الوعي

مقدّمة:

عرّف بعض المفكرين والفلاسفة القدماء الإنسان بأنّه "حيوان عاقل" يميّز الخير من الشرّ. فإذا كان للحيوان نفس حيوانية محرّكة لبدنه، فللإنسان بالإضافة إلى ذلك نفس إنسانية تتميّز بالعقل الذي يجرّد المحسوسات فتصبح أفكارًا. والإنسان بواسطة الوعي يدرك الصور المجردة (الأفكار) ويدرك ذاته، ويدرك أنّه يدرك.  ولذلك، فقد كان هذا الوعي مركز اهتمامات علماء النفس التقليديين.

 

       I.            علم النفس التقليدي: علم نفس الوعي

إنّ علم النفس التقليدي رفض إمكانية وجود "لاوعي نفسي". فاللاوعي هو جسدي فقط، أما النفسي فلا يمكن أن يكون إلاّ واعيًا وهو الوعي بذاته. إنّ الوعي يترافق مع معنى المعرفة، أن أكون واعيًا يعني أن أفعل وأحسّ وأفكّر وأن أعي ذلك كلّه.

 

-       الوعي من المنظار الديكارتي: تظهر أبعاد الوعي المعرفية الكاملة مع ديكارت (Descartes)، فلقد كان وعيًا أصيلاً للذات في الكوجيتو (Cogito) "أنا أفكّر إذًا أنا موجود"، وصار مدخلاً إلى معرفة الله ومعرفة العالم الخارجي.

"أنا أفكّر إذًا أنا موجود" أي أنا ذات مفكّرة واعية لذاتها، يقول ديكارت: "وعلمتُ أنّ هذه الحقيقة الأولى والأصيلة هي الركيزة الأساسية التي كنت أبحث عنها لإقامة البناء الفلسفي الذي أريده"، واستقرّ تفكيره عند ثنائية النفس والجسد معتبرًا أنّ معرفة النفس هي أسهل من معرفة الجسد. أن نفكّر حسب ديكارت يعني أن نعي أنّنا نفكّر، وبالتالي فإنّ كلّ ما كان لا واعيًا لا مدخل له في الفكر بل يرتبط كليًّا بالجسد. فإنّ شعري ينبت وأظافري تنمو دون أن أحسّ بذلك.

-        والتزم آلان (Alain) بالعقلانية الديكارتية، فإنّ الفكر كلّه وعي ومن الخطأ الإعتقاد بوجود ذات لا واعية متخفية وراء الذات الواعية.

-       والتزم سارتر (Sartre) بعقلانية أستاذه آلان في إطار مذهب وجودي، فالحياة النفسية مبنية على الذات الواعية. وينحصر موضوع علم النفس في دراسة الكائن في وضع ما، فليس إذًا وراء الوجود الواعي وجودًا آخر.

-       إنّ فرويد (Freud) الذي اعتبر اللاوعي أساس الحياة النفسية انتقد المدرسة السلوكية وقال أنّ للوعي دورًا أوليًّا في العلاج النفسي: فالمريض النفساني عندما يتمكن من وعي أسباب مرضه، فإنّه يتخلّص من هذا المرض ويُشفى منه.

-       الفلسفة الظواهرية: إنّ الفلسفة الظاهرية تضعنا أمام حقيقة الوعي المنفتح منذ البداية على العالم الخارجي. "فإنّ كلّ وعيٍ هو وعيٌ لشيءٍ ما" هوسرل (Husserl).

 

  II.            منهج دراسة الوعي:

ولكن كيف تتمّ دراسة هذا الوعي النفسي؟

كلّ علم يتميّز عن غيره من العلوم بموضوعه الخاص وبمنهجه. وعلم النفس التقليدي موضوعه  الوعي ومنهجه الإستبطان.

