الذكاء

 

مقدّمة:

إذا كانت الكائنات الحيّة، لاسيما الإنسان والحيوان، تتمتّع بمهارات واستعدادات تستخدمها لتذليل صعوبات طارئة، وحلّ مشكلات عملية، والتكيّف مع وقائع مستجدّة، فما يتمتّع به الإنسان في هذا المضمار يتفوّق كمًا ونوعًا على الحيوان. ذلك أنّ الذكاء هو الأساس في الحياة المعرفية، وإذا امتلك الحيوان درجة دنيا من الذكاء، فالإنسان وحده يمتلك الذكاء الخلاّق الموصل إلى المعرفة.

فما هو الذكاء؟ وبماذا يختلف عن الغريزة والعادة؟ وبالتالي هل هنالك ذكاء حيواني أم أنّ الذكاء ينتسب إلى الإنسان فقط؟ وما هي نقاط الإختلاف بين ذكاء الإنسان وذكاء الحيوان؟ وأخيرًا هل نستطيع قياس الذكاء؟

 

      I.            تعريف الذكاء:

الذكاء هو القدرة على القيام بتفكير تجريدي؛ القدرة على التمييز والفهم والتعليل. إنّه قدرة يتمتّع بها الفرد للتصرّف بهدفية، والتفكير بعقلانية، والتعاطي الفعّال مع محيطه.

يقول لالاند: "الذكاء في معناه العام، يشمل سائر الوظائف التي تهدف إلى المعرفة" وبالتالي فهو يشمل الإدراك والذاكرة والخيال، إلى جانب العقل، فضلاً عن القدرة على اكتشاف العلاقات بين الأشياء. أما في يومنا هذا فيُعرّف الذكاء بالقدرة على التكيّف. وبهذا المعنى يقول هارتمن "الذكاء هو القدرة على تكييف الوسائل مع الغايات".

 

 

   II.            الغريزة والذكاء:

لكلّ حيوان مهارة سلوكية خاصة به تنضج عندما تبلغ أعضاءه هي الغريزة. فبماذا تتميّز هذه الغريزة عن الذكاء؟ وهل هي ذكاءً حيوانيًا؟

أ‌-     السلوك الغريزي يسعى إلى التكيّف، ولكنّه فطري قاسٍ بعيد عن المرونة، آلي وأعمى. فبعض الحيوانات تظهر سلوكًا يدلّ على الإبداع لكنّها في المقابل تظهر غباءً مطلقًا أمام موقف بسيط مُستجدّ. مثلاً: الدبابير تبني أعشاشها بمهارة فائقة وتجمع فيها الحشرات، لكنّها تستمر في وضع الحشرات حتى ولو أحدثنا لها ثقبًا في الجهة المقابلة وسقط كلّ ما جمعته.

أمّا السلوك الذكي فهو يتميز بكونه مرن أي أنّه يتكيّف بتبدّل الوضعيات ويتجدد دائمًا.

ب‌-السلوك الغرائزي ثابت وجامد ونهائي، فالطيور تبني أعشاشها بنفس الطريقة منذ أن وُجدت. أمّا السلوك الذكي فيتطوّر باستمرار.

ت‌-السلوك الغريزي هو سلوك متخصص في وضعية محددة، فالنحلة لا تعرف أن تفعل ما يخرج عن نطاق بناء القفير وجمع الرحيق، وهي إذا ما وُجدت في عبوة عنقها باتجاه الظلمة، فإنّها لا تقوى على الخروج؛ هذا ما دفع فولتير للقول: "النحلة خارج خليتها مثل الذبابة". أمّا السلوك الذكي فيختلف باختلاف الوضعيات وينتقي سلوكًا جديدًا لوضعية جديدة.

ث‌-تختلف الغريزة عن العادة، بأنّ الغريزة هي معرفة فطرية بينما العادة هي آلية عمل مكتسبة. فالعادة ممكن تغييرها في بدايتها بينما الغريزة ثابتة لا تتغيّر.

 

 

 

III.            الذكاء الحيواني:

في ظلّ هذا الإختلاف الكبير بين الغريزة والذكاء هل يمكننا أن نتكلّم عن الذكاء الحيواني؟

لا نستطيع أن ننكر وجود شيء من الذكاء عند الحيوان. وقد أثبتت الدراسات أنّ الحيوانات الفقرية هي أذكى من الحشرات، كما أنّ الشمبانزي هو أذكى الحيوانات الفقرية، وذلك من خلال دراسات أجراها كوهلر في هذا المجال، إذ تمكّن الشمبانزي من القيام ببعض الأعمال المعقّدة وهي:

أ‌-     الإلتفاف أو الدوران حول عائق للوصول إلى الطعام.

ب‌-إزاحة العوائق من أمامه للوصول إلى الطعام.

ت‌-إستعمال الأدوات مثل العصا لتقريب الطعام إليه.

ث‌-تحضير أدوات بتركيب أجزاء منفصلة لتقريب الطعام.

ويمكن القول بالإضافة إلى هذه المهارات أنّ للحيوان قدرة على التعلّم، وسرعة في التعلّم بعد عدد من المرّات. غير أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ اكتشاف الرابط بين الأداة والطعام أو بين العناصر عند الحيوان يتمّ بشكل حدثي تلقائي ولا يمكن أن تتمّ عملية الربط إلاّ إذا كانت العناصر موجودة امامه.

