التجديد الروحي والثقافي 

 

١- حق الإنسان في: الحياة والحرية والسلام والمساواة والتعبير عن المعتقد. 

جاءت المسيحية بنظرة جديدة إلى الله والانسان والعلاقة بينهما، و بالتالي إلى العلاقة بين البشر أنفسهم. الله خالق الكون والإنسان، أصبح في العهد الجديد الأب المحب والإبن المخلص والروح المحيي. في نظر الوحي المسيحي والتقليد الإيماني المتبع إن المسيح أصبح إنساناً وبفعل تجسّده أصبح كلّ إنسان أخًا له بالطبيعة الإنسانية، وابنًا لله، فتحوّلت علاقة الإنسان بالله إلى علاقة بنوية وعلاقة الناس في ما بينهم إلى علاقة أخوة. لا شك، في نظر المسيحيين، إن هذا الوعي الجديد لهوية الإنسان وكرامته قد تطور تدريجياً وأسهم، في ما أدى إليه من نتائج، في بلورة حقوق الإنسان الأساسية.  

 

أ – الحق بالحياة :

لمفهوم الحياة في المسيحية معان عديدة: أولها الحياة الروحية والحياة الأبدية .

-         الحياة الروحية :

إعتبرت المسيحية منذ نشأتها الحياة هبةً من الله ونظرت إليها نظرة تقديس. ورأت فيها حياة خلقها الأب وافتداها المسيح وما زال الروح يقدسها بفعل النعمة. بالمعنى نفسه تعتقد المسيحية أن كل إنسان مدعو إلى  عيش الحياة وإحترامها ليس كمجرد واجب عارض، إنّما هو التعبير العملي عن احترام الإنسان كإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله ومدعو إلى حياة السعادة الأبدية.    

-         الاهتمام بالحياة الجسدية:

لا تهمل المسيحية الحياة الجسدية على الرغم من تشجيعها لأنماط عديدة من النسك والتصوف. يُستدل من المراجع الإنجيلية أن المسيح، في مستهل الطريق، قد إهتم بالحياة في جميع مظاهرها ومستوياتها. حتى المستوى الجسدي الحسي حاز عنايته. فقد قام بمعجزات عديدة وشفى اسقام وعاهات. فالكنيسة تحرص أينما حلت، على  العناية بالمرضى في منشآتها الصحية والإستشفائية، وتكرّس لهم العديد من ابنائها الرجال والنساء، وتعتبرهم وجهاً من وجوه المسيح المعذبة التي سوف تحاسب في الأخرة على مدى اهتمامها بهم .

-         الدفاع عن حضارة الحياة :

 تتخذ المسيحية مبادرات جزئية في الدفاع عما تسميه اليوم حضارة الحياة. ولا يقتصر دفاعها على حقوق ابنائها، بل إن موقفها مبدئي ولا تستطيع وفاءً ل " إنجيل الحياة " الذي تحمل بشراه إلا ان تندّد بكل الاعتداءات على الحياة. أياً تكن اشكالها: حروباً أو مذابح وإبادات جماعية وعنفاً وبغضاً وجرائم قتل وتجويع وحرمان وتشريد وتعذيب جسدي وأدبي وتشويه وضغوط نفسية، وإهانات تمسّ كرامة الإنسان، وسوء معاملة للنساء والعمال والأطفال والشيوخ والإجهاض .

 

ب – الحق بالحرية.

 اتّخذت المسيحية، منذ بدايتها، طابع الرسالة التحريرية. ساوت بين البشر في الكرامة والقيم الشخصية والحقوق النابعة من كونهم جميعاً أبناء الله وأخوة للمسيح مدعوين إلى الخلاص بفعل سر التجسد والفداء. تعنى المسيحية بسائر هذه الوجوه، إلا أنها تولي حرية الروح اهتمامها الأول.

 

-         حرية الروح :

 الحرية التي يتكلّم عنها الإنجيل هي حرية الروح قبل كل شيء آخر. والخلاص الذي جاء به المسيح، هو عبور من الخطيئة إلى النعمة ومن العبودية إلى الحرية.  

-         الحرية العلمية

على الصعيد العلمي، يعتبر مؤرخو المسيحية أن إنتشار الإنجيل قد أثمر بروز وعي جديد للانسان بصفته شخصاً مدعوا إلى المشاركة الروحية مع الله. والجذور العميقة للحرية تنبع من هذه المشاركة بالذات .

تحرّر المسيحيون الأوائل من قيود عديدة. تجرّدوا أولاً عن المادة، والتجرد تحرر. في تاريخ المسيحية تبرز قناعة بأن الله يقود شعبه نحو ملء الحرية وملء الأزمنة إلى مجيء الملكوت. ولئن نادت بالحرية الروحية فهي لم تهمل سائر وجوهها. بل إن الحرية الروحية تحثّ على النضال من أجل الحرية الإجتماعية و السياسية .

 

ج‌-    المساواة

من المبادئ الأساسية التي نادت بها المسيحية ولا تزال، المساواة في الكرامة الشخصية بين جميع البشر الذين خلقهم الأب الواحد على صورته ومثاله وإفتداهم الإبن الواحد ويعضدهم الروح القدس الواحد في تلبية دعوتهم الشخصية إلى الخلاص، بمعزل عن أي تفرقة في الجنس أو العرق أو البلد أو الدين أو الرأي السياسي أو الطبقة الإجتماعية .      