الإستبطان:

هو دراسة تحليلية للحياة الداخلية. الإستبطان هو أن يقوم كل واحد من الناس بالتأمل والتبصّر بذاته، كي يدرس ذاته بذاته. إنّه دراسة الأنا للأنا. فهل يمكن اعتبار هذه الطريقة علمية، والنتائج التي تصل إليها موضوعية؟

 

III.            نقد الإستبطان:

لا يمكن أن تكون هذه الدراسة علمية للأسباب التالية:

-       أنها لا تؤمّن مراقبة موضوعية لحياتنا الداخلية. إذ أنّ الدارس (الأنا) هو نفسه المدروس (الأنا)، وقد اختصر "كونت" المشكلة في مماثلة مشهورة: فإننا لا نستطيع أن نقف وراء النافذة لنرى أنفسنا نسير في الشارع.

-       إنها مستحيلة وبخاصة في دراسة الحالات الإنفعالية. لا يمكنني مثلاً، أن أكون في حالة هلع وأن أدرس في هذه الحالة هلعي. كذلك الأمر في الغضب والغيبوبة. لذلك كانت السير الذاتية مفتقرة أيضًا إلى الموضوعية.

-       لا يمكن دراسة ذاتنا من غير أن ننحاز لصالح ذاتنا. فغالبًا ما نعرف ذاتنا على غير حقيقتها لأننا لا نرغب في معرفتها على حقيقتها.

-        إذا صحا الإستبطان على أمورٍ فكرية بعد فترة من حصولها، فإنّ مثل هذا الإستبطان المتأخّر عن حصول أحوال عاطفية يكون مزيّفًا أو على أقلّ تقدير مفتقرًا للدقّة، فهو في اغلب الأحيان عملية بناء جديدة لهذه الأحوال.

 

IV.            علم النفس الموضوعي: المدرسة السلوكية (البيهفيورية)

بيهفيور (Behavior)= السلوك.

 

هل إنّ دراسة "الوعي" تؤدّي إلى علم نفس موضوعي؟

إنّ السلوك وليس الوعي هو برأي واطسن (Watson) المعطى الوحيد في علم النفس القابل فعلاً للمراقبة العلمية. إنّه كما يقول واطسن (Watson): مجموعة ردات الفعل الملاحظة موضوعيًا والصادرة عن جسد حي بسبب مؤثرات خارجية. فيكون علم النفس محصورًا بدراسة العلاقة بين المؤثّر وردّة الفعل. فإنّ العالم النفسي ينحصر عمله في تحديد المؤثرات وردات الفعل وعلاقاتها والتنبؤ بحصولها، ويكاد العالم النفسي أن  يكون كالميكانيكي أو الحاسب البارع الذي يستطيع التنبؤ بالأفعال التي يمكن أن تصدر عن الكائن الحي نتيجة جميع القوى والمؤثرات الفاعلة.                            (مثير إستجابة)

 

وهكذا فإنّ علم النفس في توجّهه الموضوعي أحلّ الظواهر السلوكية الحاصلة في الخارج والخاضعة للمراقبة والقياس، محلّ الأحوال النفسية الداخلية المتغيرة والمستعصية على القياس. فإنّ علم النفس الإختباري الحيواني استطاع بالمناهج التي اتبعها وبالنتائج التي توصّل إليها أن يمهّد الطريق أمام نشوء علم نفس وضعي وموضوعي على غرار العلوم الطبيعية.

 

 V.            نقد النظرية السلوكيّة:

أعلن بعض الفلاسفة أنّ بيهفيورية واطسن مرفوضة لأنّ الكائن الحي وخصوصًا الإنسان ليس آلة، وأنّ المشاعر والأفكار والقيم الإنسانية لا يمكن أن تُفسّر كما لو كانت أشياء. إنّ السلوك الإنساني محكوم بالمعاني، ففي قاعة تجري فيها الإمتحانات، تتوالى من داخلها ومن خارجها مؤثرات يختلف معناها بالنسبة للتلاميذ والأساتذة والمراقبين، فالمؤثرات في السلوك الإنساني ليست مجرّد أسباب طبيعية، بل هي معانٍ تثير انفعالات مختلفة: إنّ عملاً موسيقيًا يختلف وقعه باختلاف المستمعين وأوضاعهم وأحوالهم النفسية. وإنّ الغابة هي ملجأ يتوارى فيه هارب من وجه العدالة، وجنّة وادعة للعاشقين، ومسرح خيال واسع للفنانين. فإنّ نفس المثير يؤدي إلى استجابات مختلفة حسب الأشخاص.

