تعريف الحضارة 

 

١-التعريف بالحضارة:

هي مشتقة من (civis) في اللاتينية وتعني« مواطن في مدينة» وفي اللغة العربية من «حضر» اي ما يقابل « بدو».

‏ عرف بالحضارة: « انما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه...والتنوع باحول الترف وما تتلون به من العوامل.» 

أما المعنى الحديث فهو أوسع مما رأينا. « هي مجموع الانتاج المادي والروحي والعلمي والتقني ، ومجموعة الفنون والحرف والتقاليد وانظمة الحكم واساليب العيش والسلوك لمجتمع ما، أو لشعب ما، ولفترة طويلة نسبيا».

  ٢- مكونات الحضارة:

يمكن القول بان الحضارة هي، بمعناها العام كل ما ابدعه الانسان ‏وكل ما اضافه الى الطبيعة  فى رحلته الطويلة الشاقة على الارض منذ تعلم اشعال النار قبل حوالي  ٥٠٠٬٠٠٠  ‏سنة ليقهر الليل ويبعد عنه الحيوانات المفترسة ويطهو طعامه وصولا الى  تفتيت الذرة، والهبوط على سطح القمر ‏ونقل الصوت أو الصورة ألاف الكيلومترات.

الحضارة هي كل تغيير واع لموضوعه، وهادف أحدثه الانسان في الحيز الطبيعي الذي يحيا فيه، وفي الجماعة أو المجتمع الذي ينتمي إليه، وفي جسمه ونفسه وحياته الخاصة. هي كل ما توصل إليه هذا الانسان، أو بلغه، من تطور في أساليب مأكله ومشربه ومسكنه وملبسه. لذلك يقول البعض أن الحضارة هي التمدن والترقي وذلك صحيح، لكنه جزء من مفهومها الشامل.

 الحضارة هي كل أشكال التمدن، والتمدن هو أنسنة لما هو متوحش وبري خشن وفاج؛ وهي تزود الانسان«لحال الطبيعة»، والشروط المادية المحيطة، ولكن مع إحترام حرمتهما وقوانينهما. والتمدن عيش مع ﺁخرين في جماعة، أو مجتمع، والاشتراك  في إبداع ما لم تقدمه الطبيعة، ونقله من جيل إلى جيل، إن الحضارة تخص الانسان وحده.

٣- العوامل المؤثرة في الحضارة:

الحضارة هي نتاج مجموعة متداخلة من الظروف والشروط والعوامل الطبيعية والبشرية الذاتية.

 

‏انها نتاج عمليات تفاعل معقدة، وعلى فترة زمنية طويلة، بين الاسباب المادية و الروحية ‏والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والنفسية. الحضارة مدينة للمحيط الطبيعي أو للبيئة التي هيّأت الاسباب المادية لقيامها. وهي مدينة أيضا للتشارك الايجابي بين الافراد والجماعات الذي سمح بتجميع طاقات البشر وتضافرها للتغلب على الصعوبات والتحديات التي واجهها الانسان باستمرار. لم يكن في وسع فرد واحد، ولا حتى مجموعة أفراد ان يطلقوا دورات الحضارة المتعاقبة. وهي مدينة، اولا واخيرا، لقدرات العقل البشري الفردي الجماعي، ولذكاء الإنسان، وإرادته وإبداعه. هذا هو العامل الذاتي الحاسم دائما فى نشوء االحضارات وفي تطورها. فالحضارة  ‏في رأي أرنولد توينبي تنمو وتتطور، بمقدار ما ينجح بنوها في التصدي للتحديات وتجاوز الصعوبات التي تواجههم، وهذه التحديات والصعوبات يفرضها عليهم المحيط الطبيعي، أو التبدلات  المفاجئة في هذا المحيط (كالزلازل، ‏أو الجفاف أو الفيضان ‏أو النقص في الاغذية، أو المواد الطبيعية الضرورية للبناء ولصنع الآلات  أو الامراض الفتاكة المعدية. .)

‏ أ-العوامل الطبيعية والبيئية:

‏هي، أول العوامل التي تسمح، أو تساعد، على قيام نشاط حضاري فعلي وفي حضارة ما. فالظروف الطبيعية، الجيولوجية والمناخية، هي التي سمحت بتطور حياة الانسان الأول ووفرت امكانيات نشوء حضارته. فالشروط الطبيعية والبيئية هي التي جعلت بعض أحواض الأنهر وأوديتها الخصبة والمعتدلة المكان الملائم لقيام الجماعة البشرية الأولى ولتشكل حضاري حقيقي، عند ملتقى ومصب دجلة والفرات، (منطقة شط العرب  حاليا)، وفي وادي النيل في مصر، وفي الوادي الهندي، والصين وغيرها.

