المعرفة العامية والمعرفة العلمية

 

في البدء كان العمل .فقد اتجه نشاط الانسان الفاعل اولا الى السيطرة على الطبيعة من اجل تأمين حاجاته المادية ،وتولد من هذا النشاط نمط معرفة نسميَها العامية تمييزا لها من نمط المعرفة العلمية.

1 –خصائص المعرفة العامية:

ليست هذه المعرفة لفئة دون اخرى من الناس،بل انها نعرفة شائعة ومكتسبة بالحواس وبلعقل العملي .انها وليدة الخبرة اليومية المتراكمة تكتفي من معرفة الاشياء بأقل ما فيها من خصائص تساعد على استعمالها لغايات عملية محدودة .فهي اذا لعموم الناس ،ولا يتميز فيها انسان من آخر الا بدرجة الممارسة والخبرة التي تجعل منه حرفيا حاذقا ، انها معرفة نفعية بغاياتها،محددة بوسائلها ،متنامية بموازاة العمل الانساني على اساس مبدأ التجربة والخطأ.

وتصل هذه المعرفة الى قواعد عامة مبنية على ملاحظات محدودة ،فلا تقع الملاحظ عند العامي في اطار منهج هادف لاستقصاء خصائص الاشياء بل  لانها تعتمد على الممارسة والمصادفة وتتوقف عند منفعة عملية.

ان محدودية الملاحظات عند العامي تنعكس على نوعية القواعد التي تتولد عنها فلا تصل هذه القواعد الى مرتبة القوانين العلمية .والى ذلك فإن المعرفة العلمية مختلطة بالكثير من العناصر اللاعقلية مثل التنجيم والمعالجة بالسحروالرقى والتعازيم .فقد كان باب المعرفة العامية مفتوحا دائما امام الخرافات.

لقد كان الانتقال الى المرحلة العلمية انقطاعا نحو اساليب واهداف جديدة كونت الذهنية العلمية الحديثة.

2 – حقيقة المعرفة العلمية

المعرفة العلمية هي المعرفة المقتصرة على الظواهر والقائمة على العلم بالاسباب الطبيعية والتي يمكن التحقق من صحتها بالملاحظة  اوالاختبار او بالاثنين معا .هنا يبرز السؤال :هل كان النشاط الانساني الذي تولدت منه التقنيات والمعرفة العامية الخبروية ،هو مصدر المعرفة العلمية؟

هناك من يعتقد ان المعرفة العلمية هى امتداد للمعرفة العامية ،فان الذكاء البشري الذي تولدت منه المعارف برز ونما في مجابهة الصعوبات العملية ،مما يدفعنا الى الاعتقاد بان الدوافع ذاتها في اصل المعرفتين .

ان الحاجات البيولوجية هي التي حركت الذكاء البشري لاكتشاف تقنيات ؛وكانت هذه الحاجات تضغط  على الانسان باستمرار لتحسين تقنياته ،الامر الذي استوجب العمل الفكري المرافق لهذه التقنيات فظهرت مع التطورات التقنية محاولات معرفية ادت الى ظهور علوم مثل الفلك ،الرياضيات ....فكان ذلك النهج في حالتيه التقنية والمعرفية واحدا يرتكزالى  الملاحظة وإدراك العلاقات والتصميم والتنبوء للسيطرة على الطبيعة .فما الذي يميز المعرفة العلمية عن المعارف غير العلمية  لاسيما المعرفة العامية منها ؟

هناك فروقا جوهرية يمكن حصرها في ما يلي:

أ – المنهجية ومعرفة الحقيقة : ان العرفة العامية لا تلتزم بمنهجية هادفة ولا تتوقف عند مسائل جدلية لمعرفة الحقيقة .فحيث يرىالعامي متشابهات واختلافات سطحية تميز الاشياء بعضها عن بعض،يكتشف العالم تشابهات ومماثلات غير محسوسة مباشرة(التنفس والاحتراق).

فيكفي العامي معرفة كيف يستعمل مضخة لرفع المياه من بئر اما العالم "توريشلي "فقد توقف امام مشكلة ارتفاع المياه الى علو محدود ( 10,33 م)في مضخة ساحبة ، وتوصلالى فرضيته الرائعة عن الضغط الجوي التي  برهنها "باسكال "باستنباطات واختبارات منظمة . فههنا مثل

 

على منهجية علمية قائمة على ملاحظات مركزة وموجهة ،وفرضيات معللة ومعقولة ،واستنباط براهين لاختبار الفرضيات ووضع القوانين

 

ب- من الكيف الى الكم

يجب التركيز على الجانب الكمي في المعرفة العلمية ،ففي حين تبقى المعرفة العامية في اطار الكيفيات مستندة فقط الى المعطيات المحسوسة ،فان العالم يحول الكيفيات الى حقائق كمية من اجل تحقيق معقولية موضوعية للاشياء .وهذا معنى قول باشلار" "لا علم الا بالقياس".