 

إعادة الإعتبار للوعي:

  • لا يمكن التخلي عن الوعي لأنه من دون الوعي لا يوجد لاوعي.

  • الوعي هو الحدث الذي يساعد الفرد على الإتصال بالعالم الخارجي، مثلاً، الإنسان الذي يكون في غيبوبةٍ لا يستطيع أن يتّصل بالعالم الخارجي.

  • الوعي هو القدرة على الإختيار؛ فأنا أختار مهنتي من بين مهنٍ عديدة في حالة الوعي.

  • الوعي  يؤمن تكيفنا مع ما هو من حولنا(الإندماج بالبيئة)، كما في أثناء الحفلات أو السهرات، أنا بحاجة إلى وعيي لكي أعيش حالة الفرح والترفيه. أو عندما أقود سيارتي بطريقة أوتوماتيكية من دون تركيزٍ كليّ على حركاتي، فجأةً يقفز أمامي طفلٌ صغير، عندها أصبّ كلّ تركيزي على الوعي لكي أتخلّص من هذه المشكلة، ويكون الوعي بالتالي سمح لي أن أخرج من شرودي وأن أتخلّص من  المتاعب.

  • الوعي هو توليفة(القدرة على الإستنتاج)، من دون وعيي لما استطعت أن أفكّر بإيجاد مخرج للمسائل المتناقضة.

  • للوعي مستويات من اليقظة التامة إلى الغيبوبة. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



الفصل الثاني: اللاوعي

 

مقدمة:

 

 

بات واضحًا أنّ فكرة اللاوعي بقيت مجهولة، بل مرفوضة من علماء النفس التقليديين ردحًا طويلاً من الزمن. ذلك أنّ الوعي كان يشكّل الموضوع الوحيد لعلم النفس.

 

غير أنّ بعض الظواهر النفسية الخارجة عن إطار الوعي، كالنوم والنسيان والتصرّف الآلي، أدّت إلى افتراض وجود اللاوعي. وقد بدأ هذا المفهوم يتردّد على ألسنة بعض الفلاسفة مثل لايبنز (Leibniz) ولاروشفوكو (La Rochefoucauld)، وروسو وماركس وغيرهم.

وتمكّن مفهوم اللاوعي أن يفرض نفسه نهائيًا مع "سيغموند فرويد" (Sigmund Freud)، الذي بنى نظرية متماسكة تنطلق من اللاوعي لتصل إلى التحليل النفسي، مُقدّمة بذلك خدمات كبرى لعلم النفس. وهذا ما دفع بالفيلسوف وعالم النفس الأميركي وليام جيمس (William James) إلى

 

القول: "إنّ اللاوعي هو أهمّ اكتشاف حصل في القرن التاسع عشر".

 

       I.            تعريف اللاوعي:

إنّ اللاوعي هو جزء هام من الشخصيّة، يحتوي على مجموع الميول والغرائز والرغبات والقوى النفسية الباطنية التي تحاول التعبير عن نفسها والظهور بشتى الوسائل. تؤدي دراسة اللاوعي إلى فهم أفضل لتصرفات الإنسان (وجهة نظر فرويد).

يمكن تشبيه اللاوعي بالجزء الكبير من جبل الجليد المطمور تحت سطح المياه. وإنّ الجزء الصغير الذي يبرز فوق سطح المياه هو الوعي.

 

    II.            منهج التحليل النفسي:

يتساوى غرض منهج التحليل النفسي عند فرويد مع منهج التطهير القائم على إرجاع فكرة لا واعية مسببة لإضطرابات نفسية إلى منطقة الوعي، فإنّ الحدود بين اللاوعي والوعي ليست قطعًا مغلقة.

