مسألة التُراثِ والحدَاثة                 (من إعداد الزميلة رقية العوض)

        قضيَّة طالَ حولهَا الجدلُ والاختلاف، وظلَّت مطروحةً على الساحة الفكريَّة لأهمِّيـَّتها في المرحلة التي مرَّت بها الأمَّة العربيَّة منذُ اصطدامِها بالغَرب ؛ ونقصدُ بها مسألةَ الصراع بين "التُراث والحَداثة". فهذه الإشكاليَّةُ التي شغلَت الكتَّاب والمفكِّرين العَرب، منذُ أكثرَ من قرنٍ ونصف تقريبًا. إذْ يرى البعض أنَّ العرب أصحابُ حضارةٍ متميِّزة، انبثقتْ بظهور الإسلام، وتطوَّرت وازدهرت به، وهو لا يزالُ ينمو وينتشرُ. كما وصلَت الأمَّة العربيَّة بالإسلام إلى أعلى مراتبِ الحضارةِ الإنسانيَّة، ليس في ميادين العلوم الدينيَّة والفقهيَّة فحسبْ، بل في ميادين العلوم الدُّنيويَّة أيضًا؛ لذلك فإنَّ علينا إحياءَ تلك الحضارة، ليعودَ للأمَّة وجهُها المُشرقُ ومجدُها التَليد. بينما يقولُ فريق آخر انَّ التمسُّكَ بالتُراث شكَّل أهمَّ عقبةٍ في سبيل تقدُّم هذه الأمَّة، وأدَّى إلى تخلُّفها عن باقي الأُمم المتحضِّرة، فضلاً عن الأُمَم الأُخرى التي استطاعتْ أن تلحقَ بركبِ الحضارة. وإنَّ القَولَ بأنَّ بالإمكان إعادةَ أمجادِ الأُمَّة الغابرة يدلُّ على جهلٍ بسُنَّة التطوُّر. لذلك ينبغي نَبذُ التُراث، أو وضعهُ في متاحف الآثار القديمة. وبين الموقفين برز موقف ثالث يدعو الى التوفيق بين التراث وانجازات الحداثة الغربية .

          وهكذا تمحورت تلك الاراء حول القضية التالية: هل التمسك بالتراث ، ومن ضمنه الدين ، هو السبب الفاعل في تخلفنا؟ هل يشكل الاخذ بالحداثة الغربية سبيلا للخروج بنا الى دنيا التقدم والمدنية والحضارة؟ وهل سنأخذ بتلك الحداثة كما اخذ بها الغربيون تماما؟ام نربطها ببعض تراثنا الاخلاقي والديني؟ وهل تعد مزاوجة الدين مع الحداثة عملا تلفيقيا غير ناجع؟

تحديدُ مفهوم "التُراث" و"الحداثة"
         لفظةُ "التُراث" مصدرٌ مشتقٌّ من الفعل "وَرِثَ"، وهي مرادفةٌ، في المعجم العربيِّ، لـ"الإرث" و"الميراث" و"الوِرث"، وتعني ما يَرِثُه الفردُ من أهلهِ من مَالٍ أو حَسَـب. ولكنَّها أصبحتْ تتضمَّن لدى العرب والمسلمين، في العَصر الحديث، معانيَ جديدة، مُحمَّلةً بسَيلٍ من الشِّحناتِ الوجدانيَّة والمضامين الدينيَّة أو الإيديولوجيَّة والذكريات أو الانطباعات التاريخيَّة قد تتجاوزُ ما تحملُه كلمة heritage بالإنكليزيَّة والفرنسيَّة. ويدلُّ هذا التعبيرُ اليومَ على الموروث الثقافيِّ والفكريِّ والدينيِّ والأدبيِّ والفنِّـيِّ والعلميِّ، أو بالأحرى، ما بقي في "العقل المجتمعيِّ" العربيِّ من هذه الموروثات، أي ما يعتقدُ الفردُ والجماعةُ أنَّه من هذه الموروثات. ويرى محمَّد عابد الجابري أنَّ التراثَ لا يُنظَر إليه باعتباره من بقايا ثقافةِ الماضي بل باعتباره "تمام هذه الثقافة وكلِّـيَّتها: إنَّه العقيدةُ والشريعةُ واللغةُ والأدب، والعقلُ والذهنيِّة، والحنين والتطلُّعات." ويُقصَد بذلك أنَّ التراثَ يُعتبَـرُ المثالَ الأعلى للمَوروث، وليس الموروثَ ذاتَه.
