الفصل الرابع: علم الإجتماع

مقدّمة:

طلب المعرفة والفهم ميزة الإنسان بوصفه عاقلاً، ولكنّ المعارف عديدة (دينيّة، فلسفيّة، علميّة...) إلاّ أنّ علماء المنهج المعاصرين يتّفقون بغالبيتهم على تصنيف العلوم الوضعية في ثلاثة عناوين كبرى، غير  منفصلة تمامًا عن بعضها البعض هي: الرياضية والطبيعية والإنسانية التي تتضمّن علم الإجتماع. لقد غلب على الدراسات الإجتماعية قديمًا الطّابع الفلسفي منذ جمهورية أفلاطون حتى مدينة الفارابي الفاضلة، وصولاً إلى القرن التّاسع عشر، حيث ظهر علم الإجتماع كعلم موضوعيّ مع أوغست كونت ودوركهايم. ولكن يجب ألاّ ننسى دور إبن خلدون الرائد في هذا المجال، فقد وضع في مقدّمة تاريخه دراسة إجتماعية علمية تقوم على الملاحظة والتحليل والشرح والتعليل، وتدلّ على عقل علمي صحيح.

علم الإجتماع هو علم الظواهر الإجتماعية وقوانينها. يهتمّ علم الإجتماع باكتشاف العلاقات بين الأحداث الإجتماعية، بهدف وضع قوانين عامة. يختلف علم الإجتماع عن التاريخ، فالإجتماع لا يهتمّ بدراسة مقتل كيندي، بل ينصرف إلى دراسة الجريمة السياسيّة كظاهرة إجتماعيّة عامّة.

      I.            منهج علم الإجتماع:

1-   المذهب الإجتماعي: (إميل دوركهايم)

أراد "دوركهايم" أن يجعل من علم الإجتماع علمًا وضعيًا مستقلاً عن علم الأحياء وعن علم النفس، فإنّ الوقائع الإجتماعية في جميع جوانبها السياسية والإقتصادية والسلوكية واللغوية هي وقائع أصيلة قابلة للتحليل في ضوء مبدأ الحتمية المطبّق في علوم المادّة.

اذا كان علم الاجتماع، كما سبق وقلنا، علمًا اختباريًا موضوعه الظواهر الاجتماعية، فانّ قاعدته الأولى هي الانطلاق من المراقبة المباشرة، او غير المباشرة، للواقع الاجتماعيّ. ويعتمد في سبيل ذلك اساليب متنوعة: كالتحقيق الاجتماعي، الانخراط في مختلف النشاطات الاجتماعية... والظاهرة الإجتماعية هي ظاهرة جماعية وإلزامية للفرد، لأنّه لا يستطيع التفلّت منها دون أن يُعاقب بطريقةٍ ما. وبما أنّ هذه الظاهرة الإجتماعية مستقلّة عن الأفراد، فيجب أن ندرسها بموضوعية كالأشياء المادية بعيدًا من تأثير المذاهب والأفكار المسبقة.

واذا كان من الضروري ان نقارب الظواهر الاجتماعية كاشياء، كما يقول دوركهايم، فيجب الاّ يعني ذلك انّ للظواهر وجودًا مادّيًا بحتًا، بل يجب ان نتّخذ أمامها موقفًا موضوعيًا. من المناهج المعتمدة في علم الإجتماع:

أ‌-      الاحصاء:

يكاد يكون الاحصاء المنهج السوسيولوجي بامتياز. فقد بات استطلاع الرأي والاحصاء أسلوبين  رائجين في علم الاجتماع، يتناولان جميع جوانب الحياة الاجتماعية لاسيّما الجوانب الاقتصادية والحراك الاجتماعي كالهجرة. ثمّ الجرائم وحالات الإنتحار والمقصود من كلّ ذلك ترجمة الوقائع الاجتماعية إلى أرقام رياضيّة، بغية الوصول إلى حقائق عامة تنظّم في تسجيلات بيانيّة.

وليس الإحصاء مجرّد تعداد لأشخاص أو حالات فقط. فلكي يكون هنالك إحصاء سوسيولوجي يجب أن تتوفّر مجموعة من الأحداث لكتلة أو جماعة. كما يجب أن تتّصف هذه المجموعة بصفات مشتركة تجعل منها واقعًا اجتماعيًا قابلاً للدراسة. لذلك وجب تحديد الحدث أو الظاهرة قبل الشروع بعمليّة الإحصاء. لأنّ مهمّة الإحصاء هي تحويل الظاهرة من ظاهرة نوعية إلى ظاهرة كميّة. فإذا أردت مثلاً أن أقوم بإحصاء حول الإنتحار، يجب أن أحدّد الإنتحار أوّلاً، أو أميّز بين أنواع الإنتحار، كما فعل دوركهايم.

