الميول

السؤال الأوّل: ما هو أصل الميول وطبيعتها؟

مقدمة: استقطبت الميول منذ القدم اهتمامات علماء النفس والفلاسفة، فهي تُعتبر مصدرًا أساسيًّا للحياة النفسيّة الإنسانيّة من جهّة، كما وأنّها من جهة أخرى، حسب بعض العلماء، السبب الأوّل لمعظم الحركات التي يقوم بها الكائن الحيّ، أكانت داخليّة (نفسيّة) أو خارجيّة (فيزيولوجيّة)، فالميل هو أكثر المفاهيم النفسية بساطة وعمومية ويفترض أصلاً لكل ما سواه.

تتشابه الميول مع عدد من المصطلحات الأخرى ممّا أثار لغطًا بين علماء النفس حول التحديد الدقيق لمصطلح الميول. لذلك اهتمّ علم النفس الحديث في رفع هذه التناقضات عبر التمييز بين الميول من ناحية وبعض المفاهيم التي قد تقترب أو تتباعد عنها. فالميول هي التسمية العامة للحاجات والدوافع التي تعتري الكائن الحي.

أما الحاجات فهي الميول العضوية كالحاجة إلى الأكل والنوم والشرب... لا يتم إشباعها إلّا بالحصول على غرضها الخاص (الطعام، الماء...)، والحاجات هي مشتركة بين الإنسان والحيوان، على نقيض الدوافع التي تعتبر خاصة بالإنسان وهي حاجات واعية بالضرورة لغاياتها، تأخذ شكل فكرة أو مشروع قابل للتنفيذ بالسلوك مصحوبة بوعي وسابق تصور وتصميم. وتتفرّع من الدوافع الرغبة التي تظهر على أنها ميولًا واعية لنفسها وللذّة التي ستحصل عليها عبرعلاقتها مع الآخر.وآخر متفرعات الميول هي الغرائز، وهي ميول حيوانية يشبعها الحيوان بوساطة مهارة عمليّة فطريّة غير مكتسبة، كبناء العش عند الطير أو بناء القفير عند النحل...

من هنا، تظهر الميول على أنّها قوى كامنة في الكائن الحيّ تحرّكه نحو هدف معيّن، قد تكون لا واعية بالنسبة لصاحبها، مع وعيه لطرق إشباعها ولنتائجها.

الإشكالية:إن كانت الحركات مصاحبة للميول وناتجة عنها، أيمكن أن تكون كل الميول حركات ليس إلّا؟ أم إن الإشباع التي تتطلّبه الميول كي تتحقّق يجعل منها أقرب إلى الرغبة وطلب اللذة منها إلى الحركات؟ أم أن الميول تتعدّى الحركات والرغبات إلى هدفيّة مجرّدة وقوى نفسية كامنة ورابضة في الكائن الحيّ؟

موقف الفيزيولوجيون (كانن): الميل هو إعادة توازن الجسم الحيّ

قدّم الفيزيولوجيين تفسيرًا عضويًّا محضًا لبروز الميول عند الكائن الحيّ. فالميل بحسب الفيزيولوجي الأميركي كانن إنّما هو قدرة الجسم العضوي إلى إعادة تثبيت توازنه (Homéostasie). فالميل هو بحث عن توازن جديد، أو تكيّف مع حالة طارئة. فبناء العشّ الذي يقوم به العصفور، هو نوع من الجهد لمواجهة انخفاض حرارة جسمه، أمّا الميل إلى الأكل فهو انعكاس لانقباضات المعدة وهكذا دواليك.

ان نظريّة كانن وإن فسّرت بعض الميول العضوية، تعجز عن تفسير السلوكات الغير مصحوبة بشروط عضوية وهنا تكمن نقطة ضعفها، إن التفسير العضوي لظهور الميول هو تفسير ناقص غير قادر على الإحاطة بالكامل بمفهوم الميول.

 

موقف التجريبيّون (كوندياك): الميل هو الرغبة

لقد اشتهر الفلاسفة التجريبيّون منذ القدم، من ايام ارسطو والحسيين،برد كلالأمور العقلية والواعية الى الاحاسيس، كما فعل كوندياك وغيره. ولعل هذا ما أثرفعليا على آراء الفلاسفة التجريبين الانكليز أمثال هيوم و لوك الذين طوروا وحسنوا النظرية التجريبية واعطوها اسساً جديدة. فكل ما يصدر عن الفكر بالنسبة لهؤلاء ليس الا انعكاساًلأعمالالحسّوالادراكات الحسية والعادة. وهكذا،تبنى كوندياك وسائر الفلاسفة التجريبين موقفًا هو في الحقيقة إنكار لأصالة الميول. فإن علم النفس ينحصر على رأيهم في أحاسيس لا تحمل وراءها أي قوة داخليةعند الأفراد حسب الرأي القائل أنه لا يوجد شيء في الذهن إذا لم يكن قد مر من قبل في الحواس. فيكون الذهن أشبه بتمثال لا حياة فيه يتلقى الأحاسيس من العالم الخارجي. فالإحساسبرائحة الورد يولد عندنا شعورًا بلذّة حسية يدفعنا إلى تكرار هذا الفعل. وهكذا تؤدي الرغبة في الإحساس برائحة الوردة من جديد إلى توليد ميل لم يكن من قبل، فهناك إذًاإحساس باللذة تتبعه رغبة تكون بمثابة ميل.

نقد النظرية التجريبية.

الا ان هذه النظرية التجريبية تشوبها عدة شوائب لأن حصول لذة عند الإحساس برائحة الوردة يفترض وجود ميل إلى الروائح الطيبة. فإنّ تجربة اللذة لا تخلق الميل، بل تحركه فيبرز إلى حيّز الوعي ويتحدّدويصير رغبة في رائحة معينة. فالرغبة هي الميل الذي صار واعياً كما يقول سبينوزا. فإنهمن الخطأ القول بأن الرغبة في الأكل ناتجة عن الإحساس بلذة الوجبات السابقة، بل الصحيح أن اللذات السابقة توجه خياراتنا اللاحقة. فإن الميول سابقة على الأحاسيس والانفعالات، وهي مقياس الحكم على الأحاسيس.


موقف البيهيفيوريّون+ نظرية ريبو.

ينفي علماء نفس السلوك وجود حياة داخليّة موضوعيّة عند الكائن الحيّ وتنحصر دراساتهم على كل ما يمكن مراقبته في الإنسان من الخارج أي بعبارة أخرى سلوكه، وكل ما هو سوى ذلك غير قابل للإدراك بالطرق العلميّة. على هذا الأساس، يهتم البيهيفيوريين بالميول بوصفها سلوكيات تظهر بشكل استجابات، أو انفعالات خارجيّة أي بالحركات الجسديّة. فالميول ليست قوى داخلية كامنة في النفس.

لا يختلف موقف عالم النفس الفرنسي ريبو كثيرًا عن موقف علماء نفس السلوك هو الذي تأثّر بعلم النفس التقليدي الذي ردّ الحركات والأفعال الإنسانية إلى قوى نفسانيّة تحدّدها وتوجهّها؛ هي الميول. من هنا،يردريبو الميول إلى السلوك، أي: إلى ظواهر حركية، فإن الميل هو حالة توثب وتهيؤ للحركة قبل حصولها بالفعل، فالحيوان المفترس الذي يمزق فريسته بأنيابه ينفذ ميلاً، كما أن هذا الحيوان عندما يستعد للهجوم على فريسته يرسم حركة الهجوم في جسده قبل التنفيذ.


نقد موقف البيهفيوروين وريبو: الحركات ليست كلّها ميول

ممّا لا شكّ فيه إن السلوكات والحركات هي نتيجة ميول الإنسان وتعبّر بشكلٍ أو بآخر عنها. إلّا أنّ الحركات لا يمكن أن تشكّل الميول، لأن الميول بتعريفها هي موجهّة إلى هدفٍ معين وليست كل حركات الإنسان وسلوكياتّه هادفة بالضرورة.

لو كانت الميول مجرد حركات، فستكون حركاتنا كلها ميولاً وهذا مرفوض. فهناك حركات نفعلها اضطرارًا دون أن تقابلها ميول كما يفعل مثلًا تلميذ معاقب أو جندي الحراسة في حركاته العسكرية المنتظمة. فإن الحركات الموجهة بهدف تعبر عن ميل وتكون الحركات نتيجة لهذاالميل.

كما إن استعمال كلمة ميل في اللغة العربية غير دقيق، فيُقال: أميل للابتعاد عن الضجيج، إن هذا الفعل ليس ميلًا حقيقيًّا كونه غير هادف بل على العكس من ذلك هذا الفعل لا يغدو كونه انفعالًا أوتوماتيكيًّا للهروب من مؤثّرٍ معين.

أما الحركات المكررة فلا تكفي لتوليد ميول، ولذلك ما كانت العادات لتصبح ميولًا: فلن يكتسب التلميذ ميلًا لسلوك طريق المدرسة خلال عطلته الصيفية إذا كان قد اعتاد علىهذا الفعل طيلة السنة الدراسية. ان ميل اذاً ليس مجرد حركات. فكيف تظهر الميول إذًا؟ وإلام تردّ؟

فإن كان الميل غير ناتج عن الحواس فمما ينتج اذا ؟ كيف فسر الفلاسفة الآخرون طبيعة الميل؟


موقف برادين: الميول هي توجّه وهدفيّة (خلاصة)

ميّز برادين بين نمطين من الميول: الميل إلى والميل نحو فالنمط الأول ليس ميلًا في الحقيقة لأنه لا يحمل هدفًا إلى موضوع بل هو مجرد تفادي شيء معين أو مؤذ كمن يسحب يده لتلافي جسم حارق أو يحكّ جلده أو يتحاشى الوقوع في مستنقع ماء.

لا وجود للميول حسب برادين إلا عندما نهدف إلى الحصول على غرض معين فإن الميل يعبّر عن نقص في الكائن لا يمكن سدّه إلا بالحصول على غرض خارجي فالميل هو إذًا توجه بعض الحاجات عفويًّا نحو أغراض تحقق لهاالإشباع.

إن الميول الغذائية والجنسية والاجتماعية هي حسب برادين الميول الأساسية، فإننا لا نستطيع مثلًا اعتبار غريزة البقاء ميلًا لأنها مجرد حماية من خطر دون أن تكون هادفة إلى غرض بقصد تملكه، وباختصار فإن الميل هو توجه وهدفية.

 بالمحصّلة الميول هي قوى ونزوعات موجهة إلى أهداف، وهي وإن تظهر بشكل حركات وسلوكات لا يمكن أن تُختزل بهذه الأخيرة. كما وإنّ الميول ولو أنها ترنو إلى الإشباع لا تُختزل بالرغبة. بالرغم من ذلك، لا بدّ من التأكيد على أن كلًّا من الحركات والرغبة هما خاصيتيّن أساسيتيّن من خصائص الميول أولّها تخصّ الكائن الحي من إنسان وحيوان والثانية ينفرد به الإنسان دون غيره.

السؤال الثاني: هل كلّ ميول الإنسان تتحدّر من ميل أساسيّ واحد؟

اشكالية: بما أن ميولنا تتخفى وراء حالات عديدة من الحاجة والغريزة الى الفن والعلم وغيره ، وتتدرج من الحاجات البسيطة الى الرغبات، وتغتني بمكتسبات ثقافتنا الاجتماعية وتتوارى وتتحول وتتسامى، فإنها تفقد بالتالي شكلها الأصلي فهل نستطيع أن نتساءل إذا كانت جميع ميولنا، المتقنعة بعديد من المظاهر، تتحدر من ميل أساسي أصيل؟ هل تهدف الميول إلى إشباع أنانيّة الإنسان دون غيره؟هل هدفها الأنا أم الآخر؟

موقف لاروشفوكو: الميول أشكال متخفيّ لحبّ الذات

يعتبر لاروشفوكو الفيلسوف الفرنسي الشهير، أن جميع ميولنا ونزوعاتنا ليست سوى أشكال متخفية لحبّ الذات وحبّ أي شيء من أجل الذات. ويصبح بذلك حبّ الذات الميل الأساسي الذي تتفرع منه جميع ميول الانسان وقد عبّر لاروشفوكو بصيغ متعددة عن نفوره من عالم تستر مظاهره الجيّدة أنانية وحبا عميقًا للذات. ويعطي أمثلة على ذلك كقوله: إن الصداقة الأكثر تجرّدًا ليست سوى تجارة تهدف أنانيّتنا من ورائها كسبًا ما. كما إن رفض المديح هو رغبة في مديح مضاعف والاعتراف بالجميل ليس سوى رغبة مبطنة للحصول على مزيد من المنافع. يزعم لاروشفوكو إن الفضائل تضيع في الأنانية كالأنهار في البحار، كما أن  المصلحة تتحدث بكل أنواع اللغات وتتلبس كل الشخصيات حتى شخصية المتجرد.

موقف نيتشه: الميول تعبّر عن إرادة الحياة

أما نيتشه فهو يسلك طريقا شبيهة بالتي اتخذها لاروشفكو: فبالنسبة للفيلسوف الألماني ان كل الميول ليست الا تعبيرًا مصلحيا عن حب الانسان لنفسه وتجسيد لإرادته في الحياة. ويعطي مثالًا قد يبدو غريبا بعض الشيء؛ بالنسبة لينتشه ان الراهب الذي يتنسّك، انما يتنسّك حبًّا بنفسه وطمعًا بمصلحته الشخصيّة أي الخلاص من نار جهنم والتنعم بالحياة الأبدية في الفردوس السماوي. وليس كما يزعم هو بأن نسكه هو للصلاة من أجل الآخرين والتعبد البريء لله.  وبعبارة أخرى أن ابرء الميول بالنسبة لنيتشه ليست سوى تعبيرًا عن أنانيّة مفرطة ومصلحة متخفية. من هنا قول نيتشه الشهير : الانسان لا يحب سوى ميوله وليس ما يميل اليه.


موقف البراغماتيون (بنتام): الميول تهدف إلى تحقيق المنفعة الشخصيّة

وقد تبنّى بنتام أيضا موقفًا شبيهًا بمواقف نيتشه ولاروشفوكو مؤدّاه أنّ المصلحة الشخصيّة هي وراء كل ميول الانسان. فبنتام هو من المدرسة البراغماتية التي تزعم أن المصلحة الشخصية هي التي تسيّر الانسان في كل أفعاله وحركاته. فالانسان حاسب لمصالحه حتى في مشاعره الأخلاقيّة. والأمر سيان في مسألة الميول. ففي أساس الميول (الاجتماعيّة وحتى المثاليّة) تكمن إرادة الحياة. فكلّ الأشكال العليا للميول تتغذى من "الأنا". فالجذع القوي يتغذى من النسغ ذاته الذي تتغذى منه الأغصان والأزهار التي لا تختلف ولا تبتعد عنه إلاّ ظاهرياً. فهي يمكنها أن تبدّل موضوعها أو فعلها أو الإثنيْن معاً. فهي تفاوض وتظهر ليونة من أجل كفاية ذاتها.

 ولكن وفي خضم كل هذه النظريات اليس من الغبن اعتبار كل الميول تتحدر من الأنانية؟ اليس هنالك ميل ولو واحد غيري؟

نقد المواقف السابقة: ليست كل الميول أنانية


إن الانتقاد الأساسي ضد نظريات لارشفوكو ونيتشه والبراغماتيين تصب في اعتبارها نظرات تشاؤمية حيث أنها تبدو كفرضيات متطرفة ترد جميع أفعالنا إلى حسابات مدروسة وهادفة، بل أن الواقع يؤكد على وجود أفعال مخلصة عفوية وبريئة من المصلحة الذاتية؛إلا أن تحليلات علماء النفس هي التي تتعمد إضفاء الزيف عليها.

كما أن العلاقة السببيّة بين ميولنا وعقلنا تحتاج إلى توضيح حتى من منظور لاروشفوكو. فإنّه لا يقول بأن جميع أفعالنا مستوحاة من حسابات عقلية وبراهين موجهة بالأنانية، بل أن العقل يعمل في الأغلب على إخفاء أنانيتنا غير الواضحة لذاتها والتي تتولّد عنها مشاعر وأفعال نميل غالبًا إلى عدم الاعتراف بحقيقتها، ما يؤكّد أنّ لاروشفوكو يعتبر الأنانية نزوعًا لا واعيًا لا يخضع لحسابات العقل بقدر ما يحاول العقل التغطية عليه فندفع عن أنفسنا تهمة الأنانية أمام الآخرين ونقع في النهاية ضحية غرورنا فننكرها أيضًا أمام ذاتنا، لكن جذور أعماقنا أشد قوة من تبريرات عقلنا.

وهناك من يقول كفيلسوف العقد الاجتماعي  روسو بأن الأنانية ليست ميلًا عفويًا وأصيلًا في البشر فإن الأنانية تبدو غريبة في المجتمعات البدائية حيث يكون الفرد مختلطًا عضويًا بالجماعة. لذلك يرى بعض علماء الاجتماع أن الأنانية هي حصيلة الحضارات الحديثة حيث تتميّز باستمرار شخصية الفرد من الجماعة.

كما أن موضوع الميول هو خارج عنها كما ذكر في المقدمة، لذلك قال برادين أن جميع ميولنا هي غيرية بطبيعتها لأنها تدفعنا إلى خارج ذاتنا. أما الأنانية فتكون حالة غير طبيعية منحرفة حيث أنها تدفع الإنسان إلى طلب اللذة الحاصلة عن تملك الشيء. فالأرجح القول حسب برادين أن الميول الأصيلة هي غيرية والميول الأخرى ليست بميول حقيقية.

خلاصة

ولعل هذه التمييزات غير قادرة على حسم هذا الموضوع. فلن نستطيع أننتصور الإنسان الواعي والذكي لا يسعى وراء اللذة. فأن يفعل الواحدمنا ما يفعله من أجل الحصول على اللذة لا يكون فعلًاأنانيًاإلا بقدر ما يحرم الإنسان الآخر من حاجاته فصحيح أن غرض الميول هو خارج عنها إلّا أن مردوده يكون لصالحنا فالهدف يبدو إذافي ذاتنا. إن ما يسمّى أنانية هو الصفة العامة لجميع ميولنا. فإننا نمارس ميولنا الغذائية والجنسية لتأمين لذاتنا الخاصة، فإذا ما انحصرت هذه الميول وممارستها ضمن الحدود التي لا تؤذي مصالح الآخرين فلماذا تسمى أنانية؟ إن ميولنا البيولوجية لا تخرج عن حدودها السليمة إلّا إذا مورست خارج إطار الميول الإنسانية المثالية المتسامية على وضعنا البيولوجي، فهناك عالم قيم يدعونا إلى المشاركة فيه لأننا قادرون على ذلك. فالإنسان هو كائن القيم ومن واجبه أن يتسامى إلى هذه المستويات، وهناك أمثلة عن أفعال غيرية وان كانت نادرة. ففي الإنسان بالتأكيد جذور أنانية لكنه مدعو لأن يكون غيريًّا لأنه قادر على ذلك.

أن يخفي الإنسان فرديته بطريقة لا واعية كما يقول علماء التحليل النفسي ويتبّدى بغيريّة مزيّفة، أو أن يتفنن عقله في إخفاء أنانيّته والكذب على ذاته، فالأمر سيّان. فهذا الإنسان الذي اكتسب ميزة الفرديّة والعقلانيّة خلال عملية تطور طويلة ولن تقف هذه العملية عند حد، لن يستطيع الإفلات من سيطرة ذاته، فهو مستعبد من ذاته قبل أن يستعبده أحد وقد قال لارشفوكو أن الأنانية تفسد العقل إذ تسخره لتبرير الفعل الأناني واظهاره بمظهر الفضيلة.

إن الإنسان يريد الكذب على ذاته ليقنع الآخرين ويقتنع هو بأنه غير أناني لكن في أعماقه نداء إلى ما هو أسمى فهل يتمكن من تجاوز حالة الكذب على الذات؟ وهل تخبو أفعال العقل ومخادعاته أمام نداءات الروح وعالم القيم؟


تصنيف الميول: 

بالرغم من المنافع التي يمكن أن تتحصّل من تصنيف الميول وتوزيعها وترتيبها، فإن عملية التصنيف هذه تبدو في غاية الصعوبة. ولنا أن نتساءل: هل يمكن بالفعل إجراء تصنيف حقيقي يضبط الميول بكافة أنواعها ومستوياتها؟ في الواقع إن مثل هذا التصنيف يبقى بعيد المنال، لأنّنا لم نستطع من اكتشاف داخل الإنسان بشكلٍ أكيد. لذلك فإن التصنيف الممكن للميول يكتفي بتجميع الميول وترتيبها لجهة موضوع الميل. وتبعًا لموضوعاتها يتبدى أن الميول تتوجه وتتوزع في ثلاثة قنوات رئيسية:

أ- الميول والحاجات العضوية: إنها الميول المتصلة بالحياة العضوية للكائن وهي بدورها تتوزع في اتجاهين.

-   الميل إلى البقاء: جلّ ما يميزها أنها سعي دؤوب للمحافظة على الحياة.

-   الشهوة = (الحاجات العضوية): تتعلق بالجانب الحياتي عند الإنسان وتظهر في الشهوات المرتبطة بوظائف الجسد المختلفة؛ وتتحدد عند الإنسان باثنتين أهمها الميل إلى الأكل والشهوة الجنسية. وهذه الحاجات وإن كانت مشتركة بين الحيوان والإنسان إلاّ أنها تأخذ عند الإنسان، أبعادًا اجتماعية وروحية. فالميل إلى الغذاء يأخذ بسرعة منحى اجتماعيًا إن لجهة عدد الوجبات وأوقاتها، وإن لجهة طريقة تناول الطعام خصوصًا وسط جماعة.

ب- الميول الاجتماعية: - الميل إلى تجمّع النوع (Instinct grégaire) هذا مَيْل مشترك بين الحيوان والإنسان وهو يدفع الأفراد إلى البقاء مع الآخرين من جنسهم.

- ميل الأمومة: فإن الأم تحب طفلها باعتباره جسدًا من جسدها حيث تكَوّن ونما؛ كذلك فإن الطفل يبقى مرتبطًا بها بعد الولادة بالرضاع والعناية.

- الميول العائلية: تظهر هذه الميول في التعلق بالعائلة، وعناصرها الحب الزوجي وعاطفة القرابة البنوية والأخوية.

- الميول المهنية: يوجد في أساس هذه الميول الحاجة إلى النشاط وحب العمل وشرف المهنة والقيم الحرفية التي تحكم النشاط الإنساني.

- الميول الوطنية: إن حب البلد الذي ولدنا فيه والتعلق بعاداته ولغته وقيمه وذكرياته وتقاليده وسائر عناصر التراث الروحي للأمة، كل ذلك يبدو طبيعيًا بالنسبة للإنسان العاقل الواعي المدرك لقيمة وطنه.

ج- الميول المثالية: تتعلّق هذه الميول بالقيم الإنسانية السامية، وهي جدّ غنية وبعيدة الغور في ذاتية الفرد ومتآلفة مع ما عنده من خصوصية. وترتبط بهذه الميول المشاعر الدينية وسائر مشاعر القداسة الروحية. من هذه الميول الشعور الأخلاقي تجاه الواجبات والإلزامات المتسامية، وأخيرًا الشعور الفني المرتبط بقيمة الجمال.


مرونة الميول:

    الميول كما رأينا هي قوة ونزوعات موجهة إلى أهداف، ورأينا أيضًا أنّ أي تجربة لا يمكن أن تخلق ميلاً من لا شيء. لكنّ الميول وإن لم تكن وليدة التجربة فإنّها تتقبّل بعض المرونة، فإنني أستطيع إرواء عطشي بسوائل عديدة وأشبع معدتي بمأكولات متنوّعة.

    وقدّم بودوان تفسيرًا لمعنى مرونة الميول، حيث ميّز في الميل بين فعله وموضوعه، وأخذ مثلاً الميل إلى صيد الطرائد وفعل الصيد ذاته. فمن الممكن أن يتغيّر الموضوع ويبقى الفعل كالصيّاد الذي ينتقل من صيد الطرائد الكبيرة إلى صيد الحجلان، ومن الممكن أن تضطرّه ظروف قاهرة كالتقدّم في السنّ أو أمور صحيّة إلى التخلّي عن هواية الصيد فيتحوّل إلى جامع لأدوات الصيد وكتب الصيادين وأخبارهم، فيكون التحوّل قد حصل عنده على الموضوع وعلى الفعل معًا، فبدل أن يصطاد الطرائد تحوّل إلى جمع الكتب.

   وهناك حالة ثالثة يحصل فيها التحوّل على مستوى الفعل ويبقى الموضوع. كما في الغيرة حيث يصبح موضوع الحبّ موضوع الكره، أو عكس ذلك، كما في حال الأم التي فقدت ولدها فتحوّلت إلى مربية أطفال، أو الشاعر الذي لم يتمكّن من الحصول على حبيبته فأحبّها في شعره.

   وقد اغنانا التحليل النفسي بأشكال متنوّعة من تحوّلات الميول. فهناك التحوّل على مستوى الموضوع وهذه حالة أساسية في المعالجة النفسية.

   وقد يكون تحوّل الميل تساميًا روحيًا مثل من يتحوّل من حبّ امرأة إلى حبّ العلم والخير والفنّ.

وهناك الإنعكاس مثل تحوّل السادية أو العدوانية تجاه الغير إلى مازوشيّة أو عدوانية تجاه الذات، ومثل تحوّل عدوانية الولد تجاه والديه إلى عدوانية تجاه ذاته تظهر على شكل قلق وشعور بالذنب.

أما الإسقاط فهو حالة رائجة عند أهل الهوى عندما يسقطون عواطفهم على سائر الموجودات.

    انّ ما سبق يؤكد لنا أنّ الميول هي إمكانات و قوى أساسية وعامة ترتد اليها كل أفعالنا ومشاعرنا وأفكارنا وإنّها أصلية لا يمكن أن تكون موضوع اكتساب وإن كانت قابلة للتحول والمرونة وتكتسب بالتجربة وسائل وقدرات على الفعل وقد تعمل أحيانا من وراء حجاب اللاوعي كما علّمنا التحليل النفسي فتظهر بأشكال مختلفة بعضها سوي وآخر مرضيّ.


من إعداد الأستاذ إتيان عيد (بتصرف)

Make a free website with Yola