الوعي \ اللاوعى

مقدّمة: لقد شغلت ثنائية الوعي \ اللاوعي، حيّزًا كبيرًا من منظومة العلم النفسي القديم منه والحديث. فبينما أعطى العلم النفسي التقليدي الأفضلية للوعي على اللاوعي وجعل الأول مصدرًا للحياة النفسية، ناقض علم النفس الحديث هذه المقولة، ليجعل من اللاوعي المؤثر الأول والأهم على الحياة النفسية الإنسانية. ولكن، لا بدّ من التوقف قليلاً عند تعريف الوعي، لما يسهل هذا الأمر من استيعاب وفهم هذه الثنائية الأساسية. يطالعنا معجم لاروس بتعريف للوعي مؤداه أنه إدراك تختلف درجة وضوحه ومن شأنه تعريفنا بذاتنا. الوعي موجود في أساس كل معرفة فمنه واليه تعود. فان أكون واعيا يعني أن أفعل وأحس وأفكر وأعي ذلك كله. فإن الوعي هو حدث مميز يمنع أن يكون الإنسان شيئًا غارقًا في قلب الأشياء. بل أنه يضعه أمام الأشياء ذاتًا تتعامل مع الكون كموضوع معرفة لتفهمه وتحكم عليه وتفسره. من هنا كان الوعي الموضوع الأوحد لعلم النفس التقليدي، أما اللاوعي بالنسبة إلى هذا الأخير فهو عدم وجود الوعي وهذه الحالة تتجلى خاصة في حالات النوم والعادات الخ... أما عند علماء التحليل النفسي وبخاصة فرويد فاللاوعي يأخذ بعدا جديدا لم يعرفه من قبل. بالنسبة لفرويد ان اللاوعي هو المحرك المستتر لكل حياتنا النفسية ويظهر هذا الأمر جليا في الحالات المرضية التي عالجها فرويد في مسيرته الطويلة كأول محلل نفسي بالمعنى الحديث للكلمة.امام هذه التناقضات لا بد من طرح أسئلة واشكاليات عديدة.

الاشكالية:هل يمكننا عن طريق الوعي وحده، أن نشرح جميع ظواهر حياتنا النفسيّة؟ ما هو الدور الذي يلعبه السلوك في تفسير حياة الإنسان النفسيّة؟اليس للاوعي دور في فهم حياتنا النفسية؟ كيف يلعب هذا الدور؟

موقف ديكارت: الوعي هو المدخل الأساسي لمعرفة الذات والعالم

لما كانت ميزة الفكر أنه وعي، فان مفهوم اللاوعي النفسي أو الفكر اللاوعي يبدو أمرا متناقضًا. فمنذ نشأة علم النفس الوضعي عرف علماء النفس علمهم بأنه دراسة الوعي بالوعي. وهذا ما يذهب اليه الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت الذي وان لم ينكر وجود اللاوعي، فانه أعطى الأفضلية للوعي ملحقا اللاوعي بالآليات البيوعصبية. كيف يفسّر ديكارت هذه المسألة؟

تظهر أبعاد الوعي المعرفية الكاملة مع ديكارت، فلقد كان وعيًا أصيلًا للذات في الكوجتو وصار مدخلًا إلى معرفة الله ومعرفة العالم الخارجي. وقد خرجت هذه الحقائق من متون الشك. فلم يكن الشك عنده إنكارا للحقيقة، بل كان منهجًا للوصول إلى الحقيقة التي ينبني عليها كل مضمون المعرفة. فإن هذا الأسلوب في الشك الافتراضي لم يكن شكًا فعليًا، بل كان نابعًا من إرادة الوصول إلى المعرفة اليقينية، وتمثلت هذه المعرفة في حقيقة الفكر الواعي لذاته أنا أفكر إذا أنا موجود أي أنا ذات مفكرة واعية لذاتها. وهنا يتساوى الموضوع مع الذات، ويكون الوعي فكر الفكر.


وبقي على ديكارت أن يعرف كيف ينتقل من الذات العارفة إلى الذات الجوهرية، يعني أن يعرف حقيقة هذه الذات الثابتة على مدى جميع الأفكار والتصورات التي تمرّ في ذهنه. فتوصل إلى إثبات روحانية هذا الجوهر العارف الواعي واستقرّ تفكيره عند ثنائية النفس والجسد معتبرًا أن معرفة النفس هي أسبق وأسهل من معرفة الجسد.