لقد قدّم دوركهايم إحصاءًا يتعلّق بظاهرة الإنتحار، فتبيّن له أنّ هذه الظاهرة هي أكثر رواجًا عند غير المتزوّجين، وعند المتزوّجين الذين لا أولاد لهم، أكثر من الآباء والأمّهات. وعند البروتستانت أكثر من الكاثوليك. وعند هؤلاء أكثر من اليهود، وفي وقت السلم أكثر من وقت الحرب. وبنتيجة الإحصاء وشرحه توصّل دوركهايم إلى القانون التالي: "الانتحار هو حالة يأس ووهن نفسي جرّاء عزلة إجتماعية".

لكنّ شرح الإحصاءات مهمّة دقيقة، لأنّ المعطيات غالبًا ما تكون متداخلة ولا تكشف لنا مظاهرها عن العلاقات السببيّة دائمًا: ففي ظاهرة الإنتحار مثلاً، يجب أن تؤخذ بالإعتبار عوامل أخرى، كالأوضاع العائلية والإقتصادية والدينية والنفسية.

ب‌-  مناهج أخرى:

إلى جانب الإحصاء هناك نظامان من الدراسة الإجتماعية:

أ‌-       الأبحاث الوضعية: وتتمّ في حقل الظاهرة المباشر.

·       التحقيق الإجتماعي: ويصف موضوعًا إجتماعيًا كالقبيلة مثلاً.

·       إستطلاع الرأي: حول فكرة أو مشروع معيّن.

·       تحقيق ديموغرافي: الولادة، الزواج، الموت.

·       دراسة حالة: دراسة ردود الفعل النفسية لأفراد جماعة تعيش وضعية نفسية خاصة كالمهاجرين مثلاً.

ب‌- الأبحاث الإختبارية: تجري حول جماعات صغيرة: كيف تؤثّر الأكثريّة التي تملك وجهة نظر معيّنة على الأقليّة.

 

   II.            نقد دوركهايم: (أو نظرية مونيرو)

لا شكّ في أنّ المحاولات المستمرة في علم الإجتماع، وخصوصًا محاولة دوركهايم، رفعت مستوى المناهج في هذا العلم الى درجة عالية من الدقة والموضوعية. لكنّ نظرية دوركهايم التي توصف بالعقلانية هاجمها بعنف مفكرون كثيرون فجول مونيرو، انتقد موقف دوركهايم نافيًا أن تكون الظواهر الإجتماعية أشياء؛ فالوقائع الاجتماعية هي وقائع بشرية، لا تشبه الأشياء، وهي متصلة بحياة الإنسان وما هو متّصل بها لا يمكن أن يخضع للبحث العلمي؛ ذلك أنّ الإنسان يمتلك حريّة الإرادة في التصرّف ولا يمكن التحكّم فيه مثل تلك الحتميّة في العلوم المادية. ونصحنا بالاكتفاء بفهم المعطيات الإجتماعية من دون أن نطمح الى أكثر من ذلك. ففي علم الإجتماع، كما في التاريخ وعلم النفس، تبقى الموضوعية منقوصة وغير كافية، على عكس ما هي عليه في علوم الطبيعة.

إنّ الجهد الذاتي الخاص ضروريٌّ في كلّ دراسة سوسيولوجية، كما هي ضرورية، بدرجة معيّنة، المشاركة الوجدانية لأنّها تساعد على فهم الظواهر من داخل وعلى إدراك المعاني المعاشة لمظاهر الوعي الجماعي.

لا شكّ في أنّ ازدهار العلوم الإنسانية مدين لمحاولة علماء النفس والاجتماع والاقتصاد تأسيس علوم على المنهج نفسه الذي اتبع في مجال علوم الطبيعة. لكنّ المباحث النفسانية والسوسيولوجية لم تهتدِ بعد إلى وضع يظهر إنجازاتها على القدر نفسه من الدقّة والوضوح والموضوعية. ولا شكّ في انّ عمل الفكر في مجال العلوم الإنسانية، لا يزال يحتاج الى الكثير من الكدّ والجهد والنقد ليتخطى الأحكام المسبقة، ومخلفات المناهج القديمة، والتعلّق بأنماط من المعرفة لا تتجانس وموضوعات البحث، وهي أمور لا تزال تعرقل إنشاء علم اجتماع كما نتمنى أي مثل العلوم الطبيعية. فهدفنا في العلوم الإنسانية أن نفهم أكثر منه أن نشرح أو نفسّر. والفهم يعني أن ننتج من جديد، على نحو حدسي، عاطفة أو انطباعًا أو انفعالاً، بينما الشرح أو التفسير يقضي بأن ننشئ نسقًا تجريبيًا من العلاقات على غرار الفيزيائيين. إنّ التجريب في العلوم الإنسانية لا يزال يثير صعوبات كثيرة، والتفاعل الجماعي في مختبر العلوم الإجتماعية فعل يختلف تمامًا عن أفعالنا في الحياة اليومية.

