الادراك الحسي

مقدمة:

لعلّ تزايد اهتمام الفلاسفة والعلماء بمسألة الادراك الحسي مرده الى أهمية هذه المسألة في الحياة المعرفية الانسانية. فالإدراك هو أحد الآليات الأساسية التي تلعب دورًا محوريًّا في المعرفة، وخاصة في بعدها الحاضر. يمتاز الإنسان عن سائر الكائنات بأنّه سيّد الأبعاد، فبذاكرته يمتلك القدرة على استعادة الماضي كماضٍ. وبخياله يتوجّه نحو المستقبل، ويتحرّر من الواقع ويعبّر عن حاجته الملحّة إلى الإستقلال. فهو يدعونا إلى إعادة خلق العالم كما نريد، من خلال إبداع صور جديدة تحمل رؤيتنا ومعاناتنا، وأحلامنا. وبإدراكه يمتلك القدرة على اكتشاف العالم الواقعي الذي يحيط به.

ممّا لا شك فيه أن هناك علاقة معيّنة تربط بين الإدراك من جهة والإحساس من جهة أخرى، إلّا أن الإدراك الحسي ليس الإحساس. الإحساس هو المعطى الأكثر بساطة الذي يربط الفرد مباشرة بالعالم الخارجي، كالإحساس بالبرودة والحرارة، وبالمر والحلو والحاد. فهو مجرّد استجابة عضو حاس معيّن لمؤثّر معيّن   في حالة انفعال داخلي لا يشتمل على تمييز ولا ينعكس في تعبير. فالإحساس لا يشكل معرفة بالعالم الخارجي. أما الإدراك، فهو أول مرتبة معرفيّة بالعالم الخارجي، ويضع الذات المدركة إزاء موضوع خارجي الذي يصبح موضوع الإدراك. فالإدراك هو عملية تمييز موضوع خارجي بل هو أيضا عبارة عن علاقة تربطنا بالأشياء. ففعل الإدراك يسبغ معنى أو دلالة للإحساسات البحتة. فأنا لا أقول عندي إحساس بالأزرق أو الحلو، بل إنني أرى السماء زرقاء وانني أتذوق شيئا حلوا.

موقف الحسيين: الحواس هي مصدر المعرفة

        تبنى الحسيون أمثال كوندياك موقفا مفاده أن الحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة. "فلا شيء في العقل إذا لم يكن قد مر في الحواس"، فجميع ما في الوعي عبارة عن إحساسات متحولة. وهذا ليس بغريب، لقد اشتهر الفلاسفة التجريبيون منذ القدم، بردّ كل الأمور العقلية والواعية الى الاحاسيس، كما فعل كوندياك وغيره. فيكون الذهن أشبه بتمثال لا حياة فيه يتلقى الأحاسيس من العالم الخارجي. من هنا لم يميّز الحسيون بين الادراك والاحساس، فالإحساس بالنسبة لهم هو مصدر المعرفة. فكأن الادراك والاحساس شيئا واحدا وهذا أمر مرفوض فالأحاسيس بمفردها غير قادرة على توفير أية معرفة دون عمل العقل. فكيف يساهم هذا الاخير في العملية الادراكية؟

موقف أرسطو: الإحساس هو بداية المعرفة

لقد كان أرسطو اكثر اعتدالًا في قوله بأن الإحساس ليس المعرفة بل هو شرطها وبدايتها، فتكون الإحساسات دلالات من العالم الخارجي لا تنكشف مفاهيمها إلّا بجهد عقلي. من هنا، تكون الإحساسات موادًا أوليّة، أو مادةً بحتة لا يكتمل معناها إلّا بعمل العقل الذي يعطيها الشكل الملائم.

موقف العقلانيين: الإدراك هو عمليّة تركيب ذهني عقلي

  على غرار أرسطو، ربط العقلانيون ربطًا وثيقًا بين الاحساسات والادراكات. جاء في معجم لالند "إنّ الإدراك هو فعل للشخص ينظم فيه مباشرة أحاسيسه الحاضرة ويفسّرها ويكملها بما عنده من صور وذكريات على اعتبار أنّها تخص موضوعا يحكم بصورة عفوية أنه متميز عنه وأنه حقيقي ومعروف عنده الآن". على أساس هذا التعريف يكون الإدراك فعل تركيب ذهني يعكس الأحاسيس الجزئية الداخلية المعاشة في العالم الخارجي، فيعطيها صفة الموضوعية والمكانيّة. إن الإحساس باعتباره فعلًا ذاتيًّا داخليًا، لا يستطيع تأمين معرفة حقيقية للإنسان فيلجأ هذا الأخير حسب العقلانيين إلى الأحكام عقلية فهي تحيل غير المحسوس محسوسًا وغير المادي ممكنًا فإننا ندرك الأشياء في المكان نتيجة تفسيرات واستنتاجات.

 البراهين: أوّلاً: العقل يقوم بدور رئيسي في عملية الادراك الحسي من خلال تحويل الأحاسيس الداخلية أو الانطباعات الحسيّة التي وصلت إلى الدماغ إلى اشارات أو رموز تمثّل مواضيع خارجيّة واقعية، من خلال تقدير المسافة التي هي بحدّ ذاتها مفهوم عقلي (وهي الفراغ الفاصل بيننا وبين الموضوع الحسي )

ثانيًا: يتأكّد أيضاً دور العقل من خلال تفسير معاني الانطباعات الحسية، إستناداً إلى معارف سابقة. فالادراك الحسي لا ينحصر فقط بالانطباعات الحسيّة التي تعتبر جزئيّة بل يستند إلى تجارب ومعارف سابقة يكمِل بها هذه الانطباعات ويفسّرها. مثلاً:عندما ننظر إلى مبنى ونقول أنّه سكني، إنّنا لا نرى السكان ولا كلّ جوانب البناء، لكنّنا استندنا إلى معارفنا السابقة لتفسير الانطباعات الحسيّة الجزئيّة الظاهرة لتحديد المعنى الكامل.

مثلاً:هناك فرق بين إدراك شاب مهتم بالسيارات و إدراك رجل عجوز متقدّم في السن (أو شاب غير مهتم بالسيارات) لسيارة متوقفة أمامهما، فالعجوز يدرك سيارة فقط أمّا الشاب فيدرك نوعها وطرازها وقوّة محرّكها ....

ثالثًا: من خلال إدراك الأوهام البصرية؛ إنّ إختبار الادراك الحسي لجماعة من المشاهدين في صالة مقفلة ومظلمة، يُعرض فيها امامهم بالون كبير مضاء، ثم يُصار إلى تنفيسه دون علمهم، فيظنّون خطأً أنّه يبتعد مع أنه في الواقع ثابت. إنّ هذا الإختبار يؤدّي إلى ملاحظة حصول وهم بصري بسبب إعتياد العقل على الربط بين التقلّس في الحجم والابتعاد في المسافة. إنه تأكيد على دور العقل في الادراك الحسي .

يقول ألان مدافعا عن النظرية العقلانية في مسالة الإدراك أننا عندما ننظر إلى مكعب نرى فقط عددا من وجوهه واضلاعه إلا اننا نحكم بأنه مكعب. فهذا الإدراك يتأتى عن حكم يعتمد على معرفة سابقه، فالأشياء تدرك من خلال الفكر لا من خلال الإحساس. كما أننا إذا نظرنا إلى كرة فإننا نرى منها الجهة التي تقابلنا دون الجهة المعاكسة لكننا نحكم بأنها كرة، فإننا ندرك عبر بعض المحسوس كله من خلال معرفتنا وذكرياتنا السابقة. يقول ديكارت أيضا أننا عندما نرى قبعات ومعاطف نحكم أننا نرى بشرا. وتضيف الإدراكات على الأشياء مجموعة من الذكريات والتداعيات والأحكام، فتنعكس فيها تجاربنا وثقافتنا ومعرفتنا ومعتقداتنا. كما وأن الثقافة التي تنعكس في الإدراك قد تغطيه برمته فندرك الشيء أحيانا كما نتمناه.