وقد فضّل فرويد منهج التحليل النفسي على منهج التنويم المغناطيسي الذي كان متبعًا من قبل، لأنّ هذا المنهج الأخير يسحق شخصية المريض أمام شخصية طبيبه فضلاً عن أنّ نتائجه مؤقتة، ولا يخلو هذا المنهج من الذهنية السحرية القائمة على فكرة السيطرة.

 

والمعالجة بالتحليل النفسي طويلة: فهي تتطلّب عدّة جلسات أسبوعية على مدى سنوات، يُدعى فيها المريض للإستلقاء براحة تامة على أريكة والمبادرة بالكلام بحريّة كاملة من دون إهمال أي شيء يرد على خاطره. وينتقل المريض عفويًا وبالتدرج من حديث في العموميات إلى خصوصيّاته التي لا تخلو من ضيق وحرج، ويكون الطبيب في غاية الإنتباه، يسجّل ما يسمعه ملتفتًا إلى كلمات تبدو مهمة للغوص في نفسية مريضه.



وقد يتوقّف المريض فجأةً في مسيرة التداعي، فهذه الوقفات المفاجئة بالإضافة إلى حالات الصمت الطويلة والتغيّب عن جلسات المعالجة والكلام غير اللائق الموجّه إلى الطبيب تشكّل حواجز مانعة تؤدّي إلى تقاعس همّة المريض عن كشف أحواله اللاواعية، وتعني هذه المقاومة اللاواعية استمرار الكبت. يحاول المريض تحاشيها فيقوم الطبيب بتحليل ما يظهر عند مريضه من زلاّت اللّسان وأفعال تائهة (ناقصة).

وعرّف فرويد زلاّت اللّسان أنّها كلمات تُذكر بطريقة لاواعية في مجرى الكلام، والأفعال التائهة (الناقصة) أفعال تجري من غير قصد فاعلها والتداعي الحرّ هو ترابط الأحوال النفسية في مسيرة لاواعية.

وقد اهتمّ فرويد اهتمامًا بالغًا بظاهرة زلاّت اللّسان، ففي حين نعتبرها نحن كلمات بريئة وغير مقصودة، فإنّ فرويد يتوقّف عند معانيها الباطنة الدقيقة، مثلاً: رئيس مجلس يقع في زلة لسان عندما يعلن اختتام الجلسة في لحظة افتتاحها، لقد كان بين الحضور خصوم ألدّاء سيتناولون الكلام في الجلسة، فعبّر رئيس المجلس عن موقفه السلبي اللاواعي من هذا الحضور. إذًا فإنّ زلّة اللسان تعبّر عن نوايا لاواعية.

كذلك النسيان، فإنّه يعود أحيانًا إلى اللاوعي، فإنّ نسيان موعد ليس دائمًا فعلاً بريئًا وغير مقصود، بل قد يخفي وراءه عدوانية: يضرب فرويد مثلاً عن زوج متوتّر العلاقة مع زوجته يتلقّى منها هديّة كتاب مطالعة ويشكرها على لفتتها الجميلة ويعدها بقراءة الكتاب، ثمّ يضعه في مكان؛ لكنّه ينسى تمامًا أين وضعه. تمضي شهور وتمرض والدته فتلقى من زوجته عناية جيّدة، يفرح الرجل من فعل زوجته، وعندما يعود إلى البيت ذات مساء ويفتح جرّارًا كما لو كان تحت تأثير تنويم مغناطيسي فيقع حالاً على الكتاب المفقود؛ نستنتج من هذا المثلّ، أنّه عندما زالت الخلفية العاطفية المانعة وجد الزوج الكتاب.