إنّ الرغبة في معرفة كلّ شيء، وتفسير كلّ شيء تفسيرًا علميًا، تضع المعرفة في طريق مضلّة هي طريق الأسطورة والسحر. فالعقلية التي ترغب في معرفة كلّ شيء هي عقلية بدائية لأنّها تجعل من الأشياء كلّها، سواء أكانت مادية أو معنوية، فردية أو إجتماعية، عمليات يمكن حلّها وشرحها. إنّ المهمة التي يفرضها تقدّم العلوم الإنسانية هي إخراج العقل من هذا المأزق وجعله أكثر تواضعًا في تحقيق رغباته.

 

خلاصة عامة

وضع "فيبير" مذهبًا لدراسة الاحداث الاجتماعية يرمي الى إدراك معاني الاحداث الاجتماعية، كما هي في ضمير  النّاس. ذلك انّ هذه الأحداث هي حقائق نفسية يعيشها ابناء مجتمع معيّن في ظروف معيّنة. فهم أصحاب تجربة معيوشة لا نستطيع فهمها الاّ اذا شاركنا فيها. ولكن هل نستطيع عيش مشاعر الآخرين؟ تبدو هذه المقارنة ممكنة ومفيدة على المستوى الفردي. امّا على المستوى الاجتماعي فتبدو غير متوافقة مع اي بحث علمي.

علم الاجتماع الصحيح يجب ان يكون متفهّمًا وشارحًا في الوقت نفسه. ذلك انّه مدعو الى عيش الدلالات الخاصّة وفهمها وابرازها من جهة، ولانّ الاعتراف بانّ هذه الدلالات المكتشفة تتجاوز المشاركين في ظاهرة اجتماعية الى حقيقة واقعية، من جهة أخرى.

 

تصاميم المقالات الفلسفيّة للمواضيع الشائعة في الإمتحانات الرسميّة

الإحتمال الأوّل:

إذا كان الموضوع يركّز على أنّ منهج علم الإجتماع هو منهج علمي، أو أنّ علم الإجتماع يدرس الوقائع كأشياء مثل الفيزياء والعلوم الإختبارية، أو أنّ نتائجه دقيقة، أو إذا ذُكر دوركهايم في السؤال الأول...

المقدّمة: مقدّمة الدرس+ يتناول هذا الموضوع مسألة منهج علم الإجتماع وكيفية دراسة الظاهرة الإجتماعية، وفي هذا الإطار اعتبر بعض الفلاسفة والمفكّرين أنّ الظواهر الإجتماعيّة تُدرس كأشياء وأنّ نتائج منهج علم الإجتماع هي نتائج أكيدة ودقيقة وموضوعية.

الإشكاليّة: ما هو علم الإجتماع؟ أصحيح أنّ نتائج المنهجية المعتمدة في هذا العلم هي نتائج دقيقة وموضوعية؟ أم أنّها تخضع لذاتية العالم ولشروط العلوم الإنسانية لناحية أنّها غير دقيقة وتخضع للتبدّل؟

الشّرح: في الواقع،... (المذهب الإجتماعي: إميل دوركهايم)

المناقشة: في المقابل،... (نقد دوركهايم أو نظرية مونيرو).

الرّأي الشخصي: الخلاصة العامة + الإجابة على السؤال الأخير من المسابقة.

الإحتمال الثّاني:

إذا كان الموضوع يركّز على أنّ نتائج علم الإجتماع ذاتية وبعيدة عن الدقة والموضوعية، أو إذا ذُكر "مونيرو" في السؤال الأول...

المقدّمة: مقدّمة الدرس+ يتناول هذا الموضوع مسألة منهج علم الإجتماع وكيفية دراسة الظاهرة الإجتماعية، وفي هذا الإطار اعتبر بعض الفلاسفة والمفكّرين أنّ نتائج علم الإجتماع تفتقر إلى الدقّة والموضوعية كما في العلوم الإختبارية وتخضع لذاتية العالم ولوعي الفئة المستهدفة.

الإشكاليّة: ما هو علم الإجتماع؟ أصحيح أنّ نتائج المنهجية المعتمدة في هذا العلم تفتقر للدقة والموضوعية وتتأثر بذاتية العالم وتصوراته كما لمزاج الفئة المستهدفة؟ أم أنّها تعطي أرقامًا دقيقة وموضوعية وتدرس الظواهر الإجتماعية كأشياء؟

الشّرح: في الواقع،... (نقد دوركهايم أو نظرية مونيرو)

المناقشة: في المقابل،... (المذهب الإجتماعي: إميل دوركهايم).

الرّأي الشخصي: الخلاصة العامة + الإجابة على السؤال الأخير من المسابقة. 

Make a free website with Yola