نقد موقف العقلانيون:

لقد أكّد العقلانيون على الدور الكبير الذي يلعبه الوعي والذهن في عمليّة الإدراك الحسي ولكنّهم في الوقت عينه أهملوا مجموعة من العوامل التي قد تلعب دورًا هامًا في عمليّة الإدراك؛ فلقد أهملوا على سبيل المثال دور الموضوع المُدرَك وتأثيره على كيفية إدراك الإنسان للأشياء والصور. كما أن التجارب تثبت أن معظم إدراكات الإنسان سريعة وعفوية وحدسية ولا تخضع بالضرورة للحسابات والأحكام العقليّة.

شرحت هذه النظرية الإدراك الحسّي وكأنّه وظيفة عقليّة خاصة بالإنسان الراشد، ولذلك يصعب تطبيقها على إدراك الأطفال الّذين لا يملكون عقلاً ناضجًا يحكمون بواسطته على الإنطباعات الحسيّة المفترضة.

كذلك لم تشرح هذه النظرية كيفيّة إدراك المواضيع الجديدة التي لا نملك عنها أيّة معرفة مُسبقة.

موقف الغشطالتيون: الموضوع يفرض نفسه على الذات في عملية الإدراك

لقد عارض الغشطالتيون النظرية العقلانية؛ فالتمييز بين شكل الإدراك ومادته مرفوض عند أصحاب علم النفس الشكلي، بل إن الشّكل والمادة مدركان في حقيقة واحدة معطاة خارج أي عملية ذهنية تركيبيّة. من هنا، يؤكد أصحاب هذا العلم أمثال كوفكا و كوهلر وغيوم أن الإدراك ليس تركيب الشيء عقليًا انطلاقًا من المحسوسات الجزئية، بل إن الشيء موضوع الإدراك يُدرك مباشرة وهو المجموع وليس الأجزاء الداخلة فيه. فلا يُّشكل الشيء عبر عمليّة معقّدة بواسطة الذهن ، بل إن الأجزاء تظهر في الوعي مباشرة في تركيبة، أي في شكل أصيل ، فالمعطى الأول هو الشكل وليس الجزء. وتنتظم الأشكال على أرضيتها في الإدراك حسب قوانين موضوعية هندسية فالشكل الأفضل يفرض ذاته لا بخيار من الشخص المدرك. وعندما يبرز شكلان منسجمان في وقت واحد فإن الإدراك يتراوح بين الشكلين. من خلال هذا المنظور كان لعلم النفس الشكلي ملاحظات واعتراضات على مسألة إدراك المسافة.

 الإدراك الحسّي هو إدراك لشكل كلّيّ لبنية تتألّف من عنصر مميّز وخلفيّة غير مميّزة أو محايدة، وكلّما كان العنصر متميّزًا عن الخلفية كلّما فرض نفسه على الإنسان المُدرِك. فالتميّز يمكن أن يتمثّل بالتعارض (Contraste).

أمثلة: لوحة إعلانات مُضاءة على خلفيّة اللّيل.

أو (الحركة) جلوس التلاميذ في الصّف، فيتوجّه تلميذ إلى الخارج، فحركة إنتقاله تفرض الإنتباه لأنّها مغايرة لوضع الصّفّ.

 يوجد قوانين للإدراك أهمها:

-       قانون الشكل و الخلفية مثل نقطة سوداء على حائط أبيض.

-       قانون المحاكاة مثل ٣٣٥٥٦٦.

-       قانون الشكل الفارض، مثلاً :

إنّنا نعتقد وهمًا أنّ الخط B  أكبر من الخط A لأنّنا لا نستطيع أن ننظر إلى الخط B بمعزل عن خلفيّته أو امتداداته. وبما أنّ الشكل الكلّيّ ل B أكبر من الشكل الكلّي ل A، نرتكب هذا الخطأ، فرؤية الشّكل الكلّي تتغلّب على رؤية العنصر. وهكذا تتأكّد نظريّة الشكل من خلال تفسير إدراك الوهم البصري، أي أنّ الإنسان يدرك الشكل الكلّي أوّلاً ومنه يغوص إلى الأجزاء.

يُسجّل لنظرية الغشطالت أثرها في تعليم القراءة، فقد أصبحت الطرق التربوية الحديثة تنطلق في تعليم القراءة من الكلمة إلى الحرف.

نقد موقف الغشطالتيين:

إنّ خطأ الغشطالتيين الأساسي هو انتقاصهم الكبير لدور الذات المدركة ودوافعها ورغباتها الواعية والغير واعية. إن موقف الشكليين يحول الذات المدركة إلى صورة منسوخة عن العالم الخارجي، ما ينفي دور الذات تمامًا: فما يدركه طفل في الرابعة من العمر مختلف عما تدركه امرأة في سن الأربعين. فالإدراك ليس مجرد تقبل واستنساخ للأشياء الخارجية. كما إن النظرية الشكلية تقلل كثيرا من دور التجارب السابقة والذاكرة والرغبات والقيم وتتجاهل التطور التكويني للذات.

موقف  الظواهريين: 

مبدأها: الإدراك ينتج عن تفاعل بين الإنسان المُدرِك والموضوع المُدرَك. فلا ذات دون موضوع، ولا موضوع دون ذات. وهكذا يغدو وعي الإنسان فعلاً موجّهًا نحو الخارج، ولا يُفهم إلاّ من خلال موضوعه. فالوعي حسب هوسرل: "هو دائمًا وعي لشيء ما".

البرهان: إنّ هذه النظريّة تتبنّى نظريّة الشكل وتعتبرها صحيحة من ناحية دور الموضوع، لكنّها ناقصة من ناحية دور الإنسان لذلك ركّزت النظريّة الظواهرية على دور الإنسان المُدرِك وخصوصًا على بنيته النفسيّة والبيولوجيّة، أي أنّها اعتبرت الإدراك الحسّي إدراكًا ذاتيًا (Subjective) يرتبط بميول الإنسان وحاجاته وأفضليّاته في لحظة الإدراك كما أنّه يرتبط (الإدراك الذاتي) بإمكانات الحواسّ ووضع الجسم كمنطلق للإدراك. فالإدراك الحسّي ليس معرفة عقليّة بل وعي عفويّ متلازم مع الوضع النفسيّ والبيولوجيّ.

أمثلة: في كلّ مرّة تمرّ بالشارع نفسه نرى أشياء مختلفة عن كلّ مرّة تبعًا لحاجاتنا أو لما نبحث عنه، مع أنّ الشارع كموضوع هو نفسه.

إنّ الإنسان يرى الحركة الظاهريّة للشمس مع أنّها ثابتة وهو المتحرّك وذلك لأنّ الإنسان يعتبر نفسه ثابتًا لأنّه مركز الإدراك ونقطة إنطلاقه.

خلاصة:

إن عمليّة الإدراك الحسي للعالم الخارجي عمليّة معقدة على الرغم من بداهتها وعفويتها؛ فهي قائمة على جدليّة تربط بين الذات من التي تُسقط على موضوع الإدراك ميولها ورغباتها وذكرياتها، والموضوع المدرك الذي ليس سلبيًا في عملية الإدراك، بل يفرض بدوره على الذات المدركة خصائصه وتشكيله وقوته.. كما أنّ الذهن بمفرده غير قادر على الإدراك بمفرده دون الاستعانة بالحواس التي تشكّل المواد الأوليّة لكلّ عمليّة إدراكيّة حقيقية. من هنا، يكون الإدراك نقطة تلاقي بين الذات والموضوع من جهة والأحاسيس والذهن من جهةٍ أخرى.

الإدراك الحسّي ليس رؤيةً جامدة من موضوعات جامدة، بل هو موقف دينامي متغيّر ورؤية ذاتية من العالم وموضوعاته. لذلك إن الإدراك لا يؤمّن معرفة علميّة موضوعيّة، لأنه موقف ذاتي يتأثر بالإسقاطات اللاواعية والواعية والرغبات والحاجات الإنسانية. من أجل الوصول إلى المعرفة العلمية اليقينية والموضوعية على الإنسان أن يطهّر من نفسه هذه الإسقاطات. كما أن ثقل العادات والتقاليد والآراء المسبقة ترخي بحمل كبير على المعرفة الإنسانية وتعيق العمل العلمي المعرفي الحقيقي القائم على الدهشة والإبداع. 

من إعداد الأستاذ إتيان عيد- بتصرف

Make a free website with Yola