 

 III.            تحليل الأحلام:

كانت الأحلام خاضعة قبل فرويد إمّا لتفسير ما ورائي يردّها إلى قوة منظورة فائقة الطبيعة تصنع أحلام النائم، وإمّا إلى أصول فيزيولوجية. لكنّ وجه الإبتكار عند فرويد أنّه تجاوز هذين الحلّين وأعطى للأحلام تفسيرًا نفسيًا فردّها إلى جذور الحياة النفسية اللاواعية، فصارت الأحلام تعبّر عن ذات الشخص وليست غريبة عنه. إنّ الحلم يعبّر، حسب فرويد، عن رغبات الإنسان اللاواعية؛ فهو إذًا ذو معنى إنساني وشخصي. فالحلم هو حارس عملية النوم، فعندما أحلم أنّني عطشان وأنني أشرب، فإنّ ذلك يساعدني على الإستمرار في النوم إلى أن أستيقظ وأشرب بالفعل.

إنّ أكثر الأحلام تعبّر عن رغبات مكبوتة من الأفضل أن تتابع مجراها اللاواعي. ويكون الإنسان في حال يقظته خاضعًا لرقابة هي مزيج من ضغوطات أخلاقية وإجتماعية ودينية وقواعد سلوكية. وتؤدي هذه الرقابة الضاغطة إلى كبت الرغبات التي تتخفّى دون أن تختفي في الحقيقة وتنتظر واهنةً وتعبةً في الرقابة لتعود فتظهر إلى مسرح الواقع متنكرة وعلى درجة كبيرة من الرمزية؛ لذلك كانت الأحلام موضوعًا للتأويل تكشف لنا خفايا النفس وأعماقها اللاواعية، علمًا بأنّ الأحلام لا تحمل كلّها علامات مرضية. فقد تكون تحقيقًا لرغبة عادية كمثل الطفل الذي ذكره فرويد، وكان قد اضطُرَّ إلى تقديم ما معه من كرز لرفاقه فرأى في المنام ما يعوّض عن حرمانه، فكان أمام سلّةٍ مليئةٍ بالكرز أكلها بأكملها.

ويذكر العالم "فرينك" أنّ إحدى مريضاته ذكرت له أنّها رأت في المنام، أنّها اشترت من مخزن فخم قبّعة جميلة سوداء غالية الثمن، أدّى تحليل هذا الحلم إلى أنّ زوج هذه المرأة مريض طاعن في السنّ وبخيل، وأنّها واقعة في حبّ شاب جميل وغني. فكان الحلم تعبيرًا عن مجموعة رغبات أخرجها اللاوعي بطريقة رمزية. فإنّ القبعة الجميلة تعني رغبتها في إغراء عشيقها، والثمن الباهظ يعني رغبتها في المال، أمّا القبعة السوداء فهي رمز الحداد ورغبة في التخلّص من زوجها المريض.

فإنّ صاحب المزاج السوداوي يحلم مثلاً أنّه يغرق في بحر هائج، وضيق النفس يؤدّي إلى الوقوع في كوابيس. والحرمان الطويل من الطعام والشراب يؤدّي إلى أحلام زاخرة بطيّبات الطعام والشراب.

 

 

 IV.            الجهاز النفسي الفرويدي:

إعتبر فرويد الذات الإنسانية أشبه ببناء مكوّن من ثلاث طوابق:

الطابق الأوّل، هو عمق الحياة النفسية المكوّنة من القوى الغريزيّة اللاواعية "الهو" (ça) وأهمها عند فرويد الغريزة الجنسية التي تتساوى بالشهوانية الجسدية العامة ويذكر فرويد غرائز أخرى أبرزها الغريزة العدوانية وتضغط هذه الغرائز المكبوتة من أعماق النفس محاولةً الظهور على مسرح الذات الواعية.

الطابق الثاني، ويتكوّن من الذات الواعية "الأنا" (Moi) الواقعة في الوسط بين ضغط الغرائز وضرورة الملاءمة مع الواقع الخارجي فهي في مسرح النزاعات الضاغطة من أسفل ومن أعلى.

الطابق الثالث، الأنا الأعلى (Sur moi) الأخلاقية. وتفرض الأنا الأعلى رقابة صارمة على الذات المتوسطة وتملي عليها أوامر رادعة وتهددها بالعقاب معبّرة بذلك عن دور السلطة العائلية في تكوين شخصية الطفل. ويؤدّي الضغط من أعلى إلى كبت الغرائز، وينبّه فرويد إلى أنّ الأنا الأعلى عند الصبي هي أشدّ قوّة منها عند البنت، فتسيطر على الصبي حالة غيرة من والده، إذ يرغب بالإستئثار بعاطفة أمّه وعنايتها، ويكون الوالد منافسًا للصبي في هذا المجال العاطفي، فتتنازع الصبيّ رغبتان: الإستئثار بحبّ والدته ولبس شخصية والده. وقد لخّص فرويد هذه الروابط المتناقضة في عقدة "اوديب" وهي خرافة مقتبسة من الأدب اليوناني ترمز إلى صراع الغرائز البشرية.

وأكّد فرويد على أثر الأنا الأعلى البالغ في الإضطرابات السلوكية والعاطفية بالأمراض النفسية، فإنّ الإنسان الراشد السويّ (الطبيعي) المدرك لمعنى علاقاته الإجتماعية يعي أيضًا ضرورة السيطرة على غرائزه ليحافظ على توازنه الإجتماعي. أمّا في الحالات غير السوية (المرضية) فإنّ الغرائز المكبوتة لا تختفي بل تنتقم وتعبّر عن ذاتها باضطرابات نفسية مرضية في كثير من الأحيان، هكذا تنشأ العقد وتتكوّن فهي ميول مكبوتة ومعزولة عن جملة الشخصية، تعمل من وراء ستار اللاوعي بطرق خاصة تاركةً آثارًا بالغة في شخصية الفرد.

 

    V.            أهميّة الطفولة ودورها في تكوين الشخصية:

تتكوّن الشخصية في ما قبل السنة السادسة "فإنّ معرفة حوادث الطفولة هي المدخل الأمثل لفكّ رموز وتعقيدات الشخصية، قال الشاعر"ورد ورس" في مجال كلامه على أثر حوادث الطفولة في تكوين شخصية الإنسان الراشدة: "إنّ الطفل هو أب الرجل"، وإنّ الصدمات النفسية في فترة الطفولة وعلاقة الطفل بعائلته هي العوامل الأساسية لفهم سلوكه في المراحل اللاحقة. وإنّ الهدف الرئيسي للتحليل النفسي، هو تحريرنا من أثر الماضي اللاواعي وردّه إلى مجال الوعي، فلا يبقى الإنسان لاصقًا بماضيه بطريقة لاواعية، بل إنّه يمتلك هذا الماضي كموضوع معرفة واعية ويعترف به.

 

 VI.            دور الغريزة الجنسية (أهمية الجنس عند فرويد)

عاش فرويد في المجتمع النمساوي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين في ظلّ العائلة الأبوية الضاغطة، تبيّن له من خلال مرضاه وهم من الطبقة البرجوازية، أنّ أكثر المواضيع المكبوتة كانت متعلّقة بالحياة الجنسية، فحيث أنّ الغريزة الجنسية نادرًا ما تجد إشباعًا كافيًا، فإنّها تصطدم بسرعة بالذات العليا، وتعود هذه الغريزة بحسب فرويد إلى مراحل الطفولة وخلال الحياة الجنينية، فهي بهذا المعنى مردودة إلى الشهوانية الجنسية المنتشرة في عموم الجسد (La Libido) والتي تبحث عن اللذة الحسيّة بمعناها العام. فقد تصوّر فرويد تطوّر الحياة الشهوانية في ثلاث مراحل:

-       المرحلة الفمية: وأبرز مظاهرها ارتضاع الإصبع والعضّ، فتكون شهوانية الجسد مركّزة فقط في الفم.