لقد ساوى ديكارت بين الفكر والوعي وفصل فصلًا تامًا بين النفس والجسد. فعنده أن الإنسان ثنائي التكوين. مكوّن من النفس الواعية ومن الجسد المردود إلى الامتداد أي المادة. فكل ما هو في ذاتي خارج الفكر والوعي يخص الجسد ويُفسّر بمقتضى آليات بيوعصبية فيزيولوجية. أن نفكّر حسب ديكارت يعني أن نعي أننا نفكر وبالتالي فإن كل ما كان لا واعيًا لا مدخل له في الفكر، بل يرتبط كليًا بالجسد. فعنده أنه من الخطأ الاعتقاد بأن اللاوعي هو كيان آخر يؤثر فينا بطريقة شيطانية. فإن كلمة لا وعي لا يمكن أن تعني سوى آليات عصبية فيزيولوجية. فإن شعري ينبت دون أن أحس بذلك، واني لا أعي كيف يعمل كبدي أو أي عضو آخر في جسدي.

موقف آلان: الفكر كلّه وعي

التزم آلان بالعقلانية الديكارتية، بل إنه حتى تجاوزها فإن الفكر كله وعي، ولا يمكن أن نفكر دون أن نعي أننا نفكر ومن الخطأ الاعتقاد بوجود ذات لا واعية متخفية وراء الذات الواعية. فالحياة النفسيّة للإنسان يقودها الوعي وحده بدون توسّط أي ملكة أخرى في الإنسان.

موقف الظواهريين (هوسيرل): الوعي قصديّة يعبّر عن الحياة النفسيّة برمّتها

تُعتبر المدرسة الظواهريّة من أهم المدارس الفلسفيّة الحديثة التي أعادت الاعتبار للوعي ووضعته في صلب الحياة النفسيّة الإنسانيّة. يعتبر هوسرل مؤسّس المدرسة الظواهريةأن الوعي ليس أساس الحياة النفسيّة وحسب بل هو مفتاح معرفة العالم الخارجي؛ فالوعي بالنسبة إليه يقصد دائمًا شيئًا غير ذاته، فيعبّر بالتالي عن الحياة النفسيّة برمّتها؛ "كل وعي هو وعي لشيء ما".    

 موقف سارتر: الحياة النفسيّة مبنيّة على الذات الواعية

التزم سارتر بعقلانيّة أستاذه ألان. في إطار مذهب وجودي: فالحياة النفسية مبنية على الذات الواعية، وينحصر موضوع علم النفس في دراسة الكائن في وضع ما فليس إذا وراء الوجود الواعي وجود فالحالة الوحيدة التي يوجد فيها الوعي هي وعيه أنه موجود. وما سوى ذلك فهو تمويه وعملية كذب على الذات. في الحقيقة، لقد اتخذ سارتر هذا الموقف خوفا على الحرية الانسانية اذ ان وجود اللاوعي واثره البالغ على الحياة النفسية من شأنه أن يقوض هذه الحرية وحتى من شأنه أن ينفيها نهائيا.

الاستبطان: منهجيّة دراسة الوعي


يعتبر علماء النفس التقليديّون أن المنهج الوحيد القادر على دراسة الوعي هو الاستبطان. ويقوم الاستبطان على فكرة مفادها أن الحياة النفسيّة الداخليّة لا يعرفها إلّا من يعيشها، أي صاحبها نفسه. فالفرد هو وحده القادر على فهم ما يعانيه وما يشعر به دون غيره من الناس. ويتمثّل الاستبطان بأن يقوم الفرد بالتأمل والتبصّر بذاته كي يدرس ذاته بذاته.

بالرغم من الفوائد التي قد يكتسبها الإنسان من جراء التأمل بذاته، يبقى الاستبطان طريقة معرفة ذاتية محضة ولا ترقى إلى الموضوعيّة العلمية لعددٍ من الأسباب أهمها:

لا تؤمن هذه الطريقة مراقبة موضوعيّة للحياة الداخلية فالدارس والمدروس هما شيء واحد وتنعدم المسافة بين المراقب وما يراقبه. كما انها مستحيلة في بعض الحالات النفسيّة الانفعالية كالهلع والغضب والخوف...وقاصرة في ميادين عدّة من علم النفس كعلم نفس الطفل والحيوان... بالإضافة إلى أنّ الإنسان يعجز عن دراسة نفسه بموضوعيّة فهناك انحياز دائم لصالح الذات.