ج- التعميم العلمي من القواعد الى القوانين

ان شمول المعارف العاميةتبقى محدودة فلا تصل قط الى مستوى القوانين العلمية العامة .كما ان الغاية الاولى من القوانين العلمية هي فهم حقيقة الموجودات ،فليس العالم مهندسا يصمم او تقنيا ينفذ،بل هو انسا متعطش الى معرفة الحقيقة .والى ذلك نفان العمل العلمي يؤدي الى رد الكثرة الى الوحدة فإن الاجسام الطبيعية التي لا تحصى يمكن ان ترد الى حولي مئة من العناصر البسيطة التي تتركب منها المواد كلها. ويحاول العالم باستمرار توحيد القوانين في مباديء ونظريات  على اسس رياضية واختبارية ،اذ ان هدفه هو الوصول الى شرح شامل للكون .

د- من اللاعقلانية الى العقلانية

تتميز الذهنية العلمية بالعقلانية والموضوعية فهى كما يرى" كونت "مرحلة متأخرة سبقتها مرحلة لاهوتية واخرى فلسفية .لذلك اعتبر باشلار  هذه الانماط الاولى من المعرفة معوقات امام نشوء الفكر العلمي .فالذهنية العامية هي تطبيق خاطيء للسببية الطبيعية .

*بعض الملاحظات على موقف "كونت":

- ان الحالةالوضعية التي ختم بها كونت تطور الفكر الانساني لم تكن غريبة تماما عن الحالات السابقة ،اذ ان الانسان لم يكن يجهل كليا تأثير افعاله في امور حياته .فإن الممارسات اللاعقلية لم تكن تمنع البدائي من التعامل الواقعي مع الاشياء . والسبب في ذلك ان الانسان يعمل ايضا بقتضى غرائزه .لذلك ظلت تقنياته الاولى امتدادا لسلوكة الغريزي .

- كما انفصال الحالة الوضعية عن الحالات السابقة لم يمنعها من ان تتلاقى عند علماء كبار امثال "كبلر"و"نيوتن" و"آنشتين"مع  نظرة تأليهية للكون .فقد قال آينشتين" ان الله لا يلعب لعبة الحظ".

فان هذه النظرة تعبر عن الاعتقاد بوجود نظام الهي يتبدى في الاشياء من خلال سببية ثابتة ،فليس العالم اذا في وضع صدام قطعي مع المفهوم الالهي للكون.

كما ان الموقف الوضعي يتحاشى شرح الاشياء باسبابها ليكتفي باكتشاف  العلاقات الثابتة والضرورية بين هذه الاشياء اي القوانين..

وبمقتضى هذه المقاربة الوضعية للاشياء تتوقف العاصفة على انتقال الريح من منطقة ضغط جوي مرتفع الى منطقة ضغط جوي منخفض. بإختصار فأن العلم لم يكن ليظهر الا نتيجة موقف رافض لكل اشكال المعرفة الاولى غير العلمية ،لذلك تحدث باشلار  عن ضرورة القيام بعملية تحليلية للمعرفة لتخليصها مما تبقى فيها من رواسب اللاعقلانية البدائية والعامية.

*ظهور المعرفة العلمية : كيف بدات انطلاقة العلم ؟

ان التقنيات العامية بما فيها من جوانب غير عقلانية قد تؤدي الى الفشل ،فكان ذلك يوقظ بصدمات متتالية النزعة العلمية عند الانسان.هذا وان الانسان استعمل كثيرا من الآلات قبل معرفة قوانينها .فقد استعمل القطار البخاري قبل معرفة قوانينه الميكانيكية ،فإن المعرفة الحاصلة بالخبرة  كانت تغنينا احيانا عن معرفة القوانين (كما لجأ الانسان الى عملية التخمير من غير ان يعرف آلية التخمر)؛لكن لماذا تأخرظهور المعرفة العلمية ؟

-         لاسباب اجتماعية :فالانسان كائن اجتماعي محكوم بمعتقدات الجماعة التي تقاوم في كثير من الاحيان احكام التجربة .

 

 

-         ان العقلية العامية خلفت في مسار الفكر معارف لا علمية كالصنعة والتنجيم ...ونحن نعرف ان التنجيم غير علم الفلك والصنعة غير الكيمياء .

بإختصار فان الفرق بين هذه الاشكال من المعارف الاولى وغير العلمية يدفعنا الى القول بان العلم لم ينشأ نتيجة تحسن تدريجي داخل المعارف العامية ذاتها .لان الاكتفاء بالنتائج العملية يشكل قصورا وتعويقا لقيام البناء العلمي .فقد كان هدف "توريشلي" ان يعرف لماذا لا يصعد الماء في المضخة الى اكثر من  10.33 متر، في حين كان هدف عمال الضخ الفلورنسيين رفع الماء اكثر (استعمال دواء شاف  نتيجة الجبرة شيء ومعرفة تاثيره شيء آخر) .