-       المرحلة الشرجية: فيها تتركّز هذه الشهوانية عند الطفل في ظاهرتين: العدوانية التي تدفعه إلى تمزيق الأشياء وكسرها وإتلافها، والظاهرة الثانية إهتمام الطفل بأعضائه الجنسية وفي الميل إلى التعرّي وإلى التبريز.

-       المرحلة الجنسية: تظهر في طور المراهقة الشهوانية الجنسية بعد سلسلة التحولات الجسدية والنفسية فينتقل الولد إلى مرحلة البلوغ وما يرافقها من أزمات.

ويرى فرويد أنّ قصّة أوديب الذي شاء قدره أن يقتل والده وأن يتزوّج من أمّه هي رمز لطفولة كلّ واحد منّا. فيأخذ الصبي شخصية والده وتشدّه عاطفته إلى التعلّق بأمّه، وتأخذ البنت شخصية أمّها وتشدّها عاطفتها إلى التعلّق بوالدها، فهذه الإختلاطات اللاواعية بين الميول تولّد عقدًا تنحصر بين السنة الثالثة والخامسة وتنتهي في حوالي السابعة.

ولكن هناك من اعترض على هذه التفسيرات المعتمدة على خرافة أوديب، فهي على رأي بعضهم مرتبطة بمجتمعات تكون العائلة فيها أبوية تسلطيّة؛ وقد لاحظ علماء الإجتماع أنّ هذه العقد لا وجود لها في مجتمعات قبلية بدائية تكون العائلة فيها أمومية خاضعة لسلطة الأم. كما وأنّ الإهتمام الكافي بالأولاد يخفّف من مظاهر استئثار الرجل والمرأة برغباتهما الشخصية وهذا من شأنه أن يوفّر للولد شعورًا بالأمان العاطفي فلا نتصوّر عندئذٍ ظهور مثل هذه الأمور التي تحدّث عنها فرويد. وما تحدّث عنه فرويد بخصوص مرضاه قد يكون حالات شاذة لاحظها على أفراد يشكون من حرمان عاطفي في فترة الطفولة دون أن يشكّل ذلك قاعدة عامة كما تصوّر.

 

VII.            تقويم منهج التحليل النفسي ونظرياته: (نقد لفرويد)

إنه منهج ثوري، لقي ردّات فعل، لكنّه أكّد فعاليته فصحّح وأكمل كثيرًا من المفاهيم النفسية. لكنّ الخطأ هو في تحويل هذا المنهج إلى نظرية (نظرية اللاوعي) تدّعي تفسير جميع مظاهر الثقافة الإنسانية من علوم وفنون ومذاهب وفلسفات وتقنيات، وجميع حقائق السلوك وقيمه من أنظمة حكم وقواعد أخلاقية...، ما هي إلاّ تعابير مختلفة عن المكبوت الجنسي اللاواعي. وبالتالي فهناك إستحالة للبحث عن جذور فنّية أصيلة. من هنا لحقت بنظرية التحليل النفسي تهمة المادية، لأنّها لا ترى في الفنون سوى الجانب المادّي الذي يردّ أصل هذه الفنون إلى غرائز مكبوتة وخصوصًا الجنسية منها. قد يناسب هذا النوع من التفسير أشخاصًا في ظروفٍ خاصّة بهم، لكنّه لا يستوعب الحقيقة الفنية والعلمية والدينية للنفس الإنسانيّة. فإنّ التحليل النفسي لا يفسّر من الفن سوى أقلّ ما فيه من فنّ، ولا يمكن أن يفسّر فروقات العبقرية بين فنّان وآخر؛ ولا أن يتفهّم التسامي الأخلاقي والديني الأصيل، فإنّ هذه الأصالة لا تُفهَم إلاّ بالعودة إلى غير جذور الغرائز المادية. فعلينا هنا الرجوع إلى الميول الروحية عند الإنسان. كما أنّ تفسير القاعدة المادية للسلوك يشكو من تجاهل لعناصر كثيرة تؤثّر في الشخصية كالعناصر الإجتماعية العامة والعرقية والتاريخية والثقافية، فهذه عناصر أهملها فرويد. فإذا صحّ هذا المنهج لمعالجة الحالات المرضية، فلن تكون نظرية كافية لشرح الشخصية ولفهم الإنسان.

