إبن خلدون في عصره

حياته

ولد عبد الرحمن محمد بن خلدون في تونس (٧٣٢ ه / ١٣٣٢م ). تولى والده تعليمه بعض العلوم وهيّأ له سبل تعلّم علوم أخرى على يد كباراساتذة تونس آنذاك. وقد تنقّل بين تونس وفاس وبجايه  والأندلس وغيرها... كان شديد التلوّن، يضع مواهبه في خدمة الحكام  ثم ينقلب عليهم. تولّى خلال هذه الحقبة عدة مناصب سياسية. أقام  إبن خلدون في قلعة إبن سلامة للإنصراف إلى التأمل والتأليف. توفي عام ١٤٠٦. 

 

                                                                                                                                                I.            مغالط المؤرخين

يعتبر إبن خلدون أنّ التاريخ فنّ يثير إهتمام الخاصة والعامّة على السّواء " تتداوله الأمم والأجيال... وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال". فالجميع يتشوّقون إلى معرفة أخبار الماضي.

والتأريخ فنّ " جمّ الفوائد " إذ هو يطلعنا، كما يقول إبن خلدون، على سِير الماضين من الملوك والأنبياء وغيرهم، لكنّه لم يتبسّط في شرح هذه الفوائد مكتفياً بالإشارة إلى فائدة الإقتداء بسير هؤلاء لمن يرومه.

 

1-           الدافع  إلى كتابة التأريخ

هناك دافعان رئيسيان حملا إبن خلدون على كتابة التأريخ:

أ- الأول: إتّصل إبن خلدون بالعديد من الملوك والامراء، وشاهد قيام وسقوط الكثير من الدول. وهذا ما دفعه إلى كتابة  تأريخ يدوّن فيه هذه الأحداث.

ب- الثاني: رغبة إبن خلدون في أن يرسم نهجاً سوياً لتدوين الوقائع.

 

2-           مغالط المؤرخين واسبابها

توقف إبن خلدون في مواضع عدة من المقدمة، على انواع المغالط والأوهام محللاً الأسباب الكامنة وراء كل منها .

أ- التشيّعات للآراء والمذاهب: أي أنّ التشيّع لمعتقد أو لحزب أو لمذهب يحول دون قيام المؤرّخ بالتمحيص الكافي في الخبر لتبيّن صدقه من كذبه.

ب- الثقة بالناقلين: أي إنّ المؤرخ قد يقع في الخطأ من جراء ثقته بناقلي الأخبار. لذلك عليه أن يتأكد من عدالة وأمانة هؤلاء بتطبيق القاعدة التي سمّاها علماء التفسير والحديث بإسم  التعديل  والتجريح. وتقضي هذه القاعدة بإستعراض الرواة ناقلي الخبر فإذا كانوا جميعاً أهلاً للثقة علمياً وأخلاقياً، يُعدّل الحديث، أي يُعتبر صحيحاً ويؤخذ به. أما إذا كان النقلة أو بعضهم غير أهل للثقة علمياً أو أخلاقياً، يُجرّح الحديث، أي يُعتبر غير صحيح ويرفض.    

 - توهّم الصدق: أي توهّم المؤرّخ الصّدق في خبر كاذب، إما لأنّ المنقول عنه إشتهر بالصدق، وإمّا لأنّ الخبر يبدو معقولاً.

- الذهول عن المقاصد: ومفاده أنّ المؤرخ قد يكون صادقاً في نقله، فينقل ما عاينه أو ما سمعه بكل امانة، لكنّه قد يسيء فهم ما عاينه أو ما سمعه.

- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع: بعض الدسّاسين، بقصد تحقيق اغراض معينة أو منافع خاصة، يصطنعون بعض الوقائع التي ينخدع بها من يشاهدها فينقلها "على غير الحق في نفسه". 

- التقرّب من أصحاب التجلة والمراتب: وذلك إما رغبة في الحصول على منفعة أو خوفاً من التعرض لمضرة.

- قبول الأخبار المستحيلة: فبعض السامعين يقبلون أخباراً مستحيلة وينقلونها فتؤثر عنهم.

 - ولوع النفس بالغرائب وحبّ المبالغة لاسيما عند الإحصاء الأعداد من الأموال والعساكر. 

  - الجهل بطبائع الأحوال في العمران: إنه أهم أسباب مغالط المؤرخين. فالمؤرخ الذي يجهل طبيعة المجتمع البدوي مثلاً، قد ينسب إلى هذا المجتمع أحداثاً تتنافى مع طبيعته كوجود علوم متطورة وجامعات، أو إزدهار للصناعة...

 

3-           موضوع التأريخ

في ضوء هذه المآخذ على المؤرخين، عرّف إبن خلدون التأريخ بأنه: "خبرٌ عن الإجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، يتّضح من هذا التعريف مفهوم إبن خلدون الحديث للتأريخ :

أ- فالتأريخ خبر شامل عن الظواهر الإجتماعية كافة : سياسية ، إقتصادية ، ثقافية... ويتناول كذلك الجماعات وبنيتها وأحوالها. فهو لم يعد يقتصر على ظاهرة واحدة هي الظاهرة السياسية – العسكرية.    

ب- والتأريخ خبر علمي لا يكتفي بسرد الوقائع، انّما يحاول البحث عن الأسباب والعلل. 

 

4-           مستلزمات المؤرخ

أ- المآخذ والمعارف: إنّ المعارف المطلوبة من المؤرخ شاملة تتناول مختلف جوانب الحياة الإجتماعية.

ب- المماثلة بين الحاضر والماضي: كذلك على المؤرخ " الإحاطة بالحاضر ومماثلة ما بينه وبين الغائب ( الماضي ) فمعرفة الحاضر تساعد المؤرخ في فهم أدق وأوسع للماضي .

ج- معرفة طبائع الأحوال: أي المام بعلم الإجتماع يسمح للمؤرخ برفض الحادثة المنقولة التي تخالف قواعد هذا العلم.   

 

5-           علاقة التأريخ بعلم العمران

اعتبر ابن خلدون علم العمران ضروريًا لكل من تصدّى للتأليف في التأريخ. باختصار إن فنّ التأريخ وعلم العمران يتكاملان، فهما يخضعان للقواعد نفسها: ملاحظة وإستقراء وتحقق. التأريخ يحفظ الماضي ويقدم أمثلة على السلوك الإنساني، وعلم العمران يساعد في تصحيح الأخبار التاريخية.

 

Make a free website with Yola