الطبيعيات

موضوع الطبيعيات، أو علوم الطبيعة، يشمل مختلف الموجودات والظواهر الماديّة من غير استثناء. وهذه الموجودات هي عند العلماء والفلاسفة الأقدمين صنفان:

 

- العناصر الأربعة البسيطة: التراب والماء والهواء والنار.

- الأجسام المركبّة منها، وهي ثلاثة أنواع: معدنية (جامدة)، ونباتية وحيوانية.

 

إبن الهيثم

مؤلفاته

ترك إبن الهيثم حوالي 92 مؤلفًا في العلوم المختلفة. وأهم مؤلفاته هي كتاب "المناظر" في البصريات. هو موسوعة كبرى في البصريات تُعتبر من أوسع المباحث في هذا العلم في القرون الوسطى.

 

البصريات قبل إبن الهيثم

استأثرت كيفية الإبصار (الرؤية) منذ القديم، باهتمام العلماء والفلاسفة. وظلّت طويلاً موضوع خلاف وجدل بينهم. وعلى الرغم من الآراء والنظريات العديدة والمختلفة حول هذه المسألة، يمكن حصر جميع المواقف ضمن نظريتين متعارضتين اختصرهما ابن الهيثم على النحو التالي:

1- رأي أصحاب التعاليم (علماء الرياضيات):

ومفاده أنّ "الإبصار إنما يكون بشعاع يخرج من البصر (العين) إلى المبصر، به يدرك البصر صورة المُبصَر." ويمكن ان يُطلق على هذا الرأي تسمية "نظرية الصدور".

2- رأي أصحاب الطبيعة (علماء الطبيعيات):

ومفاده أنّ "الإبصار إنما يكون بطورة ترِدُ من المُبصَر (المضيء) إلى البصر". ويمكن أن نطلق على هذا الرأي تسمية "نظرية الورود"، وأشهر أنصار نظرية الورود أرسطو.

 

إبن الهيثم المنهج والتطبيق

إنّ المنهج الذي اعتمده إبن الهيثم في ابحاثه العلمية عمومًا، وفي أبحاثه في البصريات بشكل خاص، يقوم على قواعد عدة. قام بالإعلان بنفسه عن المنهج العلمي الذي سيلتزم به في كتابه فوصفه قائلاً: "نبتدئ في البحث باستقراء الموجودات وما يخصّ البصر...". كيف طبّق ابن الهيثم هذا المنهج في كتابه؟ وما هي خطوطه العريضة وتفاصيله؟

أ‌-    الفكر النقدي

إنّ الفكر النقدي يقوم على إخضاع كلّ معرفة مكتسبة للمساءلة، وعلى عدم التسليم بما يُسمّى "حقائق" إلاّ بعد الشكّ بها، والتثبّت من صحتها بمختلف الطرائق والوسائل العلمية. وقد سمّاه ديكارت، في كتابه "بحث في المنهج": "الشك المنهجي".

وابن الهيثم هو نموذج للفكر العلمي النقدي. وهذا ما نلحظه في مواقفه منها أنّه انتقد نظرية صدور الشعاع من العين.

ب‌-                       الإستقراء

الإستقراء هو منهجية في البحث تقوم على الإنتقال من المحسوس الجزئي المتعدّد إلى المعقول الكلّي الواحد؛ أو هو الإنتقال من الخاص إلى العام (من المثل إلى القاعدة)، أو من المحسوس إلى المعقول. وهذه المنهجية معتمدة إجمالاً في علوم الطبيعة.

وابن الهيثم يذكر صراحةً أنّ جميع ما عاينه في بحوثه البصرية، إنّما يوجد بالإستقراء والإعتبار. في كتاب "المناظر" ذكر مستفيض ومتكرر للفظة إعتبار. لهذه العبارة عند إبن الهيثم معانٍ عدّة، أهمها هو استعماله لها بمعنى الإختبار العلمي (experimentation) في مجال البصريات.

ويستعمل ابن الهيثم "الإعتبار" بحسب معانيه الشائعة أي: أخذ العبرة، واستخلاص حكم، أو إستنتاج رأي من آراء سابقة. "والمعتبر" عند ابن الهيثم هو من يقوم بالإختبار، أي العالم الذي يراقب الظاهرة البصرية او الفلكية. "والإعتبار" قد يكون تجربة بسيطة قائمة على مراقبة ظاهرة طبيعية، وأدوات الإعتبار التي لجأ إليها كثيرة منها: البيت المظلم، وثقب الباب، والأنبوب الطويل، والمسطرة المرقّمة...

ت‌-                       القياس

القياس في علم المنطق، هو منهج في المعرفة يقوم على استنباط المجهول (أي الحقيقة المطلوبة) من مقدّمات معلومة. ولا يصبح المجهول معلومًا حقًا إلاّ بالقياس الصحيح. أرسطو هو أوّل من وضع قواعد القياس المنطقي. وللقياس عند إبن الهيثم معانٍ أخرى: منها المقارنة، أو المقايسة، ومنها التمييز والتأمّل.

ث‌-                       نزعته الوضعية

تقوم الوضعية (positivité) في العلم على الإقتصار على الحقائق القابلة للمراقبة والإختبار دون سواها، والتخلي عن السعي لمعرفة ماهية الأشياء. وتقوم أيضًا على التمسّك التام بالموضوعية (objectivité) الملازمة للعلم.

ج‌-المزايا الأخلاقية للفكر العلمي

بالإضافة إلى المزايا العقلية، للفكر العلمي مزايا أخلاقية أيضًا: كالفضول العلمي، والشغف بطلب الحقيقة، والشجاعة في الكشف عنها وإعلانها على الرغم من كلّ المخاطر والتهديدات، والصدق في تلقّيها، والجرأة في نقد الموروث العلمي، والتواضع والتجرّد... وهذه الصفات نجدها في شخصية ابن الهيثم العالم:

1- فهو يعلن بصدق وشجاعة عن أخطائه السابقة، وتراجعه عنها.

2- ويعلن عن تواضعه العلمي ومجافاته التعصّب الأعمى لآرائه.

3- وهو يعلن أيضًا عن استعداده لنشر الحقيقة من غير مقابل.

4- كما يعلن أنّه، في كلّ أبحاثه العلمية، التزم "باستعمال العدل لا اتباع الهوى". وينصح العلماء بالتمسّك بالحياد العاطفي، والإنحياز العقلي العادل.

 

Make a free website with Yola