 

VIII.            ما بعد فرويد:

نظرية أدلر (Adler): عقدة النقص

يقلّل أدلر من أهمية الغريزة الجنسية التي تحدّث عنها فرويد، ويؤكّد على الحاجة إلى إثبات الذات. إنّ أصل الأمراض النفسية ليس في مشكلة جنسية بقدر ما هو في إحساس بالنّقص، هكذا كانت غراميات دون جوان (Don Juan) تعويضًا عن تشوّه عضوي في قدمه، فيكون وراء الجنسية المادية رغبة نفسية هي إثبات الذات والقدرة على السيطرة.

 

نظرية يونغ (Jung):

قسم يونغ النّاس إلى نوعين:

-       المنفتح الذي يحبّ المجتمع ولا يستطيع أن يعيش خارج نطاق هذا المجتمع.

-       المنغلق على ذاته الذي يخاف الناس ويفضّل العزلة.

   كما اكتشف يونغ أنّ لاوعينا محكوم بمواضيع خرافية عن الآلهة والعمالقة والوحوش والسحرة والذئاب الكاسرة. فإنّ لاوعينا الفردي المكوّن من تجاربنا الشخصية يغوص أيضًا في تاريخ النفس البشرية ويحمل أيضًا همومها: النزاعات، الحروب، الثورات، المجاعات، الأوبئة؛ إنّ جميع هذه الكوارث التي نزلت بالبشرية تنعكس أيضًا في لاوعينا الفردي من حيث أنّنا ننتمي دائمًا إلى ثقافة وعرق، ثم إلى البشرية عامّةً في كلّ زمانٍ ومكان (لاوعي جماعي أو عام)، ويبقى اللاوعي العام غارقًا في اللاوعي الفردي.

 

أساليب التحليل النفسي المعاصرة:

إنّها إختبارات اخترعها المحلّلون بعد فرويد لإكتشاف اللاوعي، وهي إختبارات إسقاطية؛ فإنّنا كما يقول فرويد نُسقِط من خلال إدراكنا للعالم الخارجي مشاعرنا وأفكارنا بطريقة لاواعية على الأشياء، وقد طوّر علماء النفس الأميركيون والسويسريون تقنيات إسقاطية نذكر منها:

-       إختبار رورشاخ (Test de Rorschach): نطوي ورقة طولاً وعرضًا على نقطة حبر موضوعة في وسطها، ويُطلب من أشخاص تأويل الشكل المُتكوّن على غير نظام، ويُكرّر هذا الإختبار على عشرة نماذج، وتتمّ في هذه الإختبارات حالات إسقاط تكشف خفايا الشخصية وطبائعها.

-       إختبار موراي (Murray): إنّه مكوّن من ثلاثين لوحة عليها أوضاع شخصيات متنوعة ومعبّرة. يُطلب من الشخص تصوّر قصّة عمّا يراه، فيكون الإسقاط هنا من خلال إستحباب أو نفور ممّا يشاهده على اللوحات المعبّرة.

-       إختبار سوندي (Szondi): عشر مجموعات من الصور في كلّ مجموعة صورة صنف من الطباع. يُطلب من الشخص أن يختار من كلّ مجموعة ما يُسرّهُ وما يُنفّرُهُ، فتنكشف بذلك ميول الشخص المكبوتة.

تقنيات الألعاب: هذا إختبار خاص بالأطفال، فإنّ الطفل يُسقط على الألعاب ما يحمله في نفسيّته.

 

wa3i la wa3i cours 2.docx wa3i la wa3i cours 2.docx
Size : 0.037 Kb
Type : docx
wa3i-lawa3i.docx wa3i-lawa3i.docx
Size : 0.05 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola