التصوف

أ - التسمية:

١- ذهب بعضهم إلى إن لفظ " صوفي " مشتق من الصفاء، فالتصوف صفاء. ومن صفا قلبه، وصفت معاملاته، فهو الصوفي .

٢ - يرجع آخرون لفظ "صوفي" إلى المصافاة ويرون إن الصوفي هو من اصطفاه الله وصافاه.

٣- رأى البعض إن لفظ "صوفي" يجد أصله في كلمة الصفوة، فالصوفية - بحسب هذا الرأي - هم صفوة الناس أو صفوة الفقهاء.

            

 ب- التعريف:

سئل القصاب عن التصوف، فقال: أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم، من رجل كريم، مع قوم كرام.

وسئل سمنون، فقال: التصوف هو أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء.

وقال ذو النون المصري: الصوفية هم قوم آثروا الله على كل شيء فآثرهم الله على كل شيء.

قال الجنيد: التصوف هو أن تكون مع الله بلا علاقة.

ويقول إبن خلدون: الصوفية من العلوم الشرعية، وأصلها العكوف على العبادة والزهد والإنفراد عن الخلق، وقد كان ذلك فاشياً في الصحابة والسلف.

يفسر تعدد الإجابات هذا، أن هوية الصوفي هي "الطلب" فهو إنسان أراد الله وطلبه بكليته، فاستغرقت هذه الإرادة مساحة وجوده وكانت مشروع حياته.  

 

 ج - نشأة التصوف:

١ - زمن النشأة:

تعددت الآراء حول زمن النشأة، فأكّد البعض على تزامنه مع ظهور الإسلام، ودلّل على مقولته هذه بالرجوع إلى القرآن وإلى حياة النبي (ص). حشد الآيات التي تحث على التقلل من الدنيا، وعلى تقديم الذات بالكلية قرباناً لله، كما كشف عن خصوصية حياة النبي الروحية، عن تزهّده وحبه الخلوة في غار حراء، عن مبادئ سلوكه وقيمه السامية، عن طريقة آدائه لكل فعل...

وأصرّ فريق آخر على أن نشأة التصوف تأخّرت إلى ما بعد القرن الأول الهجري، وأنه كان ردة فعل تجاه حياة الترف والبذخ أو الفسق والفجور أو التمزق السياسي والفتن الأهلية ...

ورأت قلة قليلة أن التصوف لم ينشأ إسلامياً خالصاً بل تكوّن بتأثير خارجي، تمثل بالإحتكاك الديني زمن الفتوحات، أو بالإحتكاك الثقافي زمن الترجمات.

٢ - التصوف تصوفان:

يكاد يجمع الباحثون على أن التصوف وإن تشكل أولاً في صورة الزهد، إلا أنه يزيد عليه وينفرد عنه بصفات وأحوال.

والأصح أن التصوف ظهر بنوعين معاً شكّلا تيارين ترسّخا وإتخذ كل واحد منهما مساره في أحقاب الزمان، والدليل على أن نوعي التصوف نشآ معاً، أن النموذجين اللذين بدأ معهما التصوف بتياريه هما أبناء جيل واحد  وموطن واحد. هذان النموذجان هما: الحسن البصري ورابعة العدوية .   

أ - التصوف الأول: مع الحسن البصري، بدأ تصوف إعتمد جهد الإنسان للتقرب من الله، فالصوفي هنا صاحب عمل، يجاهد نفسه، يخاف من ذنبه، يروض ذاته لتزهد في الدنيا. 

ب- التصوف الثاني: مع السيدة الرابعة، العاشقة الإلهية، ظهر نوع ثان من التصوف، الصوفي فيه مأخوذ بحال وجداني لا يملك معه أن ينظر إلى عمل، وإن كان يقوم بأعمال تفوق في نظر الرائي - كما وكيفاً - مجاهدات رجالات النوع الأول ورياضاتهم.

 

ه -  الأ حوال و المقامات: 

يرى السهروردي في كتابه "عوارف المعارف" أن اللفظ يشعر بالفرق بين المقام والحال، فالحال سمي حالاً لتحوله، والمقام مقاماً لثبوته واستقراره، وقد يكون الشيء بعينه حالاً ثم يصير مقاماً.   