ولكن اليس رد اللاوعي الى مجرد آليات بيوعصبية او نفيه تماما اختزال لدور هذا الأخير؟ الا يلعب اللاوعي دورا ولو ثانويا في حياة الانسان النفسيّة؟

موقف السلوكيون (واطسون):

إن كان الوعي هو محور الحياة النفسية في علم النفس التقليدي، فإن السلوكيّون جعلوا من السلوك المحور التي تدور حوله كل الحياة النفسيّة للإنسان. فالوعي هو ذاتيّة داخلية لا يدركها إلا صاحبها وبالتالي فهو غير قابل للمعرفة العلميّة الموضوعيّة على عكس السلوك القابل للمراقبة وبالتالي للمعرفة الحقيقيّة.

يعرّف واطسون السلوك على أنّه مجموعة رود الفعل الحسيّة والعصبيّة والعضليّة التي يثيرها مؤثّر خارجي. وهذا السلوك هو المعطى الوحيد بحسب واطسون الخاضع للمراقبة العلمية. فيمسي علم النفس بالنسبة اليه الدراسة العلميّة للعلاقة التي تربط بين السلوك من جهة والمؤثّرات من جهة أخرى عند الكائنات الحيّة دون أي اعتبار للوعي في هذه الدراسة.

نقد النظرية السلوكيّة:

أعلن بعض الفلاسفة أنّ بيهفيورية واطسن مرفوضة لأنّ الكائن الحي وخصوصًا الإنسان ليس آلة، وأنّ المشاعر والأفكار والقيم الإنسانية لا يمكن أن تُفسّر كما لو كانت أشياء. إنّ السلوك الإنساني محكوم بالمعاني، ففي قاعة تجري فيها الإمتحانات، تتوالى من داخلها ومن خارجها مؤثرات يختلف معناها بالنسبة للتلاميذ والأساتذة والمراقبين، فالمؤثرات في السلوك الإنساني ليست مجرّد أسباب طبيعية، بل هي معانٍ تثير انفعالات مختلفة: إنّ عملاً موسيقيًا يختلف وقعه باختلاف المستمعين وأوضاعهم وأحوالهم النفسية. وإنّ الغابة هي ملجأ يتوارى فيه هارب من وجه العدالة، وجنّة وادعة للعاشقين، ومسرح خيال واسع للفنانين. فإنّ نفس المثير يؤدي إلى استجابات مختلفة حسب الأشخاص.


إعادة الإعتبار للوعي:

  • لا يمكن التخلي عن الوعي لأنه من دون الوعي لا يوجد لاوعي.

  • الوعي هو الحدث الذي يساعد الفرد على الإتصال بالعالم الخارجي، مثلاً، الإنسان الذي يكون في غيبوبةٍ لا يستطيع أن يتّصل بالعالم الخارجي.

  • الوعي هو القدرة على الإختيار؛ فأنا أختار مهنتي من بين مهنٍ عديدة في حالة الوعي.

  • الوعي  يؤمن تكيفنا مع ما هو من حولنا(الإندماج بالبيئة)، كما في أثناء الحفلات أو السهرات، أنا بحاجة إلى وعيي لكي أعيش حالة الفرح والترفيه. أو عندما أقود سيارتي بطريقة أوتوماتيكية من دون تركيزٍ كليّ على حركاتي، فجأةً يقفز أمامي طفلٌ صغير، عندها أصبّ كلّ تركيزي على الوعي لكي أتخلّص من هذه المشكلة، ويكون الوعي بالتالي سمح لي أن أخرج من شرودي وأن أتخلّص من  المتاعب.

  • الوعي هو توليفة(القدرة على الإستنتاج)، من دون وعيي لما استطعت أن أفكّر بإيجاد مخرج للمسائل المتناقضة.

  • للوعي مستويات من اليقظة التامة إلى الغيبوبة. 


موقف فرويد: اللاوعي هو مصدر حياة الإنسان النفسيّة

مقدّمة

لم يكن فرويد أوّل من أشار إلى أن الحياة النفسيّة للإنسان قد لا تخضع بمجملها لسلطة الوعي. فقد سبقه إلى ذلك العديد من المفكّرين والفلاسفة على غرار شوبنهاور نيتشه وغيرهم. إلّا أن فرويد  يعتبر ابرز من أظهر دور اللاوعي في الحياة النفسية للانسان.

تتلمذ فرويد في فرنسا على مشاهير الأطباء النفسيين شاركو وبرنهايم ، شارك في جلسات التنويم المغناطيسي المطبقة أنذاك. فكانت حالة الهستيريا المرضية الموضوع الذي اهتم به الطبيبان الفرنسيان شاركو و برنهايم وقد توصلا الى

اكتشاف مدى اثر اللاوعي على هذه الحالات المرضية، كان شاركو يرد الظواهر الهستيرية إلى حالة إيحاء ذاتي ناتجة عن أفكار لا واعية. أما فرويد فقد توصل الى طريقة لتنقية اللاوعي la méthode cathartique واساسها ان انكشاف الحالة اللاوعية سبب المرض النفسي، وظهورها على مسرح الوعي يؤدي رأسا الى الشفاء فإن الحدود بين اللاوعي والوعي ليست قطعًا مغلقة. ومن هنا أصبح لللاوعي أفضلية على الوعي وأصبح في صلب النفس والحالات النفسية.

منهج التحليل النفسي


وقد فضل فرويد منهج التحليل النفسي على منهج التنويم المغناطيسي الذي كان متبعا من قبل لأن هذا المنهج الأخير يسحق شخصية المريض أمام شخصية طبيبه فضلا عن أن نتائجه مؤقتة ولا يخلو من الذهنية السحرية القائمة على فكرة السيطرة.

والمعالجة بالتحليل النفسي طويلة: فهي تتطلب عدة جلسات أسبوعية على مدى سنوات، يدعى المريض للاستلقاء براحة تامة على أريكة والمبادرة بالكلام بحرية كاملة من دون إهمال أي شيء يرد على خاطره، فيقوم الطبيب بتحليل ما يظهر عند مريضه من زلات لسان وأفعال تائهة وأحلام النوم. ولعل هذه الظواهر هي من أهم البراهين على وجود وتأثير اللاوعي على الحياة النفسية ولذلك لا بد من التوقف عندها.

زلّات اللسان والأفعال التائهة

 لقد عرف فرويد زلات اللسان إنها كلمات تتداعى بطريقة لا واعية في مجرى الكلام، والأفعال التائهة أفعال تجري في غير قصد فاعلها.

وقد اهتم فرويد اهتمامًا بالغا بظاهرة زلات اللسان وحيث نعتبرها كلمات بريئة وغير مقصودة، فإن فرويد يتوقف عند معانيها الباطنة الدقيقة. واعتبر انها انما تعبر عن مكنونات اللاوعي ومثال ذلك:

_ رئيس مجلس يقع في زلة لسان عندما يعلن اختتام الجلسة في لحظة افتتاحها، لقد كان بين الحضور خصوم الداء، فعبر رئيس المجلس عن موقفه السلبي اللاواعي من هذا الحضور.

 أما الأفعال غير المقصودة في الوعي شاء فرويد أن يجعل وراءها دوافع لا واعية، كمن تضيع منه رابطة ثمينة كخاتم زواج -عدم حرص لا واع- أو يكسر هدية ثمينة -عدوانية لا واعية- أو يقفز وراء الكلمات أثناء القراءة أو تصدر عنه حركات آلية ترافق كلامه. فهذه الحالات شائعة عند الجميع من أسوياء وغير أسوياء، وعند هذه الفئة الأخيرة تظهر اضطرابات نفسية  مثل القلق المفرط والكآبة والوساوس والآفكار المركزة والخوف المجهول السبب والنسيان الواسع والمتكرر، وهي أمور ليس لها علاقة بأحوال جسدية معينة وتشكل أمثلة على ما سماه فرويد باللاوعي المرضي.

الأحلام

اما البرهان الأمثل على وجود اللاوعي يبقى الأحلام وقد اهتم بها فرويد كثيرا. إن تحليل أحلام النوم عند المرضى النفسيين هو المدخل العريض إلى فهم  اللاوعي حسب تعبير فرويد. وكانت الأحلام خاضعة قبل فرويد أما لتفسير ما ورائي يردها إلى قوى غير منظورة فائقة للطبيعة تصنع أحلام النائم واما إلى أصول فيزيولوجية حيث إن غياب رقابة الوعي تفسح في المجال للصور الذهنية الموجودة في خلايا الدماغ لتتخلص من أسر الجهاز العصبي وتتراكم بصورة اعتباطية غير منظمة تبدو كأنها ضرب من الجنون. لكن وجه الابتكار عند فرويد أنه تجاوز هذين الحلين وأعطى للأحلام تفسيرا نفسيا فردّها إلى جذور الحياة النفسية اللاواعية السوية وغير السوية فصارت الأحلام تعبر عن ذات الشخص وليست غريبة عنه كما كانت في المنظورين السابقين. إن الحلم يعبر حسب فرويد عن رغبات، فهو إذأ ذو معنى إنساني وشخصي. وأولى هذه الرغبات رغبة النوم. فالحلم هو حارس عملية النوم. فعندما أحلم أنني عطشان وأنني أشرب فإن ذلك يساعدني على الاستمرار في النوم إلى أن أستيقظ وأشرب بالفعل. إن هذا المفهوم للاحلام يؤكد فائدتها النفسية.


ويكون الإنسان في حال يقظته خاضعأ لرقابة هي مزيج من ضغوطات أخلاقية واجتماعية ودينية وقواعد سلوكية. وتؤدي هذه الرقابة الضاغطة إلى كبت الرغبات التي تتخفى دون أن تختفي في الحقيقة وتنتظر وهنا في الرقابة لتعود إلى مسرح الواقع وتأخذ نصيبها من التنفيذ حسب آليات لا واعية ملتوية ومتنكرة وعلى درجة كبيرة من الرمزية. علمًا بأن الأحلام لا تحمل كلها علامات مرضية. فإنها قد تكون تحقيقأ لرغبة عادية كمثل الطفل الذي ذكره فرويد إذ اضطر لتقديم ما معه من كرز لرفاقه فرأى في المنام ما يعرض عن حرمانه أنه أكل هو كل الكرز. 

من هذه البراهين يظهر لنا ان الحياة النفسية مليئة بالصراعات وهذا ما ينقلنا الى كيفية فهم فرويد للذات الانسانية.

البناء النفسي الفرويدي

 فالذات الإنسانية أشبه ببناء مكون من ثلاثة طوابق:


الأول هو عمق الحياة النفسية المكونة من القوى الغريزية اللاواعية  وأهمها عند فرويد الغريزة الجنسية. وتضغط هذه الغرائز المكبوتة من أعماق النفس محاولة الظهور على مسرح الذات الواعية.

وتكون الذات الواعية واقعة في الوسط بين ضغط الغرائز وضرورة الملاءمة مع الواقع الخارجي فهي في مسرح النزاعات الضاغطة من أسفل ومن أعلى: الأنا السفلى أو الغرائز من جهة والأنا العليا الأخلاقية من جهة أخرى. وتفرض الأنا العليا رقابة صارمة على الذات الوسطى ويردي الضغط من أعلى الى كبت الغرائز. كمثل انسان يريد تحقيق رغبة أو ميل معين نابع من الانا السفلى فتأتي الانا العليا وتلجم هذه الرغبة مما يؤدي الى كبتها وهذا ما يتطور عند بعض الأشخاص الى اضطرابات سلوكية ونفسية. ولم يكتفي فرويد بهذا بل اعتبر فرويد ان آليات اللاواعي التي تتحكم في الذات الانسانية انما هي مردودة في النهاية الى الغريزة الجنسية المنتشرة في كل الجسد الليبيدو.


أهميّة الجنس عند فرويد

لقد أولى فرويد مكانة أوليّة في للجنس والغرائز الجنسيّة نظريّته. ويظهر ذلك في ما يسمّيه مراحل النمّو الجنسي عند الإنسان.

·       المرحلة الفميّة (0 إلى 1): تبدأ الحياة الجنسيّة عند الطفل منذ الولادة وتتركّز بادئ ذي بدء في الفم أي يحسّ الطفل باللذّة عند الرضاعة.

·       المرحلة الشرجيّة – السادية(1 إلى 3 سنوات): تتركّز اللذة في المنطقة الشرجيّة ويجد الطفل اللذة في التبويل والتبريز كما في التكسير والتدمير والاعتداء على الآخرين.

·       المرحلة التناسليّة الأولى أو الأوديبيّة(3 إلى 4 سنوات): يبدأ الطفل بالتعلّق بأحد الأبوين من الجنس المقابل.

·       المرحلة القضيبيّة(4 إلى 6 سنوات): تتركز اللذة في الأعضاء التناسلية التي يكتشفها الطفل عن طريق اللمس.

·        مرحلة الستور (6 إلى 11 سنة): تكمد الرغبة الجنسيّة في هذه المرحلة ويعوّض عنها في النشاطات الثقافية، الفنيّة والرياضيّة.

·       المرحلة التناسليّة (من 12 حتّى البلوغ): اكتمال الأعضاء الجنسيّة.


إن مراحل النمو الجنسي عند فرويد تعطي أهميّة كبيرة لحقبة الطفولة. والحقيقة إن فرويد يولي اهتمامًا كبيرًا لهذه المرحلة إذ يعتبر إن معظم المشاكل النفسيّة للراشدين تكمن جذورها في حقبة الطفولة، ومن هنا قول فرويد :" الطفل هو أب الرجل".

وهكذا اكتشف علم التحليل النفسي وراء ظواهر كانت تعتبر عديمة المعنى ومحض صدفة مثل الأحلام وزلات اللسان والأفعال التائهة، معاني متخفية وأهدافأ لا واعية.

هكذا تخطى فرويد المفاهيم العقلانية لفهم الذات الإنسانية. فقد أدى موقف ديكارت العقلاني إلى اعتبار الأفعال العقلية الواعية الوحيدة التي تحمل في ذاتها معانيها، وما عدا ذلك فهو من توابع الآلية العصبية الفيزيولوجية.


ويرى فرويد أنّ قصّة أوديب الذي شاء قدره أن يقتل والده وأن يتزوّج من أمّه هي رمز لطفولة كلّ واحد منّا. فيأخذ الصبي شخصية والده وتشدّه عاطفته إلى التعلّق بأمّه، وتأخذ البنت شخصية أمّها وتشدّها عاطفتها إلى التعلّق بوالدها، فهذه الإختلاطات اللاواعية بين الميول تولّد عقدًا تنحصر بين السنة الثالثة والخامسة وتنتهي في حوالي السابعة.

نقد رمزية قصّة أوديب

ولكن هناك من اعترض على هذه التفسيرات المعتمدة على خرافة أوديب، فهي على رأي بعضهم مرتبطة بمجتمعات تكون العائلة فيها أبوية تسلطيّة؛ وقد لاحظ علماء الإجتماع أنّ هذه العقد لا وجود لها في مجتمعات قبلية بدائية تكون العائلة فيها أمومية خاضعة لسلطة الأم. كما وأنّ الإهتمام الكافي بالأولاد يخفّف من مظاهر استئثار الرجل والمرأة برغباتهما الشخصية وهذا من شأنه أن يوفّر للولد شعورًا بالأمان العاطفي فلا نتصوّر عندئذٍ ظهور مثل هذه الأمور التي تحدّث عنها فرويد. وما تحدّث عنه فرويد بخصوص مرضاه قد يكون حالات شاذة لاحظها على أفراد يشكون من حرمان عاطفي في فترة الطفولة دون أن يشكّل ذلك قاعدة عامة كما تصوّر.

نقد فرويد

 ولكن وبالرغم من كل هذا لا بد من التأكيد على أهمية الوعي في حياة الانسان. ان اختزال الحياة النفسية كلها الى مجرد رغبات وميول غير واعية متحدرة بمعظمها من الرغبة الجنسية، واعطاء الأفضلية لللاوعي على الوعي من شأنه أن يقضي على مسؤولية الانسان وعلى حريته عدا عن عجزه عن تفسير بعض الأفعال الانسانية كالفن والدين وغيره. لذلك لا بد من اعادة التأكيد على ثنائية الوعي الللاوعي، ولكن ضمن حدود فكثيرة هي الأفعال التي يتبناها الانسان واعيا دون أي تدخل لللاواعي. فالانسان هو واع أولا الا ان اللاوعي قد يتمكن من التأثير وفي بعض الأحيان بقوة على الحياة النفسية للإنسان... من هنا لحقت بنظرية التحليل النفسي تهمة المادية، لأنّها لا ترى في الفنون سوى الجانب المادّي الذي يردّ أصل هذه الفنون إلى غرائز مكبوتة وخصوصًا الجنسية منها. قد يناسب هذا النوع من التفسير أشخاصًا في ظروفٍ خاصّة بهم، لكنّه لا يستوعب الحقيقة الفنية والعلمية والدينية للنفس الإنسانيّة. فإنّ التحليل النفسي لا يفسّر من الفن سوى أقلّ ما فيه من فنّ، ولا يمكن أن يفسّر فروقات العبقرية بين فنّان وآخر؛ ولا أن يتفهّم التسامي الأخلاقي والديني الأصيل، فإنّ هذه الأصالة لا تُفهَم إلاّ بالعودة إلى غير جذور الغرائز المادية. فعلينا هنا الرجوع إلى الميول الروحية عند الإنسان. كما أنّ تفسير القاعدة المادية للسلوك يشكو من تجاهل لعناصر كثيرة تؤثّر في الشخصية كالعناصر الإجتماعية العامة والعرقية والتاريخية والثقافية، فهذه عناصر أهملها فرويد. فإذا صحّ هذا المنهج لمعالجة الحالات المرضية، فلن تكون نظرية كافية لشرح الشخصية ولفهم الإنسان.

ما بعد فرويد:

نظرية أدلر (Adler): عقدة النقص

يقلّل أدلر من أهمية الغريزة الجنسية التي تحدّث عنها فرويد، ويؤكّد على الحاجة إلى إثبات الذات. إنّ أصل الأمراض النفسية ليس في مشكلة جنسية بقدر ما هو في إحساس بالنّقص، هكذا كانت غراميات دون جوان (Don Juan) تعويضًا عن تشوّه عضوي في قدمه، فيكون وراء الجنسية المادية رغبة نفسية هي إثبات الذات والقدرة على السيطرة.


نظرية يونغ (Jung):

قسم يونغ النّاس إلى نوعين:

-      المنفتح الذي يحبّ المجتمع ولا يستطيع أن يعيش خارج نطاق هذا المجتمع.

-      المنغلق على ذاته الذي يخاف الناس ويفضّل العزلة.

   كما اكتشف يونغ أنّ لاوعينا محكوم بمواضيع خرافية عن الآلهة والعمالقة والوحوش والسحرة والذئاب الكاسرة. فإنّ لاوعينا الفردي المكوّن من تجاربنا الشخصية يغوص أيضًا في تاريخ النفس البشرية ويحمل أيضًا همومها: النزاعات، الحروب، الثورات، المجاعات، الأوبئة؛ إنّ جميع هذه الكوارث التي نزلت بالبشرية تنعكس أيضًا في لاوعينا الفردي من حيث أنّنا ننتمي دائمًا إلى ثقافة وعرق، ثم إلى البشرية عامّةً في كلّ زمانٍ ومكان (لاوعي جماعي أو عام)، ويبقى اللاوعي العام غارقًا في اللاوعي الفردي.

أساليب التحليل النفسي المعاصرة:


إنّها إختبارات اخترعها المحلّلون بعد فرويد لإكتشاف اللاوعي، وهي إختبارات إسقاطية؛ فإنّنا كما يقول فرويد نُسقِط من خلال إدراكنا للعالم الخارجي مشاعرنا وأفكارنا بطريقة لاواعية على الأشياء، وقد طوّر علماء النفس الأميركيون والسويسريون تقنيات إسقاطية نذكر منها:

-      إختبار رورشاخ (Test de Rorschach): نطوي ورقة طولاً وعرضًا على نقطة حبر موضوعة في وسطها، ويُطلب من أشخاص تأويل الشكل المُتكوّن على غير نظام، ويُكرّر هذا الإختبار على عشرة نماذج، وتتمّ في هذه الإختبارات حالات إسقاط تكشف خفايا الشخصية وطبائعها.

-      إختبار موراي (Murray): إنّه مكوّن من ثلاثين لوحة عليها أوضاع شخصيات متنوعة ومعبّرة. يُطلب من الشخص تصوّر قصّة عمّا يراه، فيكون الإسقاط هنا من خلال إستحباب أو نفور ممّا يشاهده على اللوحات المعبّرة.

-      إختبار سوندي (Szondi): عشر مجموعات من الصور في كلّ مجموعة صورة صنف من الطباع. يُطلب من الشخص أن يختار من كلّ مجموعة ما يُسرّهُ وما يُنفّرُهُ، فتنكشف بذلك ميول الشخص المكبوتة.

تقنيات الألعاب: هذا إختبار خاص بالأطفال، فإنّ الطفل يُسقط على الألعاب ما يحمله في نفسيّته.

 من إعداد الأستاذ إتيان عيد -بتصرف

Make a free website with Yola