           أمَّا الحَداثة (مصدر حَ د َثَ) فلها مفاهيمُ متعدِّدة. ويُمكن أن نكتفيَ بتعريفها بأنهَّا تغييرٌ في المنهجِ والرؤيةِ والهدَف، وتحريرُ التراث من مضمونه الإيديولوجيّ والوجدانيّ الذي يُضفي عليه طابعًا مُطلقًا، بعيدًا عن المفهومِ النسبيِّ والتاريخيّ الذي تلتزمُه الحداثة. ونعتبرُ العقلانيَّة والديمقراطيَّة أهمَّ مُقوِّماتها. ويُمكن أن نعتبرَ عصرَ "ديكارت"(1596-1650) بدايةَ مرحلة الحداثة الأوربِّـيَّة، باعتباره مهَّدَ الطريقَ للقطيعة مع التُراث اليونانيِّ وخاصَّةً فلسفة أرسطو.

صدمةُ الحداثة: النكوصُ إلى الماضي، أم النهوضُ لمواجهة المستقبل!

          يكاد يتَّفقُ جمهورُ الكتَّاب والمفكِّرين العَرب على أنَّ الشرارةَ الأُولى التي أيقظَت العربَ من نومهم الطويل قدَحَتها حملةُ نابليون على مصر في عام 1798، أي إنَّ السببَ الأوَّل للنهضةِ العربيَّة، إن صحَّ التعبير، هو "الآخَر": الغَرب المُحتـَلّ أو المُستعمِر.
      هل كانت تلك الصدمةُ كافيةً لإيقاظِ العرب فعلاً؟ وهل أدَّت، تلك الصدمةُ إلى تحقيق النهضةِ المنشودة، حتَّى في حُدودها الدُنيا؟.
        فإنَّ هذه الصدمةَ قد أثارتْ، قَدْرًا من الحركة التي يُطلَقُ عليها "حركةُ النهضةِ العربيَّة الحديثة". هذه الحركةُ الفكريَّة طرحَت هذا السؤالَ الخطير: لماذا تخلَّفَ العربُ والمسلمون حضاريًّا، وخاصَّةً عِلميًّا وتِقانيًّا في الوقت الذي تقدَّم فيه غيرُهم؟ وهو السؤالُ الذي يدورُ حولَ محورِ أزمةِ التطوُّر الحضاريِّ في الوطن العربيِّ.
هناك وجهاتُ نظَرٍ متعدِّدة في هذا الموضوع الذي يمكنُ أن يندرجَ ضمنَ ثُنائيَّةِ "التُراث والحَداثة"، وأحيانًا يُطرَحُ بصيغةِ "الأصالة والمعاصَرة". فلنُحاولْ تَقسيمَ الآراءِ الواردةِ بشأنه إلى اتِّجاهَين أساسيَّين يتضمَّن كلٌّ منهما عددًا من المواقف، هما الاتِّجاهُ السَّلَفيُّ والاتِّجاهُ الليـبراليّ؛ أمَّا الموقف الانتقائيُّ، فهو موقفٌ وَسَطيٌّ يميلُ قليلاً أو كثيرًا نحو هذا الاتِّجاه أو ذاك. وسنشرحُ ذلك أدناه. عِلمًا بأنَّ هذه الأصنافَ لا يفصلُ بعضَها عن بعض حدودٌ صارمةٌ وقاطعة، بل تتداخلُ أو تتقاطعُ أحيانًا، إضافةً إلى اختلاف وجهاتِ النظر في أيِّ تصنيفٍ مُقترح.
أوَّلاً: الاتِّجاهُ السَلَفيّ – التراثي:
     يكادُ يتَّفقُ دُعاةُ الاتِّجاهِ السَلَفيِّ على أنَّ السببَ الأوَّل لتخلُّف العَرب والمسلمين هو عدمُ التزامهم للنموذجِ العربيِّ الإسلاميِّ الأصيل. وبعد ذلك يَتفاوتون ويختلفون.
      فمنهم من يَدْعو إلى التزامِ النصِّ الدينيِّ، وسيرةِ الرسول (ص) والصَّحابة (ع). ويتيمَّنون بقول الإمام مالك بنِ أَنس: "لا يصلحُ أمرُ هذه الأمَّة إلاَّ بما صلُحَ به أوَّلُها." وهم يَرفضون جميعَ مظاهرِ العَصر ونُظُمِه ومُؤَسَّساته، ويعتبرونهُ عصرَ جاهليَّة، ينبغي نبذهُ تمامًا للعودةِ إلى المنابع الأصليَّة للسَّلَفِ الصالح. 