 

و- تأثر  التصوف الإسلامي بالتصوف العالمي:

تأثر بعض المتصوفين بالرياضات الروحية الواردة في الفلسفة الهندية وبطرائقهم في إفناء الشخصية الفردية للاندراج بالكائن الكلي، وتأثر فريق آخر من المتصوفين بحياة النساك  والرهبان، اهتموا بانقطاعهم عن العالم وزهدهم وفقرهم وهذا التسليم المطلق للمشيئة الإلهية، الذي وجدوا صداه في آيات القرآن وتجارب الأولين، فطوروه ونموه. كما اتفقت أفكار بعض المتصوفين مع مذاهب الغنوصية والأفلاطونية المحدثة.

 

ز - تيار التصوف:

1- النظرية الصوفية للغزالي:

بعد أن إهتدى الغزالي إلى التصوف إعتبر أنه معني بالدفاع عن هذا الحقل المعرفي. فقسم مشروعه مرحلتين: في المرحلة الأولى، حاول مصالحة الفقه مع التصوف. وفي المرحلة الثانية، إجتهد بتوضيح إسلامية التصوف ونقاوته.

١ - مصالحة الفقه والتصوف: قسم الغزالي علوم طريق الأخيرة قسمين: علم المعاملة وعلم المكاشفة. فكل علم ينتج عنه عمل هو  من علوم المعاملة؛ وكل ما يكاشف به الإنسان -بعد تنقية أعماقه- هو من علوم المكاشفة. وفي " إحياء  علوم الدين " يظهر مشروع الغزالي ومنهجه في التوفيق بين الفقه والتصوف، ويتخلص في الخطوتين الآتيتين:

أولاً- لن يتعرض الغزالي لعلوم المكاشفة لأنها رزق إلهي لإنسان محدد، وقد تقع أو لا تقع هذا من جهة. ثم من جهة ثانية، إن المكاشفة مسألة شخصية لذا لا يرى الغزالي فائدة عملية من نشرها.

ثانياً- سيرسخ الغزالي دعائم علم المعاملة مبرهناً على أنه فرض عين على كل مسلم، ومؤكداً على أن المعاملة ستؤدي إلى المكاشفة، ويقول: "فالسعادة وراء علم المكاشفة، وعلم المكاشفة وراء علم المعاملة التي هي سلوك طريق الآخرة ..." 

٢ - إسلامية التصوف وتنقيته: وترتكز نظرية الغزالي على إلغاء المسافة بين العلم والعمل، فالمعرفة الحقة تؤدي إلى العمل لا محالة... إذن العلم يتحول إلى إرادة عمل، فعمل.     

2- نظرية إبن عربي الصوفية:
 لم تنشأ وحدة وجود إبن عربي طفرة في التاريخ الصوفي، بل شكلت حلقة في سلسلته. قبل إبن عربي وحوالي القرن الثالث الهجري، نقل الصوفية "توحيد الألوهية" من حقل الجدل النظري إلى حقل الحياة اليومية والمجاهدات، ونتج عن ذلك أن تداخل مفهوم التوحيد بمفهوم "الفناء"، أي بقدر ما يحقق الصوفي فناء نفسه يكون موحداً.  

تابع إبن عربي هذا الخط التوحيدي، ونقله من فردية الحالة الشعورية إلى مستوى العقيدة. فكيف إستطاع إبن عربي أن يقول بوحدة وجود إسلامية، لا تقبل إتحاد الإنسان بالله، ولا حلول الله في الإنسان؟ نلخص رؤيته لوحدة الوجود في فكرتين، الأولى تحصر الوجود الحقيقي بالله، والثانية هي نظريته في "الخلق الجديد" للكائنات: رأى إبن عربي أن الذي يستحق إسم الوجود عين ذاته، وليس كذلك إلا الله. وكل ما عدا الله فهو عدم، لأن وجوده معار، ولأنه لا يستغني عن موجده لمحة واحدة. فكل المخلوقات عدم ولكن نحن لا ندرك ذلك، لأن الله يوجدها في كل آنٍ، وكما قال إبن عربي بوجود واحد حقيقي هو: الله، كذلك  بمعبود واحد حقيقي هو الله. فمهما عبد الإنسان، فهو إنما يعبد الله من وراء حجب هذه المصورات، لأنه عبدها وهو يعتقد أنها الله، فالله كان مقصوده. ويستدل إبن عربي على رؤيته هذه بالآية  الكريمة: "وقضى ربك الا تعبدوا إلا إياه". 

 

Make a free website with Yola