الذاكرة

مقدمة:

 تزايد اهتمام العلماء والفلاسفة بموضوع الذاكرة، فالذاكرة حاضرة أبدًا في أي عمل يقوم به الإنسان أكان عملًا ذهنيًّا كالقراءة والكتابة أو تطبيقيًّا كقيادة السيارة. عدا ذلك تُعتبر الذاكرة امتدادًا للبعد الماضي عند الإنسان في الزمن الحاضر وتحافظ بذلك على وحدة الإنسان النفسيّة بين الزمنين الماضي والحاضر، فما هي هذه الملكة التي شغلت الفلاسفة؟

 تعني كلمة ذاكرة حسب الاشتقاق اللغوي الجهد الذهني الذى يرمي إلى استرجاع الماضي ودمجه في الحاضر. وقبل الكلام على الذاكرة بمعناها النفسي يجب ان نميز بين الذاكرة الآلية المتمثلة في العادات السلوكية والذاكرة النفسية فالمعنى الدقيق للذاكرة يفترض التركيز على ناحية الجهد الذهني الخاص والمعتمد على الإرادة من أجل تمثّل الماضي. فالذاكرة هي إذا وظيفة نفسية تحفظ الماضي وتسترده في حدود فترة زمنية معينة. إنّ مشكلة الذاكرة تكمن في جدلية الماضي والحاضر، فالانتباه هو فعل الوعي فى الحاضر، والذاكرة فعل الوعي في الماضي، والمخيلة فعل الوعي في المستقبل. ان سيولة الزمان هذه هي التي جعلت هايدغر يطلق على الانسان لقب كائن الابعاد، فإنه يسقط المستقبل في الحاضر ويدمج الحاضر بالماضي، فتكون الديمومة مسرح التذكر والتخيل. ولقد تناول الفلاسفة مسائل مهمة في موضوع الذاكرة واختلفوا في آرائهم ولعل أهم هذه المسائل مسألة حفظ الذكريات واختزانها، فقد زعم البعض أن الذكريات هي ماديّة أو فيزيولوجيّة أمّا الآخرون فقد اعتبروا أنّ الذكريات هي روحانيّة بحتة.

 

العوامل المؤثّرة في تثبيت الذكريات

انّ عملية تثبيت الذكريات تخضع لخيار إذ أنّنا لا نثبّت جميع ذكرياتنا، ويجب التمييز بين تثبيت ارادي وتثبيت غير ارادي للذكريات، وسنتوقف عند نوعين من العوامل المؤثرة في تثبيت الذكريات:

أ – العوامل الموضوعية : يعتبر الغشطالتيون انّ بنية الشيء (شكله) او الفعل هي التي تجعله من جملة الذكريات؛ فان الشكل الافضل والاكثر تأثيرًا في ادراكنا هو الذي يثبت في الذاكرة، مثلاً: كلمات أغنية أو إعلان تلفزيوني.

ب –العوامل الذاتية : اذ انّ قيمة الاشياء واستجابتها لرغباتنا  وميولنا وثقافتنا هي التي تساعد بالفعل على تثبيتها الاشياء في ذاكرتنا، مثلاً: حادث سير مروّع عشناه، أو نتائج مباراة رياضية شاهدناها.

- تقويم: ان اكتساب الذكريات وتثبيتها ليس عملا آليا بل هو فعل حي مرتبط بعوامل شخصية ، فليست الذاكرة كمستودع يصب فيه كل حادث من دون تمييز، بل هو فعل الشخص الذي يركّز الاحداث ويثبت الصور والمواقف والكلمات من خلال حاجاته وهمومه وقيمه ومفاضلاته الواعية وغير الواعية .

 

مكان وكيفيّة حفظ الذكريات:

السؤال الآن اين تبقى ذكرياتنا عندما لا نفكر فيها  ؟كيف تكون وكيف نستعيدها؟هل تكون استعادة ارادية مقصودة ام عفوية؟وما هي اساليب الاستعادة؟

1-  النظرية المادية: (ريبو)

تعود جذور هذة النظرية الى الطبيبين اليونانيين :ابقراط وجالينوس اللّذين جعلا الذكريات محفوظة في تجاويف الدماغ. اما الفيلسوف العربي ابن سينا فقد حدد تجاويف الدماغ بثلاث:المقدم والاوسط والمؤخر وجعل الحافظة في التجويف المؤخر منه.