-         اما على المستوى التقني فإن نوعية التقنيات الناتجة عن العلم الموضوعي  تشهد على اصالة المعرفة العلمية بالنسبة للمعرفة العامية مثل تقنية الاضاءة الكهربائية من غير اشتعال تشكل قفزة نوعية في مجال تقنية الاضاءة اذا ما قيست بما يوازيها من التقنيات العامية .

-         بالتنيجة فان الانتقال من التقنيات والمعارف العامية الى العلم يحتاج الى النقلة ذاتها للانتقال من العقل العملي عند الشامبنزي الى العقل الرياضي عند "كبلر" وكانت هذه النقلة ممكنة لان  الانسان كائن عاقل يسأل عن حقيقة الاشياء ويطلب معرفتها . وجاء وقت صار خلاله هدف العقل الانساني البحث عن المعرفة للمعرفة فقط فعند هذا الحد اخذ العلم بالظهور .وليس العلم في وثبته الهائلة مجرد اداة للسيطرة على الطبيعة فقط، بل انه الجواب عن تساؤلات عقلية واسعة المدى .انه كما يرى"كونت" تعبير عن ميل فطري في العقل لفهم حقائق الكون ،فكان  العلم اذا مسبوقا بالفلسفة باعتبارها النمط الاول للمعرفة العقلية  كما ان التقنية التي تنشأ عن المعرفة العلمية يجب ان لا تنسينا الطابع المجرد لهذه المعرفة .فليس العالم مهندسا يستنبط من القوانين تصاميم ولا تقنيا ينفذ مشاريع بل هو انسان نذر نفسه لمعرفة الحقيقة.

4- جدلية العلم والتقنية

ان العلم لايخسر شيئا من قيمته اذا تجند لخدمة الاغراض العملية وايجاد حلول للصعوبات التي تصادف التقنيات في الواقع .فإن العلماء يناضلون اليوم بعناد لاكتشاف دواء شاف للسرطان والسيدا .لكن المشكلة هي  معرفة ما اذا كان التجرد عن الاهداف العملية هو اكثر ملائمة للتقدم العلمي .فهناك من يقول بأن العلم يتقدم اكثر كلما كان اقل التزاما .الا ان مثل هذا الرأي له ما يخالفه من وجهة الاخر اذا اعتبرنا ان الالتزام في مجال ا لعلم  يوفر له صفة التخصصية فيذهب اكثر في العمق.

ويبقى الاعتراض قائما في كل الاحوال ،اذ ان البحث المجرد من شأنه ايضا ان يوسع من دائرة الابتكار عند العالم .وهذا هو حال البحوث الفضائية  التي يغلب عليها الى الآن طابع العلم لاجل العلم .

والى ذلك فإن الاختلاف في هذه المسائل يبقى قليل الجدوى.فلن يؤثر في عمل العالم ان يكون الهدف مجردا او نفعيا .فالعالم في مختبره هو في الاساس انسان يؤمن بالعلم ،بالحقيقة وبمبدأ السببية وهو يسعى الى شرح عقلي موضوعي للظواهر الكونية .وان من شأن هذه المعرفة العلمية ان تؤدي بالضرورة الى تقنيات متطورة ،كما انه كلما صادفت التقنيات صعوبات على ارض الواقع ،قرعت باب العلم طالبة اليه ان يجد حلا لمشاكلها ،فتتحرك بالتالي حوافز العمل العلمي من جديد .والى ذلك فإن الخدمة التي يسديها العلم للتقنية يستردها من التقنية مضاعفة لدرجة انه يمكن القول ان العلم هو تقنية بحث،فالعلم يولد التقنية بقدر ما تولد التقنية العلم" ان عمر العلم هو من عمر التقنيات التي يستعملها،"فإن الجدلية المتنامية بين العلم والتقنية هي الصفة المميزة لعصرنا.

*الذهنية العلمية (الصفات العقلية والاخلاقية)

أ – الصفات العقلية :

- يجب ان تتوافر للعالم ثقافة علمية .

 

- يأخذ العالم بمنهج الشك والنقد.

- العقلانية والموضوعية.

- استعمال الآلات واللغة الرياضية الدقيقة .

- الارتكاز الى مبدأي السببية والنسبية.

 

 ب- الصفات الاخلاقية:

-         ان العالم لا يغالي في حقوقه ولا يتنقص من حقوق الآخريين .

-         ان لا يقتنص اكتشافا مبهم الاصول لينسبه الى نفسه بل يعترف بحق الآخرين .

-         العلم حاكم مجرد.

-         انه متواضع يخضع افتراضاته للاختبار ويخضع اخيرالحكم التجربة .

-         زاهد لا يطلب الشهرة والمنفعة المادية.

-         الجرأة الفكرية اذ يتصدى للتقاليد والآراء والتصورات المسبقة .

-         يشعر العالم بالانتماء الى جماعة يعمل في إطارها لتحقيق هدف مشترك .

  ان كل ما سبق يؤكد ان العلم هو عقلانية ،موضوعية ،ثقافة علمية واسعة ،جرأة ،امانة ،تعاون في عالم  واسع هو عالم الحقيقة.

 

Make a free website with Yola