المعلومات .

 

2- نقد لنظرية ريبو:

وجّه برغسون انتقادًا الى هذه النظرية، اكّدته معطيات الدراسات العصبية المعاصرة. فإنّ الذكريات لا تُحفظ في الدماغ على شكل مادّة، لأنّ التجربة تؤكّد انّ فساد منطقة دماغية لا يلغي الذكريات الخاصة بها، بل  يعيق القدرة على استعادتها في ظروف معينة. فإنّ الذي يفقد القدرة على التعبير بالكلام ونسي مثلا كلمة "لا" ينفعل غاضبا ويقول: يا الله انها كلمة صغيرة تدل على النفي "لا" استطيع تذكّرها. فانّ الكلمة استُعيدت بطريقة غير ارادية في وضع نفسي انفعالي، ما يؤكد ان الكلمة كانت موجودة ولكن ليس في الدماغ؛ وكانت الصعوبة في الاستعادة بسبب الخلل الدماغي .

كما يرى برغسون انّ ريبو خلط بين الذاكرة والعادة مثل استظهار قصيدة عن ظهر قلب؛ حيث يكون الماضي حالة معاشة فقط دون ان يرافقها اي وعي .ان الذاكرة الحقيقية شيء آخر فإن استظهار قصيدة هو فعل عادة تكتسب بالتكرار،لكنني لو استذكرت نفسي وانا أقرأ هذه القصيدة في ظروف معينة وفي مكان محدد، فسوف أكون أمام فعل تذكّر حقيقي.

لقد أخطأ ريبو فيزيائياً، فالموسيقى لا تنام في ثنايا الأسطوانة، بل الصحيح أن ثنايا الأسطوانة (أو الحفر الموجودة فيها) هي التي تحدث ارتجاجات في إبرة الفونغراف، فتصدر أصواتًا وموسيقى.

 

3-    النظرية الروحانية: (برغسون)

اعتبر برغسون، أنّ الذاكرة الحقيقية لا علاقة لها بالمادة وبالآليات العصبية؛ وأنّ الذكريات ذات طبيعة روحية لا تُحفظ قط في وعاء (الدماغ)، فالسؤال عن موضع حفظها  خطأ حيث انها حالة نفسية معاشة. ولما كانت حياتنا الواعية بطبيعتها متواصلة (يعني أنّ حياتنا حلقة مستمرّة كلّ يوم لا نعيشها من جديد)، فانّ جميع ما نفكر فيه وما نحفظة منذ يقظة وعينا يبقى محفوظا على الدوام، فتكون المشكلة عندئذ في نسيان الذكريات لا في حفظها، فلماذا لا يكون جميع الماضي حاضرا الآن في وعيي؟

للإجابة عن هذا السؤال، يعتبر برغسون أنّ الوعي لا يتقبّل سوى الذكريات المتلائمة مع حاجاتنا الحاضرة، فيكون الدماغ آلة (شبيهة بالمصفاة) يستعملها الوعي لتمرير الذكريات التي يحتاجها دون سواها، اي وسيلة استعادة  وليس مستودع حفظ؛ بل انّ الذكريات تحفظ في اعماق لا وعينا. ويوضح برغسون الامر بمثل الاحلام ؛ ففي هذه الحالة تهجم الذكريات من غير تمييز وذلك بسبب نوم الدماغ أو توقّف هذه المصفاة. وفي حال إصابة الدماغ بعطل، فإن هذه المصفاة لا تعود تعمل بشكل جيد، ولكن الذكريات بحد ذاتها لا يصيبها شيء.

 

4- نقد نظرية "برغسون":

انّ نظرية برغسون هي اكثر ملائمة مع علم الامراض العصبية من نظرية  ريبو، الاّ أنّ بعض الصعوبات الماورائية ما تزال تثير تساؤلات :

- كيف يمكن لذاكرة ذات طبيعة روحية صرف ان تستعمل آلة مادية (الدماغ) لابراز الذكريات ؟

- ليس من السهولة تقبّل فكرة حفظ الماضي برمته في اللاوعي، هذه فرضية غير أكيدة.

- يلتقي برغسون وريبو في خطأ مفاده ان الذكريات تحفظ كاشياء، فهي في الحالتين تظهر كصور في حين أنّ السؤال المطروح، هل هي حقًا صور أو حالات وعي؟

 

5-النظرية الظواهرية :

بنظرالظواهريين، إنّ التذكّر هو فعل للوعي، يضع الاحداث في البعد الماضي؛ فالتذكّر يتضمن حكمًا . انه فعل تحويل الوعي الحاضر نحو حدثٍ أو حالة مُعاشة في الماضي مع العلم انه ماضٍ. حيث أنّ التذكّر هو فعل، فالذكريات لا تُحفظ؛ اذ انّ الفعل يوجد فقط وقت تنفيذه وينتهي بعد ذلك.

لكن لا بد لكي تكون الاستعادة ممكنة من ان يبقى شيء محفوظ، وهو ما يعرف بمساعدات التذكر التي قد تكون حدث إجتماعي معيّن أو مكان أو صورة فوتوغرافية أو حالة نفسية.... من خلال هذه المرتكزات الموضوعية نوجّه ذاكرتنا الى احداث فردية او عائلية او مجتمعية ووطنية، وعلى هذا الاساس يقول "هالفكس" Halbwacks إنّ الماضي لا يُحفظ بل انّنا نبنيه انطلاقا من الحاضر على اساس المرتكزات الاجتماعية للتذكّر.

 

 III.            النسيان:

-       النسيان نوعان:

  • النسيان السوي أو الطبيعي مثلاً أن ننسى أمور غير مهمة (كالأكل أواللباس) قمنا بها خلال النهار.

  • النسيان المرضي أو غير السوي أي الذي يؤثر سلباً على حياتنا: مثلاً أن تنسى درس مهم أثناء قيامنا بالإمتحان.

-       أسباب النسيان:

  • السبب العفوي كندبة على الرأس أو جراحة.

  • التقدم في العمر وضعف الدماغ.

  • السبب النفسي، ويكون نتيجة مشكلة نفسية.

  • مرور الوقت وعامل الزمن الكفيل بأن ننسى.

 

خاتمة:

انّ الذكرة ليست عملا آليًا منفصلاً، ففي جميع مراحلها من ثبات الذكريات الى حفظها واستعادتها ومعرفتها كانت تعبيرًا عن الشخصيّة الواقعيّة الحيّة تشدّ الحاضر الى الماضي لتحقّق التكيّف. والنسيان أيضًا لا يُفهم إلاّ من خلال الشخصية بكامل أبعادها. هكذا يتكامل التذكّر والنسيان في إطار الشخصية، وبخاصة عندما يكونان تحت سيطرة الوعي.

 

alzakira cours 2.docx alzakira cours 2.docx
Size : 0.03 Kb
Type : docx
zakira.docx zakira.docx
Size : 0.025 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola