الادراك al-7essi

مقدّمة

يمتاز الإنسان عن سائر الكائنات بأنّه سيّد الأبعاد، فبذاكرته يمتلك القدرة على استعادة الماضي كماضٍ. وبخياله يتوجّه نحو المستقبل، ويتحرّر من الواقع ويعبّر عن حاجته الملحّة إلى الإستقلال. فهو يدعونا إلى إعادة خلق العالم كما نريد، من خلال إبداع صور جديدة تحمل رؤيتنا ومعاناتنا، وأحلامنا. وبإدراكه يمتلك القدرة على اكتشاف العالم الواقعي الذي يحيط به. والإدراك ليس مجرّد عمليّة إثارة للحواس الخمس، بل هو عبارة عن علاقة تربطنا بالأشياء، فتكشف لنا وجودها وتحدّد لنا خصائصها.

 

       I.            التمييز بين الحس والادراك الحسي:

الحس: ليس بحدّ ذاته معرفة بل شرط للمعرفة. إنه ردّة فعل فيزيولوجيّة للأعصاب الحسية (إن كانت بصرية أو سمعية ....)على المثير الخارجي.

الادراك الحسي = هو تحديد معنى هذا الحسّ أو هذا الانطباع الحسي بواسطة أحكام عقلية. (هو معرفة حسية: موضوعها حسي واقعي موجود في محيط الانسان . هذه المعرفة تتم بواسطة أحد الحواس الخمس.)

 

 

    II.            النظرية العقلية: "نحن لا ندرك الأشياء بل نعقلها"

مبدأها: العقل هو صاحب الدور الرئيسي في حصول الادراك الحسّي .

البراهين: أوّلاً: العقل يقوم بدور رئيسي في عملية الادراك الحسي من خلال تحويل الأحاسيس الداخلية أو الانطباعات الحسيّة التي وصلت إلى الدماغ إلى اشارات أو رموز تمثّل مواضيع خارجيّة واقعية، من خلال تقدير المسافة التي هي بحدّ ذاتها مفهوم عقلي (وهي الفراغ الفاصل بيننا وبين الموضوع الحسي )

ثانيًا: يتأكّد أيضاً دور العقل من خلال تفسير معاني الانطباعات الحسية، إستناداً إلى معارف سابقة. فالادراك الحسي لا ينحصر فقط بالانطباعات الحسيّة التي تعتبر جزئيّة بل يستند إلى تجارب ومعارف سابقة يكمِل بها هذه الانطباعات ويفسّرها. مثلاً:عندما ننظر إلى مبنى ونقول أنّه سكني، إنّنا لا نرى السكان ولا كلّ جوانب البناء، لكنّنا استندنا إلى معارفنا السابقة لتفسير الانطباعات الحسيّة الجزئيّة الظاهرة لتحديد المعنى الكامل.

مثلاً:هناك فرق بين إدراك شاب مهتم بالسيارات و إدراك رجل عجوز متقدّم في السن (أو شاب غير مهتم بالسيارات) لسيارة متوقفة أمامهما، فالعجوز يدرك سيارة فقط أمّا الشاب فيدرك نوعها وطرازها وقوّة محرّكها ....

 

ثالثًا: من خلال إدراك الأوهام البصرية؛ إنّ إختبار الادراك الحسي لجماعة من المشاهدين في صالة مقفلة ومظلمة، يُعرض فيها امامهم بالون كبير مضاء، ثم يُصار إلى تنفيسه دون علمهم، فيظنّون خطأً أنّه يبتعد مع أنه في الواقع ثابت. إنّ هذا الإختبار يؤدّي إلى ملاحظة حصول وهم بصري بسبب إعتياد العقل على الربط بين التقلّس في الحجم والابتعاد في المسافة. إنه تأكيد على دور العقل في الادراك الحسي .

 

 III.            نقد النظرية العقلية:

لا بدّ من الاعتراف بدور مهمّ للمعارف والتجارب السابقة في الادراك الحسّي، لكنّ هذه النظرية لم تستطع إثبات الفصل بين الإنطباعات الحسية ودور العقل في معالجتها، إذ أنّ الانسان لا يستطيع أن يميّز بينهما في الواقع، وبالتالي تكون هذه النظرية مستندة إلى افتراضات أكثر  ممّا هي مستندة إلى وقائع .  

شرحت هذه النظرية الإدراك الحسّي وكأنّه وظيفة عقليّة خاصة بالإنسان الراشد، ولذلك يصعب تطبيقها على إدراك الأطفال الّذين لا يملكون عقلاً ناضجًا يحكمون بواسطته على الإنطباعات الحسيّة المفترضة.

كذلك لم تشرح هذه النظرية كيفيّة إدراك المواضيع الجديدة التي لا نملك عنها أيّة معرفة مُسبقة.

 

 IV.            نظرية الشّكل أو الغشطالت: (Gestalt)

مبدأها: الموضوع يفرض نفسه ككلّ على الإنسان المُدرِك.

البرهان: الإدراك الحسّي هو إدراك لشكل كلّيّ لبنية تتألّف من عنصر مميّز وخلفيّة غير مميّزة أو محايدة، وكلّما كان العنصر متميّزًا عن الخلفية كلّما فرض نفسه على الإنسان المُدرِك. فالتميّز يمكن أن يتمثّل بالتعارض (Contraste).

أمثلة: لوحة إعلانات مُضاءة على خلفيّة اللّيل.

أو (الحركة) جلوس التلاميذ في الصّف، فيتوجّه تلميذ إلى الخارج، فحركة إنتقاله تفرض الإنتباه لأنّها مغايرة لوضع الصّفّ.

 يوجد قوانين للإدراك أهمها:

-       قانون الشكل و الخلفية مثل نقطة سوداء على حائط أبيض.

-       قانون المحاكاة مثل ٣٣٥٥٦٦.

-       قانون الشكل الفارض، مثلاً :

إنّنا نعتقد وهمًا أنّ الخط B  أكبر من الخط A لأنّنا لا نستطيع أن ننظر إلى الخط B بمعزل عن خلفيّته أو امتداداته. وبما أنّ الشكل الكلّيّ ل B أكبر من الشكل الكلّي ل A، نرتكب هذا الخطأ، فرؤية الشّكل الكلّي تتغلّب على رؤية العنصر. وهكذا تتأكّد نظريّة الشكل من خلال تفسير إدراك الوهم البصري، أي أنّ الإنسان يدرك الشكل الكلّي أوّلاً ومنه يغوص إلى الأجزاء.

يُسجّل لنظرية الغشطالت أثرها في تعليم القراءة، فقد أصبحت الطرق التربوية الحديثة تنطلق في تعليم القراءة من الكلمة إلى الحرف.

 

    V.            نقد نظرية الشكل:

لا شكّ أنّ لبنية الموضوع دور مهمّ في الإدراك الحسّي، لكنّ هذه النظريّة أهملت دور الإنسان المُدرك وميوله واستعداداته، فلو كان الإدراك الحسّي يرتبط فقط ببنية الموضوع أو بشكله الكلّيّ، لكان جميع النّاس يدركون معنًى واحدًا في الموضوع الواحد. أمّا في الواقع فالأمر مختلف.

مثلاً: إذا زار كلّ من الصيّاد والحطّاب والرسّام وعالم النبات الغابة نفسها، لأدرَكَ كلٌّ منهم شيئًا مختلفًا عن الآخر يتناسب مع استعداداته.

 

 

 VI.            بين نظرية الغشطالت والنظريّة العقلية:

تتعارض الغشطالت مع النظرية العقلية في النقاط التالية:

أ- المدرسة الغشطالتية لا تميّز بين الإحساس والإدراك كما تفعل المدرسة العقليّة. وتجيز إستعمال المفهومين للدلالة نفسها فالإدراك هو إحساس والإحساس هو إدراك.