ب-العوامل الاقتصادية:

‏لا تنشأ الحضارة، ولا تتطور، الا اذا توفر لها نظام اقتصادي يسمح بتلبية احتياجات افرادها وتوفير مستلزماتها.  فالحاجات والميول الانسانية، تكون بيولوجية ثم اجتماعية وروحية.

‏والعوامل الاقتصادية المساعدة تشتمل على الثروات الطبيعية والتقنيات والقوة العاملة والامكانيات التي اضافتها وصولا الى المؤسسات التي تدير النشاط الاقتصادي في الحضارات الحديثة (من العائلة، الى الشركة الخاصة، الى الدولة الخ....).

  واذا كانت الحاجات المادية هي التي حفزت النشاط الاقتصادي في بداية كل حضارة، فان تراكم الثروة وتزايد السكان والوافر الاقتصادي أفضت بتحقيق انجازاتها المادية والروحية.  فالفائض الاقتصادي، الى يومنا هذا، هو الذي يصنع قوة مجتمع ما أو صعود حضارة ما، رغم انه ليس العامل الوحيد. لا بد من لحظ دور خاص للتجارة. فبسبب من التجارة وما تتضمنه من حركة ونشاط وتبادل وتراكم توسعت الدورات الداخلية للحضارات  وبها انتشرت الى المناطق والجماعات المجاورة ثم البعيدة. بل ان نظم الكتابة نفسها لم تنشأ الا لتلبية حاجات المجتمعات وأولها الحاجات الاقتصادية، ولم تكن لتترقى وتتطور وتنتشر ( على يد الفينيقيين بخاصة) لولا الاسباب الاقتصادية  والتجارية تحديدا.

ج-العوامل الفكرية والروحية:

‏على الرغم من اهمية العوامل الاقتصادية، فإنّها لا تكفي وحدها لتبني حضارة أو تكفل اسباب بقائها وتطورها. فالموارد الطبيعية والبيئية موجودة دائما ‏الا ان الانسان وحده هو الذي تمكن من استغلالها وتطويرها. ولم يتحقق له ذلك الا بما امتلكه أو توفر له، من عوامل فكرية وعلمية وروحية، أي من خلال ما اظهره الانسان، والانسانية، من ارادة وامان وذكاء وابداع وافكار وعلوم وفلسفات وفنون. اذا كانت الطبيعة هي الشرط المادي لقيام حضارة ما، فان هذا الشرط سيبقى كما هو تقريبا، والى الابد، اذا لم يتوفر له  ‏شرط اخر: هو الشرط الانساني، أي الشرط الفكري والروحي والثقافي.

د-العوامل الاجتماعية والسياسية:

‏ الانساك حيوان اجتماعي، هكذا عرّف به الفلاسفة القدماء، أي ان غريزة الاجتماع ، بالتالي، والجانب الاجتماعي بقواعده المبتدعة والمكتسبة هما اللذان يميزان الانسان من الحيوان. فالانسان كان دائما يعيش في جماعة، صغيرة في البدء، ثم كان له، حين استقر،  قرية بعدها بلدة فمدينة. ومتطلبات هذا الجانب الاجتماعي (على مستوى الاسرة، والعشيرة والقرية والمدينة) كانت له حافزا ليس فقط لنشاط اكبر، بل لتنظيم هذا النشاط أو السلوك ثم جعله خاضعا لأعراف وقواعد، فكان هناك تنظيم اجتماعي، وممنوعات ومحرمات ملازمة حياة اجتماعية، تفرض التنازل عن اشياء والقبول باشياء حتى لو لم نكن نرغبها، فكانت الشرائع الاخلاقية وما فيها من تنظيم للسلوك الاجتماعي وللحقوق والواجبات. وتلبية للاحتياجات والمطالب نفسها نشأت السلطة السياسية وتولت مع السلطات الاخرى، الاجتماعية والدينية، تظيم حياة الافراد والجماعات منذ فترة مبكرة فكان هناك ومنذ اقدم الازمنة اعراف وقواعد:  السلوك والعلاقات وطبيعة السلطة وما يتفرع عنها.

 

Make a free website with Yola