 

IV.            الذكاء الإنساني:

وإذا انتقلنا إلى الإنسان فهناك فرق ما بين الذكاء الإنساني والذكاء الحيواني، إذ أنّ الإنسان يتجاوز الحيوان على مختلف الأصعدة، ولكي نظهر الفارق بينهما لا بدّ من التحدّث عن أنواع الذكاء البشري.

أ‌-     الذكاء العملي:

يتجاوز ذكاء الإنسان ذكاء الحيوان بأنّه لا يكتفي باستعمال الآلات بل إنّه ينتجها، وهو يخترع آلات أكثر تعقيدًا من تلك التي يركّبها الحيوان. ويمكن للإنسان أن يكتشف روابط بين العناصر بسرعة تفوق سرعة الحيوان حتّى ولو كان بعض هذه العناصر غائب من أمامه، فهو قادر أن يستعيد من الماضي خبراته السابقة، بما يساعده على التكيّف الحاضر. كما أنّ للإنسان القدرة على إعادة النظر في عمله إذا ما شابه أي خلل، فالقائد العسكري الذكيّ يعدّل خطة عمله بحسب ما يستجد في ساحة القتال. وهكذا نرى أنّ الإنسان مهندس يصمم وتقني ينفّذ. ولهذا السبب فإنّ العالم الإنساني سوف يستمرّ في التطوّر بعكس عالم الحيوان. قالب برغسون: "الذكاء أداة تبدع أدوات متنوّعة، أمّا الغريزة فهي أداة لا تعرف إلاّ أن تبدع نفسها".

ب‌- الذكاء النظري:

للإنسان ذكاء نظري إلى جانب الذكاء العملي، وهو القدرة على التفكير بواسطة المفاهيم، وإقامة روابط بين الأفكار. فذكاء الطفل يبدأ عمليًا ويتحوّل إلى نظري وتجريدي أثناء فترة نموه. والوصول إلى التجريد يعني الوصول إلى اعتماد اللغة، والتي تُعتبر نظام من الرموز والإشارات لتأمين التواصل البشري، وحفظ المعرفة وتوسيعها إلى أبعد حدود. قال ديكارت "الحيوان لا يفكرّ لأنّه لا يتكلّم". ويظهر ذكاء الإنسان من خلال قدرته على بناء علاقات مع الآخرين والتواصل معهم. وهكذا فإنّ ذكاء الإنسان يتميّز عن ذكاء الحيوان بالدرجة والطبيعة، لأنّه قادر على صنع الآلات والتجريد والتواصل بواسطة المفاهيم.

إضافة إلى هذين النوعين من الذكاء فقد أضاف بعض العلماء أنواعًا جديدة، إذ اعتبر ثورندايك أنّ هناك نوعًا ثالثًا من الذكاء هو الذكاء الإجتماعي. ومع بداية القرن العشرين بدأنا نسمع عن أنواع جديدة من الذكاء، فالمهندس والفنان والأديب والمحامي يتمتّعون بأنواع مختلفة من الذكاء، وقد أعرب غاردنر عن وجود سبعة أنواع من الذكاء بما فيها الذكاء الجسدي عند الرياضيين والراقصين.

 

 

 

   V.            قياس الذكاء:

وضع الأميركي كاتل أوّل إختبار لقياس الذكاء. إلاّ أنّ الإختبار الذي يتناول قياس ذكاء الأولاد بحسب أعمارهم، هو من وضع بينيه الفرنسي ومساعده سيمون. وقد اعتمد فيما بعد عالم النفس شتيرن طريقة لقياس حاصل الذكاء عند الفرد، إنطلاقًا من مقارنة العمر الفعلي بالعمر العقلي حسب المعادلة التالية:

العمرالعقلي
--------  × 100= حاصل الذكاء

العمر الفعلي

إذا كان الحاصل أكثر من مئة فهذا يعني أنّ الفرد متفوّق في ذكائه، وإذا كان أقلّ فإنّ هذا يعني أنّه متخلّف، وإذا كان مئة فهذا يعني أنّ الفرد سويّ عاديّ. أُدخلت بعض التعديلات على هذا الرائز بسبب الإعتراضات عليه بأنّه لا يأخذ بعين الإعتبار البيئة الإجتماعية التي يعيش فيها الولد بل يساوي بين كلّ الأولاد. لذلك يبقى هكذا نوع من القياسات ناقصًا رغم كلّ التعديلات، إلاّ أنّه يعطي نوعًا من المقاربة الصحيحة لذكاء الإنسان.

 

خلاصة:

ليس الذكاء خاصّة مستقّلة في شخصية الإنسان، بل هو نتيجة تفاعل عناصر كثيرة: نوع التربية، وطرائق التعليم، والأوضاع الشخصية... فالنتائج المدرسية ليست الدليل القاطع على مستوى الذكاء، وينبغي البحث في حال التأخّر المدرسي عن عوامل عديدة: كجوّ العائلة، وطريقة التعليم، وحال المعلّمين...

والذكاء ليس ثابتًا عند الإنسان، إذ يمكن تنميته وتطويره، فالإنسان لا يستعمل إلاّ قدر قليل من ذكائه، وحتّى هذا القليل فإنّه لا يحسن اختياره. وبالتالي فإنّ للتعليم الدور الأساس في تنمية الذكاء وخلق أجواء لتكيّفه.

 

zaka2 cours 2.docx zaka2 cours 2.docx
Size : 0.026 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola