العائلة والأمّة يمنعاننا من الوصول مباشرةً إلى محبّة البشريّة، لا يتمّ ذلك إلاّ على مراحل.

أ‌-     إشرح هذا الحكم ل"برغسون" مبيّنًا الإشكالية التي يطرحها. (9 علامات)

ب‌- ناقش هذا الحكم على ضوء الآراء المدافعة عن العائلة. (7 علامات)

ت‌- أترى أنّ للعاطفة دورًا على الصّعيد النّفسي الإجتماعي؟ عللّ ما تذهب إليه. (4 علامات)

 

من البديهي أن نرى في هذه الحياة عوائق جمّة وتسهيلات كثيرة، فمَن منّا لا تواجهه صعاب ومشكلات في رحلة حياته هذه، خصوصاً أنّ هذه الرحلة تُعتبر قصيرةً نسبةً إلى مقياس عمر الأرض. إنّ إحدى أسباب وجودنا هو اختبار مدى تحمّل الانسان مخاطر ومشكلات الحياة. نذكر في إطار هذا الموضوع أنّ العائلة والأمّة، تعملان على تعزيز الوصول إلى محبّة البشرية، فالعائلة هي الوسط الإجتماعي الذي يؤمّن للفرد حاجاته ومتطلّباته على مختلف الأصعدة: البيولوجيّة، النفسيّة، الأخلاقيّة، الاجتماعيّة. ومع تطوّر الزمن والتكنولوجيا التي باتت جزءًا لا يتجزّأ من الحياة اليوميّة، تطوّرت العائلة، فبرزت العائلة الأمومية، حيث كانت المرأة تتمتّع بنفوذ كبير؛ ثمّ تبعتها الأسرة الأبوية مع ازدياد سلطة الأب. أمّا اليوم، وفي خضم حملات الحفاظ على حقوق المرأة والمساواة، فقد باتت الأسرة زوجية هي الأكثر رواجًا في المجتمعات المتطوّرة. هذه الأخيرة تتفرّع إلى نوعين: الأسرة الزوجية النواتيّة، التي تشكّل البيئة الملائمة لتنشئة الفرد إجتماعياً والتي تتألّف من الزوجين واولادهما؛ والأسرة المركّبة التي تضمّ بالإضافة إلى أفراد العائلة النواتية، أحد الأقارب كالجدّ والجدّة... يعتبر بعض الفلاسفة والمفكّرين وعلى رأسهم "برغسون" أنّ العائلة والأمّة تلعبان دورًا لمنعنا من الوصول مباشرةً إلى محبّة البشرية، وذلك يتمّ على مراحل عدّة، أي أنّ وجهة النّظر التي كوّنها عن العائلة، تُظهر عدائيته بعض الشيء. تجنّب "برغسون" المؤسسة العائلية لأنّها بحسب رأيه مكاناً يحدّ من التّفاعل والانفتاح على الآخر، كما أنّه اعتبر أنّ الفرد الذي يبقى ملتزماً بإطار العائلة محوكمٌ عليه بالانزواء وعدم التّفاعل مع الآخرين بصورة أو بأخرى. ومن المهمّ تسليط الضّوء على قوله: "لا يتمّ ذلك إلاّ على مراحل"، فهو بهذا يعتبر أنّ الأمّة والعائلة لا تنهي الصلات مع الآخرين كلّياً، لكنّ الفرد بحاجة إلى وقت للتّفاعل.

 في خضم هذا الواقع، هل علينا أن نعتبر العائلة مصدر تسلّط وقهر؟ أم أنّ هنالك جانب إيجابي لها يشدد على أهميّتها في حياة الفرد والجماعة؟

في الواقع، استناداً إلى ما تمّ ذكره في قول "برغسون" أنّ العائلة مكان للتسلّط وإلغاء الفرد والحدّ من استقلاليّته، نتذكّر موقف كلّ من "الأنرشيست" و"الماركسيون ". فالعائلة التقليدية القديمة، بالنسبة لهم، تُعتبر صورة طبق الأصل موروثة عن العائلة الرومانية، حيث الأب يشكّل سلطة مطلقة فهو القاضي والملك الوحيد، وصلاحيّاته تمتدّ إلى جميع مجالات حياة عائلته. ولهذا، بات الناس يتشاءمون لمجرد ذكر العائلة، ويعتبرونها مكانًا للتسلّط والقهر والعذاب. هذا ما نادى به المنتمون إلى جماعة "الأنرشيست" الذين يدينون المؤسسة العائلية لأنهم يعتبرونها تحقيقًا لممارسة السلطة والقوة، وسحقًا لشخصية الأبناء. نذكر أيضاً مواقف "الماركسيون" الذين يطالبون بإلغاء العائلة لأنّها تحدّ من حرّية الانسان، وتضغط عليه وتحرمه حقوقه. هؤلاء لا يكفّون عن المطالبة بإلغاء العائلة في سبيل الدفاع عن حقوق الفرد المقدسة. إنّ العائلة، بالنسبة لهم، تلغي هذه الحقوق وتعرّضها لكثير من الجنوح، فضلاً عن التسلّط والقوة المُمارسة داخل المؤسسة العائلية. من الفلاسفة الذين جعلوا من إلغاء العائلة شعاراً لهم، نذكر "جيد" الذي يهاب خطر العائلة التي ترسّخ قطب الفرديّة وتلغي الانفتاح على الآخر، إضافة إلى أنّها تساهم في وجود شخصية انهزامية، غير قادرة على اتّخاذ المبادرات وتوكيد الذات. لذا فإنّ العائلة تحدّ من حريّة الفرد وتعمل على الغائه، وقد أطلق جملته الشهيرة: "أيّتها العائلة، أيّها المجتمع المغلق، أنا أكرهك". هذه المقولة لاقت إعجاباً وسخطاً شعبياً كبيراً. إضافة إلى ذلك، يعتبر "جيد" أنّ الأب الذي يعمل جاهداً في سبيل أفراد أسرته، انّما هو يعمل لنفسه، كما أنّه يعتبر أنّ حبّ العائلة ليس كحبّ جميع الناس، انّما هو حبّ أفراد العائلة الواحدة، فالانسان لا يحبّ اصدقاءه والمقرّبين منه بقدر مايشعر بالحبّ تجاه أفراد عائلته الواحدة، الذي يعتبر أنّها تشاركه جميع المشاكل. نذكر أيضاً رأي "جيلبر" الذي كوّن صورة وحكماً مبرماً حول العائلة، إذ يعتبرها مصدراً للعبودية وإلغاء الفرد. برأيه إنّ السلطة الأبوية والسلطة المُمارسة من قِبل الأهل تحدّ من إمكانية التفكير المستقلّ للأبناء فيما بعد. كما أشار "جيد " إلى أمر بالغ الأهمية، ألا وهو مشكلة الانحراف، فهذا الأخير هو محاولة من قِبل الأبناء والأطفال للتمرّد والانتفاضة على الأهل في سبيل تحقيق الهدف المرجو: الإستقلالية والحرية، التي يسعى إلى تحقيقها أيّ انسان يهدف إلى تثبيت حقوقه التي نصّ عليها الدستور وشرعة حقوق الإنسان.

في المقابل، غالبًا ما نجد مؤيدين ومعارضين حول مختلف المواضيع المطروحة، أكانت مهمّة أو ثانويّة. وفي هذا الموضوع الذي يشكّل جزءًا لا يتجزّأ من حياة الفرد، حيث أنّ العائلة هي بمثابة العالم الصغير الذي ينتمي إليه الفرد منذ سني حياته الأولى، وفي خضمّ نشأته وحتى في امكانيته على استيعاب مكوّنات الحياة ومختلف أمورها. فالعائلة ونظراً لاهميتها، طرحت الكثير من المواقف المعارضة والقانعة بأهمية وجودها في حياة الفرد، ومن المؤيدين لضرورة بقائها واستمرارها، نذكر "كونت" الذي تميّز بنظرته الدفاعيّة عن العائلة. في سبيل ردّه على "الأنرشيست" أطلق هذه الملاحظة: إنّ الانسان منذ ولادته وطوال سنواته الأولى ينتمي إلى العائلة التي تساهم في تخلّصه من الذاتيّة أي في سلبه انانيّته الشخصية. كما أنّ العائلة هي مدرسة نتعلّم من خلالها الاخلاص والمحبة والتضحية. هذه التضحية تلعب دوراً فعّالاً في تغيير حياة الفرد اي في انتقاله من الأنانية المطلقة إلى الأنانية العائلية، وهذا بدوره يُعتبر نجاحاً للفرد، لأنّه تمكن من تغيير شيء في حياته ولم يبقَ على ما هو عليه. كما أنّ المؤسسة العائلية، لا تقتصر على الزوجين واولادهما فقط، بل تمتدّ لتشمل حلقة أوسع من الأقارب واصدقائهم، لذلك بامكاننا القول أنّ العائلة هي مكان ينبع منه الحبّ والعطاء اللاّمتناهي. كما يرى "كونت" أيضاً أنّ العائلة تساهم في بناء الوطن، فوحدة العائلات تؤدّي إلى وحدة الأوطان، أي أنّ العائلة نعني بها الإطار الضيّق حيث يجتمع افرادها بعضهم ببعض وتربطهم علاقة وطيدة. لذلك إنّ العلاقة التي تضمّ العائلات والأوطان هي علاقة قويّة لا يمكن لأي قوة تفكيكها. من هنا التأكيد على ضرورة التضامن من أجل تحقيق جميع الأهداف في الحياة، فهذا التضافر يؤدّي إلى قوّة وصلابة عظيمة لا يمكن لأي خلاف من تفكيكها. منعة الأوطان تأتي من تضامن العائلات جميعها. ومن المهم أن نأتي على ذكر موقف "ألان" الذي يعتبر أن الأم هي نبع الحنان والمحبة. برأي كلّ من "كونت" و"آلان" أنّ العائلة ضرورة حتمية في حياة الأفراد، وعلى كل منّا أن يتشبّث بعائلته، لأنها المصدر الوحيد للراحة، كما أنّها تعمل على تأمين شتّى متطلّبات ابنائها وتؤثّر في تصرّفاتهم وفي تكوين شخصيتهم على حدّ سواء.

أرى أنّ عاطفة الأمومة هي من أولى الحاجات التي على الأهل والمؤسسة العائلية تأمينها لاولادهم، فهي تلعب دوراً فعّالاً. ومهما حاولت أن أصف أهميّة هذه العاطفة، لن اتمكّن من التعبير عنها. كما اثبتت الاحصاءات أنّ نسبة الانحراف تزداد داخل العائلات التي تعاني من خلل وتفكّك. أظهرت الدراسات أنّ النّسب الأعلى للانحراف تُسجّل داخل العائلات التي فيها طلاق أو فراق أحد الزوجين أو موت احدهما، وذلك يعود إلى عاطفة الأمومة التي حرم منها الأولاد في سني الطفولة الأولى. نسبة الإنحراف هي 45% داخل العائلات التي تعاني من أوضاع إقتصادية متردية و12% داخل عائلات المراهقين العادية. كما أثبتت مدرسة التحليل النفسي أنّ الأشياء الثمينة التي يقوم بسرقتها منحرفون شباب، ترمز بطريقة لا واعية إلى عاطفة الأمومة التي حرموا منها. لذا أرى أنّ علاقة الأهل مع الأبناء تؤدّي إلى ظهور عقد نفسية واضطرابات سلوكية. السلوك الخاطئ للأهل وحرمان أولادهم من العاطفة واستخدام القسوة والتسلط دون مبرر من شأنه تعزيز عقد نفسية للأبناء. أذكر أيضاً مدى الراحة والطمأنينة التي تتولّد نتيجة الإشباع العاطفي من قبل الأهل، فالأطفال الذين يعيشون داخل عائلة تؤمن لهم شتى احتياجاتهم على الصعيد النفسي والإجتماعي، والعاطفة الضرورية فهذه الأخيرة هي فيتامين نفسي وضروري لنمو الفرد، فهؤلاء الأطفال يظهرون الراحة النفسية وظهور شخصيات مستقلة في صورة مبكرة. إذا حسب ما أرى إنّ العائلة بامكانها أن تكون مصدرًا للتسلّط وقهر الفرد وإلغاء شخصيته. ولكن يبقى السؤال :هل باستطاعة الانسان، العيش دون أن يتلقّن التربية اللاّزمة التي تؤمّنها العائلة له، والتي تساعده في تصرفاته فيما بعد؟

من إعداد الطالبة سابين السقيّم

الصفّ الثاني الثانوي فرع الإنسانيات

ثانوية غوسطا الرسميّة

Make a free website with Yola