 

-         المرأة في المسيحية

تعمل المسيحية على تأمين الحقوق الإنسانية للنساء والفتيات، لاسيما منها المساواة بين الرجل والمرأة على صعيد الكرامة والحقوق المدنية، كما تعمل على تغيير القوانين والعادات التي تهدد سلامة الأطفال الإناث.

على الرغم من عدم إختيار يسوع لإمرأة بين رسله الاثني عشر، فهو قد منحها الكرامة والمساواة الكاملة بالرجل بجعلها أماً وشاهدة له، حواء جديدة .

 

د‌-      السلام

بين العناوين الرئيسية للتجديد الروحي والثقافي الذي تحمله المسيحية إلى الحضارة، عنوان السلام. فهي لا تنفك اليوم تنادي بسياسة السلام والتربية على السلام واخلاقية السلام وثقافة السلام ...ولا عجب في ذلك، فرسالة المسيح تقوم أساساً على السلام.

 

2-                        المحبة في المسيحية.

بينما كان يسوع يبشر، إجتمع حوله الفريسيون "فسأله واحد منهم ليحرجه:" يا معلم، ما هي الوصية الكبرى في الشريعة ؟ " فقال له : " أحبب الرب الهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك. تلك هي الوصية الكبرى والأولى. و الثانية مثلها:"أحبب قريبك حبك لنفسك. بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والأنبياء"( متى ٢٢ ، ٢٤ - ٤٠ ). وإذا كان يسوع قد إختصر الشريعة كلها والأنبياء بمحبة الله ومحبة القريب، فلأن المحبة بحد ذاتها تشكل محوراً أساسياً في رسالته جعل البعض يصف الحضارة التي تنادي بها المسيحية بحضارة المحبة.

 

أ‌-      الحب الإلهي في ذاته :

يحدد يوحنا الإنجيلي الله في رسالته الأولى:" أيها الأحباء، فليحب بعضنا بعضاً لأن المحبة من الله وكل محب مولود الله وعارف بالله . من لا يحب لم يعرفه الله لأن الله محبة".

الله في ذاته محبة. الأب مرتبط بعلاقة محبة بالإبن، و الإبن بالأب، والروح القدس بالإثنين معاً. في الحقيقة، ترتكز العقيدة المسيحية على الإيمان بإله واحد في ثلاثة أقانيم: الأب والإبن والروح القدس، ما يضفي على مفهوم الوحدانية الإلهية حياة وحركة ويجعل من المحبة المتبادلة بين أقانيم الثالوث الميزة الجوهرية للألوهة حسب هذا المفهوم.

 

ب‌-  الحب الإلهي في البشر : 

أن يكون الله واحداً وثالوثاً ، يعني أنه محبة في جوهره ، لأنه هكذا ، لا يمكنه أن يكون منغلقاً على ذاته ، بل إن محبته تفيض على غيره .   

في العهد الجديد، يكشف لنا المسيح أن محبة الله الخالق والأب الغفور الرحيم تشمل جميع البشر. "إن الله أحب العالم حتى إنه جاد بإبنه الوحيد كي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. فإن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم". شمولية المحبة هذه من خصائص المسيحية المميزة.   

 

ج- المحبة الإنسانية :

حب الإنسان الله: الله هو البادئ بفعل الحب. هو الأب الخالق. أوجد الإنسان وأرسل إليه المخلص ولا يزال يؤيده بالروح الحق. وهو يطلب إلى الإنسان أن يحبه. لكن ذلك لا يعني أنه ناقص وبحاجة إلى هذا الحب، بل إنّ حب الإنسان الله يعود على الإنسان نفسه بالسعادة.

ليس هذا الحب كلاماً نظرياً، فهو يتجسد عبر الإيمان بالله وترجي نعيمه والأخذ بمحبته فوق كل شيء. يقضي هذا الحب بتقديم العبادة اللائقة لله والصلاة الصادقة المرضية، والعمل بإرادته المتمثلة بالشريعة الطبيعية.

تقوم هذه الشريعة على التديّن. و التديّن الصحيح يبعد عن اليأس والإلحاد والعدمية ويقوم على محبة الله والإعتراف بوجوده، كما يقتضي تنقية الإيمان من الوساوس والشعوذة والسحر وعبادة الأصنام والألهة الكذبة ولا يكتمل حب الإنسان لله إلا إذا أدّى إلى العمل بمشيئته.

 محبة الإنسان للإنسان : شريعة المسيح تقوم إذن على المحبة. وللمحبة مستويات. المستوى الأول هو الحب الزوجي. إلا أن المحبة لا   تنحصر، في المسيحية، بالحب الزوجي. انما تتعداه إلى حب القريب. والقريب هو كل إنسان، بل كل شخص غاية في حد ذاته، خلقه الله وافتداه المسيح. إنه الأخر الذي يحتاج إلينا. على هذا المستوى، تقتضي المحبة بالتسامح مع الغير في حال أخطأ هذا الغير والتسامح ومعاملة الأخر كالذات يقتضيان الإمتناع عن الإساءة إلى الغير والنيل من سمعتهم. و الحب لا يقتصر على تخطي الأمور السلبية، أي على التسامح والغفران، بل يتعداه إلى المبادرة بصنع الخير للأخرين، حتى إذا كانوا أعداء.     

 

Make a free website with Yola