ومنهم مَن يقبلُ الأَخذَ بحضارةِ العَصر الحديث، مِمَّا لا يتعارضُ مع أحكام الشَريعةِ الإسلاميَّة، أو ما يُمكن تفسيرُه وتبريرُه في إطارها. كما إنَّهم يتوسَّعون في مفهوم السَّلَف الصالح ليشملَ بعضَ العصور التاريخيَّة، وخاصَّةً تلك التي كان فيها الخليفةُ صالحًا ويستشيرُ أهلَ الحلِّ والعَقْد..
        ومنهم مَن يوصَفُ بالسَلَفيِّـين المُؤَوِّلين، الذين يدعون إلى البحثِ في نُظُمِ الحضارةِ العربيَّة الإسلاميَّة وقيَمِها عن أشباهٍ ونظائرَ في الحضارةِ الحديثة ومُؤَسَّساتها، وتجويز الأخْذِ بها باعتبارها ذاتَ أُصولٍ إسلاميَّة. فالديمقراطيَّة، مثلاً، هي الشُّورى الإسلاميَّة، وترتبطُ الاشتراكيَّة بفريضةِ الزَّكاة وحقِّ الفُقراء في أموال الأغنياء إلخ. 
      يرى أصحابُ الاتِّجاهِ السَلفيِّ أنَّ قوانينَ الماضي وأعرافَه وقيمَه يمكنُ أن تُطبَّقَ على الحاضر وعلى المستقبل، إمَّا بسبب قُدسيَّتها، أو لأنَّها ساميةٌ ومُطلقة، إلى حدٍّ يجب استعادتُها بحذافيرها، بل يجبُ تطويع الواقع الحاضر والمستقبل لينسجمَ معها.

جمال الدين الافغاني: (قراءة معمقة)
      خصص الافغاني القسم الاكبر من حياته للدفاع عن البلدان الاسلامية . فقد كان يعمل على كيفية اقناع المسلمين بفهم دينهم فهما صحيحا والعيش وفق تعاليمه لتنعم بلدانهم بالقوة .
    تنبه الافغاني للثورة الصناعية والتقنية في اوروبا وتيقن ان سبب تقدم الغرب هو المعرفة وتطبيقها الصحيح في حين ان تخلف العرب والدول الاسلامية سببه الجهل.
    والمجتمع الاسلامي لن يستعيد قوته الا اذا اصلح فساده وقضى على الجهل .وذلك لن يتم الا باستعادة الاسلام الصحيح الذي بفضله بلغت الحضارة في الماضي أوج مجدها من حيث التطور الاجتماعي ، والتطور الفردي ، والايمان بالعقل ، والوحدة والتضامن. 
       فقد كانت الامة في الماضي موحدة بفضل عاملين : مؤسسة الخلافة وجماعة العلماء المحافظين على العقيدة الصحيحة.والوحدة برأي الافغاني تكون في القلوب والاعمال لا في الاحكام والتصورات ولذلك لن يكون الخلاص على يد الحكام وحدهم بل برجوع العلماء الى حقيقة الدين وتقبل الجماعة بكاملها .
        والوحدة التي دعا اليها الافغاني تعني تضامن الامة والشعور بالمسؤولية لدى كل من ابنائنا تعني تضامن الامة والشعور بالمسؤولية لدى ابنائها تجاه المجموع ، والرغبة في العيش معا في المجتمع الواحد والعمل معا لخيره. 
      كان يرى الشرق بجميع شعوبه المسلمة من سنة وشيعة او من أصحاب الديانات الأخرى من مسيحيين وهندوس تعانى من الحكم الاستبدادى والجهل والتخلف والاستعمار ورأى أن الخلاص يكون بوحدة الشعوب وانتفاضها فى وجه الاستعمار،وكان الدين هو وسيلته للتحرر،وحتى اختيار "جمال الدين" للقب السيد وليس الإمام او المرشد او الآية له مدلول أخرجه من التصنيف الضيق لرجل الدين ."فالافغانى" كان خطيب سياسى وصحفى وفيلسوف ذو شخصية كاريزمية جعلت من بيته منتدى للسياسيين والأدباء والعلماء،ومن مجلسه على مقهى "متاتيا" "بالعتبة" ندوة خصبة . وحتى عندما يصر البعض على تصنيف "الأفغانى" على انه رجل دين ،فقد كان رجل دين من طراز فريد فدعوته إلى الإصلاح الدينى كانت وسيلته لتحرير الشرق من الجهل والاستعمار، وأشبه بحركة لاهوت تحرير سابقة لحركات لاهوت التحرير بأمريكا اللاتينية كما كانت متشبعة بأفكار "مارتن لوثر" التى قفزت بالمسيحية فوق ظلام العصور الوسطى وعبرت بها إلى عصر النهضة الاوروبى.
      يؤمن الافغاني ان الدين الاسلامي هو الدين الصحيح التام . وكانت نظرته للاسلام نظرة الفلاسفة لا نظرة اللاهوتيين . فقد قبل بالتوحيد النهائي بين الفلسفة والنبوة .
سبيل الاصلاح:
      ان باب الاجتهاد في نظر الافغاني لم يغلق . ومن حق الناس ، لا بل من واجبهم ان يطبقوا مبادىء القرآن مجددا على قضايا زمانهم والا وقعوا في الجمود والتقليد. كما لم يغب عن باله ان المسلمين يفتقدون الى العلم ولذلك فقد اعتبر ان الاخذ بما يقدمه العلم والاطلاع عليه اساس للتقدم والتحرر .

محمَّد عبدُه
       يدعو الشيخ محمد عبده " إلى تحرير الفكر من قَيد التـقـليد، وفَهْمِ الدِّين على طريقةِ سلَفِ الأُمَّة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كَسبِ المعارف إلى ينابيعها الأُولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشريِّ التي وضعها الله لتردَّ من شَطَطِه وتُقلِّلَ من خَلطِه وخَبطِه،" العقل الذي يصبح "صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، داعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مُطالبًا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل."
     نادى محمد عبده "بمدنيَّة السلطة في المجتمع، ومدنيَّة مُؤَسَّسات هذا المجتمع، واتِّخاذ الطابع القوميِّ المدنيّ، الذي لا يفرِّق بين المواطنين بسبب الاعتقاد الدينيّ أساسًا ومنطلقًا وصيغةً لنظام الحُكم." وهذا الرأيُ يُمثِّل اتِّجاهًا ثوريًّا،عَلمانيًّا، يتطابقُ مع الفكر الليبراليِّ الذي يدعو إلى استقلال المؤسَّسة المدنيَّة عن المؤسَّسة الدينيَّة، كحلٍّ لمسألة الصراع بين التُراث والحداثة، باعتبار أنَّ الدِّين يُشكِّل أهمَّ إشكاليَّاتها.
        كما أكَّد أنَّ "على المسلمين إعادة تأويل شريعتهم وتكيـيفها وَفقًا لمتطلَّبات الحياة الحديثة." وللوصول إلى ذلك، أقرَّ بمبدإ "المصلحة" العامَّة، لأنَّ "غايةَ الله من الوَحي رعايةُ مصلحة البَشر." لذلك اختار مبدأَ تأويل النصوص لتحقيق هذه الغاية.
      ومن حسنات محمَّد عبده أنَّه اعترف، بكلِّ شجاعةٍ وعلى رؤوس الأشهاد، بتخلُّف المسلمين، ثمَّ اجتهدَ وحاول أن يفكَّ الارتباطَ بين الإسلام والتخلُّف. لذلك فقد اتَّفقَ مع كثيرٍ من المستشرقين الذين يَصفون الشرقَ بالتخلُّف، ولكنَّه اختلف معهم في التفسير والتعليل. وكان لا يُنصِتُ لأقرانه وزُملائه في سبـيل مُواجهة الغرب، بل يصفُهم بالجمود وينفي عنهم صفةَ المعاصرة، بل يتَّهمُهم بـ"الانتحار الفكريّ." ويدعو إلى تحرُّر الجمهور من "العقائد الفاسدة المحرَّفة التي روَّجها منذ قرون مشائخُ السوء خدمةً لمصالحهم ومصالح أسيادهم المستبدِّين بالحكم." 
      انطلق تفكير محمد عبده من قضية الانحطاط الداخلي للمجتمع والحاجة الى اصلاحه. وكان ينظر الى المنجزات الغربية بعين الاعجاب ولكنه كان يريد من المجتمع الاسلامي مواكبا لتلك التطورات العلمية والثقافية وفي الوقت نفسه محافظا على روح الشرع الاسلامي . ولذلك جاءت دعوته الى ضرورة تقيد المجتمع بالشرائع الخلقية التي جاء بها الدين . 
      يقسم محمد عبده العقليات الى : العقلية التقليدية المقاومة لكل تغيير ، والعقلية الجديدة المتقبلة لكل أفكار أوروبا الحديثة .وهو يرى في هذا الانقسام تهديدا للحياة الخلقية في المجتمع . 
ويرى ان تقوية الجذور الخلقية للمجتمع الاسلامي لا تكون بوقف مجرى التطور بل بالاعتراف بالحاجة الى التغيير المرتبط بمبادىء الانقسام . فالاسلام يشكل الاساس الخلقي لمجتمع تقدمي حديث وهذا لا يعني ان الاسلام يحبذ كل ما يتم باسم التقدم بل هو مبدأ ردع يمكن المسلمين من التمييز بين الصالح والرديء. ولذلك كانت مهمته مزدوجة : اعادة تحديد ماهية الاسلام الحقيقي ، وتحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الامة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه الى ينابيعه الاولى واعتباره من ضمن موازين العقل البشري.
     والمهمة الثانية فهي التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة . 
     وقد كان يرى ان الاسلام وسطا بين طرفين : دين منسجم مع متطلبات العقل البشري واكتشاف العلم الحديث مع احتفاظه بفكرة الله في الوقت نفسه. انه عنده " دين الفطرة " والجواب على قضايا العلم الحديث . 
     وادرك محمد عبده ان الشعوب العربية لن تصبح قوية الا اذا اقتبست من اوروبا العلوم من دون ان تتخلى عن الاسلام ، وهذا يقتضي تغييرا في مؤسسات المجتمع الاسلامي ، في نظامه الشرعي ومدارسه وأساليب حكمه... لذلك على المسلمين ان يعيدوا تأويل شريعتهم وتكييفها وفقا لمتطلبات الحياة العصرية .

شكيب ارسلان :
        يفصل شكيب ارسلان بين الاسلام والمسلمين ، فيذهب الى ما ذهب اليه محمد عبده من ان تأخر المسلمين ليس سببه الشريعة الاسلامية بل جهل المسلمين بتلك الشريعة وعدم تطبيق احكامها كما يجب . فيحدد الافات التي استبدت بهذا المجتمع ب:
-
 الجهل : عجز المسلمون بسببه عن التمييز بين الحق والباطل وبين الصحيح والفاسد . 
-
 فساد الاخلاق: استشرى هذا الفساد خصوصا بين الامراء والحكام اللذين أبيح لهم خرق حدود الدين.
-
 الجبن والخمول: وذلك باستسلام المسلمين لسيطرة المستعمرين وتسليمهم بتفوق الغربيين الغلمي والمالي والعسكري. واكتفوا بالاستغاثة بالاولياء وبالدعاء والتسبيح ...
-
 الجمود: يرى ان الاسلام واقع بين امرين: الجمود والجحود. الاول يدعو الى التمسك بالقديم والوقوف في وجه كل تجديد او تعديل وتسبب ذلك باتهام الاسلام بالتخلف والتأخر وباعلان الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية بحجة انها علوم الكفار مما حرم الاسلام ثمارها ومكّن سوى المسلمين من احراز السبق والتحكم في خيرات الارض. اما الجحود فيدعو الى نبذ كل قديم ولا يرضى الا ان " يفرنج المسلمين وسائر الشرقيين ويخرجهم عن جميع مقوماتهم ومشخصاتهم ويحملهم على انكار ماضيهم .
-
فقدان الثقة بالنفس: وهذا في نظره شر العل لانه ادخل في روع المسلمين انهم لا يصلحون لشيء وانهم عاجزون ... 
الخروج من هذه الازمة :
     يعتبر ارسلان ان ميزة الاسلام انه سمح يتقبل كلب انواع الحضارة العصرية . فهو دين يتميز بالمرونة والتقبل وهو دين العقل " يذهب مع العقل كيف سار " ولكنه متشدد في الفضائل والاداب . الاسلام دين مبني على المساواة . والمسلمون على مر التاريخ تميزوا بالانفتاح والتسامح بخلاف الاوروبيين الذين ارتكبوا المجازر زمن الصليبيين وزمن الاستعمار الحديث... وقد شن ارسلان هجوما شرسا على سياسة مصطفى كمال اتاتورك العلمانية ومحاولته تشويه صورة الدين الاسلامي بزعمه انه متخلف ويقف حجر عثرة امام عجلة التطور . 