غير ان النظرية المادية في العصور الحديثة تقترن باسم ريبو، الذي رأى "انّ الذكريات تحفظ في الدماغ على شكل آثار مادية" يمكن للانطباعات الحاضرة ان تعيدها الى مجال  الوعي كما تخرج ابرة الفونوغراف الموسيقى المسجلة على الاسطوانة. انّ هذا المفهوم مقتبس من اعتبارات تشريحية طبية خاصة بمعالجة امراض الذاكرة ، وقد اعتمدها ريبو كدليل على صحّة أقواله؛ إذ انّ الخلل في منطقة دماغية يمحو الذكريات المتمركزة فيها، فتكون الذاكرة مجموعة الصور البصرية واللمسية والحركية وغيره المتمركزة في مناطق دماغية محددة.

كما انّ النظريّة المادّية تلقى حاليا تأييدا واسعا من قبل عدد كبيرمن فيزيولوجيي الدماغ والجهاز العصبي وعلماء النفس المعاصرين، وبخاصة انصار المدرسة المعارفية (cognitivisme) الذين يرون وجود تشابه بين تخزين المعلومات والذكريات في الدماغ وبين نظام ذاكرة جهاز الكمبيوتر، وكذلك بالنسبة الى استعادة هذه المعلومات .

 

نقد موقف ريبو:

دون أدنى شك، إن الجهاز العصبي يلعب دورًا مهمًا في عملية التذكر. إلّا ان الذكريات لا تحفظ حسب برغسون في الدماغ لأن التجربة تؤكد أن فساد منطقة دماغية لا يلغي الذكريات الخاصة بها، بل يعيق القدرة على استعادتها في ظروف معينة، فإن الذي فقد القدرة على التعبير بالكلام بعد إصابته بخلل دماغي ونسي مثلا كلمة لا فإنه يغرق في محاولاته للبحث عن هذه الكلمة وينفعل غاضبا: يا الله فإني لا استطيع تذكر هذه الكلمة، فإن الكلمة استعيدت بطريقة غير إرادية في وضع نفسي انفعالي ما يؤكد أن الكلمة كانت موجودة ولكن ليس فى الدماغ. فكانت الصعوبة فى الاستعادة بسبب الخلل الدماغي.

من جهة أخرى يأخذ برغسون على ريبو أنّه خلط بين الذاكرة والعادة. إنّ حفظ درس يختلف عن استعادة مراحل حفظه.

 

2-    النظرية الروحانية: (برغسون)

يتبنى برغسون دون تردد الموقف الروحاني وبالنسبة لهؤلاء الروحانيين فإن الطاقة الروحية هي حقيقة أو واقع لا يمكن تدميره، لذلك فإن برغسون يجعل الذاكرة من طبيعة روحانية شأنها في ذلك شأن الحياة النفسية الداخلية. وهي بالتالي غير قابلة للضياع أو للفقدان لأنها غير متمركزة في أي جزء من أجزاء الجسد.الذاكرة الحقيقية لا علاقة لها بالمادة وبالآليات العصبية وهي لا تحفظ قط في الدماغ، فالسؤال عن موضع حفظها خطأ حيث أنها أمر نفسي فتكون المشكلة عندئذ في نسيان الذكريات لا في حفظها.

فلماذا لا يكون جميع الماضي حاضرا الآن في وعيي؟

للإجابة عن هذا السؤال، يعتبر برغسون أنّ الوعي لا يتقبّل سوى الذكريات المتلائمة مع حاجاتنا الحاضرة، فيكون الدماغ آلة (شبيهة بالمصفاة) يستعملها الوعي لتمرير الذكريات التي يحتاجها دون سواها، اي وسيلة استعادة  وليس مستودع حفظ؛ بل انّ الذكريات تحفظ في اعماق لا وعينا. ويوضح برغسون الأمر بمثل الأحلام: ففي هذه الحالة تهجم الذكريات من دون تمييز وذلك بسبب انعدام الحاجات العمليه عند النائم، وتظهر بشكلها غير المنظم وغير المألوف في منظور الوعي العادي.

ويرى برغسون أن صور الأحلام الغريبة تأتى من ماض كنا نظن أنه تلاشى. ويكون هذا الماضي غارقا في لا وعي يشكل مصدر ذكرياتنا وأحلامنا. وعلى ضوء هذه النظرية التي تجعل من الدماغ مجرد وسيلة استعادة يدرس برغسون مشاكل أمراض الذاكرة. فعندما يقع الدماغ في حالة وهن أو يتعرض للإصابة بخلل، تصبر استعادة الذكريات صعبة وفي حدها الأقصى مستحيلة، فالذكريات تبقى سليمة محفوظة في اللاوعي لكن استعادتها تصبح مستحيلة.

 

نقد برغسون

 مما لا شك فيه أن نظرية برغسون أكثر ملاءمة مع علم الأمراض العصبية من نظرية ريبو الا أنها تطرح بعض الصعوبات الماورائية فعلى سبيل المثال، كيف يمكن لذاكرة ذات طبيعة روحية صرف أن تستعمل آليات مادية عصبية لإبراز الذكريات؟ كما انه ليس من السهولة  فهم حفظ ذكريات الماضي برمته في اللاوعي.