ب- الإدراك هو إدراك لكلّ وليس لأجزاء يركّبها العقل، كما تعتبر المدرسة العقلية. فالشيء يُدرك مبنيًا بذاته، مشكلاً من تلقاء نفسه. فعندما أسمع الموسيقى فأنا أدرك النغم لا النوتة، وعندما أقرأ فانا أدرك الكلمة أولاً لا الحرف، وهذا ما دفع بالتربية الحديثة إلى اعتماد الطريقة الغشطالتية في تعلّم القراءة.

ج- الإدراك مباشر تلقائي لا يخضع لعملية تركيب تبدأ من العقل باتجاه العناصر الحسيّة، لأنّ هذه العناصر تفرض نفسها علينا، مبنية بذاتها، مُشكّلة بنفسها.

 

VII.            نظرية الظواهرية (Phénoménologie)

مبدأها: الإدراك ينتج عن تفاعل بين الإنسان المُدرِك والموضوع المُدرَك. فلا ذات دون موضوع، ولا موضوع دون ذات. وهكذا يغدو وعي الإنسان فعلاً موجّهًا نحو الخارج، ولا يُفهم إلاّ من خلال موضوعه. فالوعي حسب هوسرل: "هو دائمًا وعي لشيء ما".

البرهان: إنّ هذه النظريّة تتبنّى نظريّة الشكل وتعتبرها صحيحة من ناحية دور الموضوع، لكنّها ناقصة من ناحية دور الإنسان لذلك ركّزت النظريّة الظواهرية على دور الإنسان المُدرِك وخصوصًا على بنيته النفسيّة والبيولوجيّة، أي أنّها اعتبرت الإدراك الحسّي إدراكًا ذاتيًا (Subjective) يرتبط بميول الإنسان وحاجاته وأفضليّاته في لحظة الإدراك كما أنّه يرتبط (الإدراك الذاتي) بإمكانات الحواسّ ووضع الجسم كمنطلق للإدراك. فالإدراك الحسّي ليس معرفة عقليّة بل وعي عفويّ متلازم مع الوضع النفسيّ والبيولوجيّ.

 

أمثلة: في كلّ مرّة تمرّ بالشارع نفسه نرى أشياء مختلفة عن كلّ مرّة تبعًا لحاجاتنا أو لما نبحث عنه، مع أنّ الشارع كموضوع هو نفسه.

إنّ الإنسان يرى الحركة الظاهريّة للشمس مع أنّها ثابتة وهو المتحرّك وذلك لأنّ الإنسان يعتبر نفسه ثابتًا لأنّه مركز الإدراك ونقطة إنطلاقه.

 

خاتمة:

إنّ الإدراك الحسّي ليس معرفة عقليّة كما اعتقدت النظرية التعقليّة، وكذلك لا ينحصر بدور الموضوع وقدرته على فرض نفسه على الإنسان، فالإدراك الحسّيّ هو إدراك ذاتي (Subjective) متكيّف مع وضع الإنسان النفسيّ والجسميّ، فإذا أردنا الوصول إلى المعرفة العقليّة العلميّة، علينا أن نتخطّى حواسنا ونعتمد على الأدوات التقنيّة وعلى المنهجيّة العلمية للبلوغ إلى هذا الهدف.

لا شكّ أنّ هذه النظريات تباينت لتتكامل وتعطينا صورة متكاملة للإدراك. لكن هذه الصورة بقيت جامدة. فنحن نرى أنّ الإدراك الحسّي ليس موقفًا سكونيًا جامدًا، بل موقف دينامي متحرّك، موقف ذاتي يعبّر عن الشخصيّة بكامل أبعادها. وهذا يعني أنّنا لا ندرك العالم كما هو، بل كما نحن. وطالما نحن في تطوّر مستمرّ فإدراكنا الحسيّ متطوّر أبدًا. وهنا نتطلّع مع باشلار إلى نافذة جديدة وهي ضرورة التوصّل إلى الفصل بين إدراك موضوعي علمي، وبين إدراكنا الذاتي الذي يحمل ميولنا وإسقاطاتنا اللاواعية: فالشمس بالنسبة لعالم الفلك تختلف عن الشّمس التي ندركها بحواسنا فقط.

 

idrak 7essi cours 2.docx idrak 7essi cours 2.docx
Size : 0.025 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola