النسك في المسيحية 

 

     I.            جذور الروحانية النسكية :

تعود جذور الحياة النسكية في المسيحية إلى شخص يسوع المسيح بالذات. فهو الذي تكرس كلياً للتبشير بملكوت الله ولتحقيقه بين البشر، وهو الذي زهد بمباهج الحياة، وقد أوصله نهجه النسكي وعطاؤه الكامل إلى الموت على الصليب شهادة لله. وكذلك فعل الرسل والتلاميذ بعده، إذ تخلّوا عن كلّ شيء لنشر البشارة الجديدة.

صحيح أن ديانات وتيارات فكرية قديمة كانت قد عرفت ظاهرة النسك والزهد، قبل المسيحية. فتاريخ الأديان يذكر جماعات من الأسينيين كانوا، ضمن اليهودية، يتكرّسون لحياة التأمل والزهد والعفة، وجماعات من الصوفيين الزهاد في الهند، فضلاً عن تيارات شرقية كالمنوية، ويونانية كالروحانية الأفلاطونية والرواقية ...

تميّز المسيحيون الأولون، منذ عهد الرسل و التلاميذ، بالزهد والتقشف نمط عيش، بالصلاة و الصوم والدعوة إلى التوبة، وقد أدت الحرارة الدينية ببعضهم إلى النسك سبيلاً لإرتقاء إلى الكمال والسعادة.

 

    II.            دور النسك في المسيحية: (في تحديد الحياة الرهبانية)

تطورت الحياة الرهبانية والنسكية تدريجياً على يد آباء ومعلمين. في كلّ مرحلة من تطورها، قامت بأدوار خاصة، لكن دورها الرئيسي كان في الأساس تبشير الأرياف والحضور المسيحي فيها، كالدور الذي قام به إبراهيم الناسك في أعالي منطقة جبيل في القرن الخامس. عبر التنظيمات الرهبانية، تكيّفت المسيحية مع الحياة الريفية حيث قام الراهب بدور المبشر و المرشد الحكيم والطبيب والمعلم المربي والثقافي والحرفي والزراعي والوسيط بين أبناء الجوار والله والمصلح بين أبناء الجوار أنفسهم. بواسطة الرهبان، انتشرت المسيحية من المدينة إلى الأرياف واستصلحت الأراضي الزراعية وبنيت الأديار وتحلقت حولها القرى في الشرق والغرب.

      ولا يزال الرهبان يؤدون الخدمات الجلى للمسيحية في سائر الحقول الروحية والرعوية والإنمائية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية. يبنون الكنائس والأديرة ويؤمّنون الخدمة في مراكز الحج ويساعدون كهنة الرعايا ويقومون بالمهام الكنيسة المختلفة ... والكنيسة إذ تعي هذا الدور، تفرد للرهبان وللمكرسين أهمية خاصة، وتعمل على إصلاح الحياة الرهبانية من الداخل بشكل دائم. ولئن فقدت الحياة النسكية بعض وهجها اليوم، فالرهبان لا يزالون أحد الوجوه الأساسية للمسيحية.

في الواقع، تتالت الإصلاحات على الصعيدين الرهباني والنسكي. وتم التميز تدريجاً بين الراهب والناسك. ليس كل راهب ناسكاً، وإن كان يرتبط بنظام رهباني خاص يميزه عن باقي الناس وعن الكهنة العاديين. لكن الناسك في الأساس راهب، ترقى إلى أعلى درجات الترهب.

 

III.            فلسفة النسك :

لماذا يقوم الناسك بممارسات تقشفية مختلفة كالوقوف في العراء والإستعداد الدائم؟

لابدّ، للإجابة عن هذه الأسئلة، من توضيح مفهوم النسك، منعاً للإلتباس. ليس النسك هرباً من العالم. انما هو الإحتجاج على النظام الأخلاقي السائد في العالم ورفض لضياع النفس وذوبان الشخصية في الملذات التي يغرق فيها العالم. 

       كذلك ليس النسك حالة مرضية، يستطيب فيها الناسك تعذيب نفسه وقهر جسده وتحمل الألام مجاناً. انما هو وعي لوحدة الشخصية وأهمية سيطرة الإرادة على الغرائز الجسدية  وامتلاك  الذات والقيام بالتمارين والممارسات التي تساعد في هذا السبيل بلوغا" الى غاية الوجود الإنساني القصوى: حب الله والإقتراب من كماله.   

ليس النسك هرباً من العالم، إنه تأكيد على نظام معيشي مطلق يقبل الناسك فيه أن يخسر العالم ليربح نفسه، أو بتعبير إنجيلي آخر، يقبل أن يخسر نفسه ليربحها حسب منطق الروح. إنه إعتبار هذه الحياة الأرضية مرحلة انتقالية أو اعدادية لبلوغ العالم الثاني. إذا كانت الفلسفة تعلم الإنسان، حسب أفلاطون، كيف يموت، فالنسك هو أيضاً فلسفة تميت الجسد وتخضعه لسلطة الروح بهدف إستحقاق الآخرة. مصدر هذه الفلسفة الرغبة في الإقتداء بالمسيح وتلبية دعوته إلى التخلي عن كل شيء لبلوغ الكمال.

في الختام تجدر الإشارة إلى أن الإيمان قد أغدق ، منذ العصور الأولى، على النساك تسمية " الفلاسفة الملائكيين " أو " الإلهيين " طبعاً انهم يتوقون إلى معرفة الله. لكن هذه المعرفة ليست عملاً عقلانياً بقدر ما هي مقاربة ايمانية وغاية تصوفية، السبيل إليها الممارسات التقشفية والصلوات.    

 

Make a free website with Yola