        وعلى العكس من ذلك يرى شكيب ارسلان ان الانفتاح على الغرب ليس خطيرا . فالعلاقات بين الشرق والغرب كانت قائمة في رأيه على مختلف المستويات المادية والثقافية والفكرية . ولا يؤمن بالتفوق الفطري للغربيين وينكر ان العلم الحديث هو الذي مكنهم من اختراع الالات وبسط سلطانهم على الارض بل " الحمية والعزيمة والنجدة هي التي تأتي بالطيارات والدبابات والقنابر ( القنابل ) " . وهكذا فان الارادة البشرية هي سر التقدم لا العلم ولا التكنولوجيا ما دام هذان وليدين لها ويهما تقيّض للشعوب الغلبة على اعدائها كما جرى في اليابان التي اخذت تضارع الاوروبيين في الصناعات والعلوم بعد ان كانت امة شرقية متخلفة كسائر الامم . ومثل هذا ليس بعسير على الامة الاسلامية . فالحض على العمل واستنهاض الهمم كفيلان بدفع المسلمين الى الانتصار على تخلفهم وفقرهم ومعتبرا ان الاسلام نفسه ثورة على القديم ودعوة الى الاخذ بكل جديد لا يعارض العقيدة. ويستحيل ان يكون شيء مما يفيد المجتمع الاسلامي مخالفا للدين المبني على اسعاد البشر. 
ثانيا، الاتِّجاهُ التحديثي – التغريبي :
   يرى اصحاب هذا الموقف ان التأخر الجاثم على بقاع الشرق هو نتيجة خصال الشرقيين مثل حب الدعة والكسل والاتكالية وانشدادهم عن العقل ومجافاتهم العمل والتحدي وركوب المصاعب والمغامرة . ويرى هذا الفريقُ أنَّ الدعوةَ إلى العودة إلى التُراث قد أضرَّت بمسيرة التقدُّم الحضاريِّ للأُمَّة العربيَّة، بل كانت سببًا أساسيًّا في فشل النهضة العربيَّة، منذ مطلع القرن التاسعَ عشر، حين حصل الاصطدامُ الأوَّل بين العَرب والغَرب، الأمر الذي أدَّى إلى تخلُّف المجتمع العربيِّ ووصولِه إلى المرحلة الراهنة من الضعف الفكريّ، العلميِّ والتِّقانيِّ والاقتصاديِّ والسياسيِّ والعسكريِّ، أي الحضاريِّ بوجهٍ عامّ. ويعتقد بعضُهم أنَّ النهضةَ العربيَّة ما كانت لتفشلَ لولا تحالفُ طبقة رجال الدِّين مع النظُمِ الرجعيَّة الحاكمة، ذلك الِحلْفُ غيرُ المقدَّس، بنظر هذا الفريق، الذي ينبثقُ من التوافُق المشترك بين الطبقتَين، للمحافظة على مصالحهما الحيويَّة التي تُهدِّدُها حركةُ النهضة بتغييرِ مركز الثقل في المجتمع العربيِّ الإسلاميّ، وتحويلِه من طبقة رجال الدِّين إلى طبقة المثقَّفين الذين يرفعون شعاراتِ الحداثة والحرِّيـَّة والعَلمانيَّة والعِلميَّة. 
    ويرى هذا الفريقُ أنَّ التُراثَ يُمثِّلُ مرحلةً تاريخيَّةً معيَّنة مرَّت وانتهت، ولا يمكن استعادتُها، لأنَّ التاريخَ لا يُعيد نفسَه، كما يتصوَّرُ البعض، لأنَّ اللحظةَ التالية تختلفُ عن اللحظة السابقة. 
ويرى بعضُ خصوم التُراث أنَّه حافلٌ بالغَيـبـيَّات والجوانب غير العقليَّة والأفكار الأُسطوريَّة والخُرافيَّة، وأنَّ التسليمَ بهذه المعتقدات أدَّى وسيُؤَدِّي إلى تخلُّف العَرب والمسلمين عن ركبِ الحضارةِ الحديثة، وخاصَّةً في جوانبها العلميَّة والفكريَّة والتكنولوجيَّة. 