يلتقي برغسون وريبو في خطأ مفاده ان الذكريات تحفظ كاشياء، فهي في الحالتين تظهر كصور في حين أنّ السؤال المطروح، هل هي حقًا صور أو حالات وعي؟

 

3- النظرية الظواهرية :

بنظر الظواهريين، إنّ التذكّر هو فعل للوعي، يضع الاحداث في البعد الماضي؛ فالتذكّر يتضمن حكمًا . انه فعل تحويل الوعي الحاضر نحو حدثٍ أو حالة مُعاشة في الماضي مع العلم انه ماضٍ. حيث أنّ التذكّر هو فعل، فالذكريات لا تُحفظ؛ اذ انّ الفعل يوجد فقط وقت تنفيذه وينتهي بعد ذلك.

لكن لا بد لكي تكون الاستعادة ممكنة من ان يبقى شيء محفوظ، وهو ما يعرف بمساعدات التذكر التي قد تكون حدث إجتماعي معيّن أو مكان أو صورة فوتوغرافية أو حالة نفسية.... من خلال هذه المرتكزات الموضوعية نوجّه ذاكرتنا الى احداث فردية او عائلية او مجتمعية ووطنية، وعلى هذا الاساس يقول "هالفكس" Halbwacks إنّ الماضي لا يُحفظ بل انّنا نبنيه انطلاقا من الحاضر على اساس المرتكزات الاجتماعية للتذكّر.

خلاصة:

 أنّ الذاكرة ليست وظيفة ميكانيكيّة بل هي ترتبط بشخصية الفرد بكامل أبعاده العقلية والجسدية والاجتماعية. وهذا الارتباط نفسه يؤدي إلى تغير وتبدّل الذكريات المتأثرة أبلغ الأثر بظروف الشخص الجسديّة - الفيزيولوجيّة النفسية والموضوعية المجتمعية على حد سواء. لذلك يمكننا الكلام على تطور الذكريات. فالذكريات ليست بأي شكل من الأشكال نسخًا طبق الأصل من الماضي ووقائعه. والذاكرة ليست آلة تصوير (كاميرا) لأن الذكريات تغتني وتتبدل متأثرةً بكل الأحداث التي تلت موضوع التذكر.

لماذا ننسى؟

الإشكاليّة: لماذا ينسى الإنسان البعض من ذكرياته؟ ما هي الآليّات التي تؤدّي إلى النسيان؟ هل هو مرتبط بالمراكز الدماغيّة والعضوية؟ أم هو كبت لبعض الرغبات الغير واعية؟ ما يقول فرويد؟ هل النسيان هو سلبيّ دومًا؟ أم أنّه قد يكون إيجابيًّا في بعض الأحيان ويساهم بالتالي في التوازن النفسيّ للإنسان؟

موقف الفيزيولوجيين: النسيان ينتج عن أسباب عضويّة

يعتبر الفيزيولوجيّون أن النسيان ناجم عن إصابة إحدى مناطق الدماغ (نزيف دماغي، ورم) الأمر الذي يؤدّي إلى فقدان بعض الذكريات في بعض الأحيان.

موقف فرويد: النسيان يعود إلى كبت الرغبات اللاوعيّة

يعتبر فرويد النسيان نوعًا من الكبت فالرغبة التي يقمعها الأنا الأعلى تُكبت في اللاوعي، ثمّ تعود للظهور في الأحلام الليليّة وغيرها.

موقف نيتشه: النسيان مرتبط بالضمير الأخلاقي

يعتقد نيتشه أن الإنسان ينسى بعض الذكريات التي لا يريد أن يتذكّرها وهي مؤلمة لضميره الأخلاقي.

هناك نوعان من النسيان المرضي والسويّ

النسيان المرضي إمّا يكون عضويًّا (إصابة، خرف...) أو نفسانيًّا كالكبت الناجم عن كبت الرغبات. أما النسيان السويّ، فهو شرط من شروط التذكّر ويساهم في التوازن النفسّي للإنسان، فهو بحاجة لتركيز معلوماته في ميدان معيّن لذلك لا بدّ أن ينسى المعلومات الأخرى التي قد تساهم في تشابك المعلومات. كمأ أن النسيان السوّي يبلسم جراح الإنسان كمثل الفرد الذي فقد شخصًا مقرّبًا منه فيساعده النسيان مع مرور الوقت على تخطّي الكآبة والحزن. 

من إعداد الأستاذ إتيان عيد- بتصرف

Make a free website with Yola