فرح انطون :
   يرى فرح انطون ان اسباب التخلف آفات كثيرة اهمها:
-
 الجهل : وسببه قلة المؤسسات التعليمية والوطنية وفساد مناهجها وافتقارها الى اسس خلقية ووطنية متينة.
-
 الشقاق: وهو منتشر بين طوائف الشرق المختلفة
-
اتكالية الشرقيين وقعودهم عن السعي وتمنية نفوسهم بخيرات الاخرة اذا فاتتهم خيرات الدنيا فاكتفوا بالايمان مما ادى الى استعبادهم واستغلالهم على يد الشعوب القوية.
-
 تخلف المرأة: ناجم عن جهلها والاستخفاف بها.
-
 فساد النظام السياسي: ويعود ذلك الى ضعف شخصية الحكام وعدم كفايتهم وسيطرة بطانتهم عليهم وانتقال السلطة بالوراثة مما ادى الى تفكك البلدان الشرقية واضعف مقاومتها امام اندفاع الغربي اتجاهها. 
   ما هو السبيل للخروج من حالة التخلف؟
     لقد رأى فرح انطون في دعوة الافغاني الى الاتضواء تحت لواء الدين من اجل سلوك طريق التقدم، دعوة تنم عن " تجاهل طريقة تطور الحضارات وفشل في فهم الطبيعة الانسانية " . فالفهم الصحيح والسليم للتاريخ ولما يحرك عمل الانسان هو وحده القادر على الوصول الى نظرية شرعية للمجتمع ولاساليب اصلاحه. وهذا لا يكون الا بالعلم اما الدين فلا لانه يجلب التشويش فهو يصرف الشرقيين عن الاخذ " بالعلم الطبيعي الذي عليه بناء المدنية في هذا العصر ويحملهم الى الاكتفاء بالايمان عن كل شيء والاتكالية والتعود عن السعي ". 
     ولذلك يشدد فرح انطون على دور العقل في التقدم . فيميز بين العلم والدين وينادي بفصل الدين عن الدولة . وبناء المجتمع الحديث على اسس عقلية ودنيوية محضة لا شأن للدين بها. والدعوة للوحدة الاسلامية يجب ان تتوقف مع انتهاء منفعتها الايديولوجية . وان فصل الدين عن الدولة عند فرح انطون فهو يهدف الى وضع اسس دولة علمانية يشترك فيها المسلمون والمسيحيون. ولبلوغ ذلك لا بد من امرين :
-
فصل الجوهري عن العرضي في كل الاديان : فالجوهري هو مجموعة المبادىء وهي واحدة في جميع الاديان . والعرضس هو مجموعة الشرائع التي قد تصح في زمن دون اخر. 
-
 الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية لان غايتهما مختلفتين فالدينية تشرع للاخرة والزمنية تشرع للحياة الدنيا. ولان المساواة بين ابناء الامة تقتضي ذلك الفصل بينهما . وايضا لان الجمع بين السلطتين يفضي الى ضعف الامة جراء الخصام الدائم بين رجال الدين ورجال الفكر والفلسفة . كما ان النظام الديني يصبو الى الوحدة الدينية التي تتنافى مع مبدأ حرية الاعتقاد ومع مبدأ الاختلاف والتباين .
     ولذلك يرى فرح انطون ان الدول الحديثة تقوم على الوحدة الوطنية وتقنيات العلم الحديث . وان سر ارتقاء اوروبا سببه الفصل بين السلطتين وهذا اساس كل مدنية وتقدم . فليس المطلوب اذا اصلاحا دينيا او مدنيا بل اصلاح اجتماعي عام يرمي الى محو الفقر والجهل والظلم بالاساليب السياسية والاجتماعية المعروفة .
     اما اذا كانت المدنية الاسلامية القديمة قد حققت قوة ومنعة ، واقامت مدنية عظيمة فلانها كانت مدفوعة بدافع الفتح والحض على الجهاد لا بدافع الدين . . اما اليوم فلم تعد السياسة الدينية تؤثر في بني "الشرق غير زيادة ضعفهم وحل عزائمهم بازاء الحيتان الهائلة المنقضة عليهم لابتلاعهم ".

(من إعداد الزميلة رقية العوض)

للإستعمال الشخصيّ- جميع الحقوق محفوظة

Make a free website with Yola