الموضوع:

"يُطرح بالمبدأ أنّ التمثّلات (أي الصور التي تظهر في فكر الإنسان) لا تُحدَّد إلاّ بالوعي؛ مِن هنا نستنتج أنّ التمثّلات اللاواعية لا تُدرك، لا بل أنّ مفهوم "تمثّلات لاواعية" هو بحدّ ذاته متناقض(...). ولكن، إذا كان علينا أن نستنتج بأنّ بعض أسباب الظواهر الخارجية ترجع إلى التمثّلات الذهنية، بمعنى آخر إذا كانت هذه الظواهر تشكّل العلامات الخارجية للحياة التمثّليّة؛ وإذا كانت هذه التمثّلات المستوحاة هكذا، مجهولة المصدر من قبل الفرد الذي تتشكّل في داخله، نقول عندها أنّه بالإمكان أن يكون هناك حالات نفسية بدون وعي أو حالات لاواعية..."


المرجع: دوركهايم، "علم الإجتماع والفلسفة"

أ‌-     إشرح الأفكار الواردة في هذا النّصّ مبيّنًا الإشكالية التي يطرحها.

ب‌-    ناقش هذا النصّ إنطلاقًا من أنّ اللاوعي هو عالم بحدّ ذاته يحدّد شخصية الإنسان عن طريق منهجه أكثر من الوعي.

ت‌-    أترى أنّ طريقة فرويد في التحليل النفسي ما زالت هي الوحيدة القادرة على تحليل نفسية الإنسان؟

 

 مقدمة :

منذ القديم ،عرّف الفلاسفة والمفكرون القدماء الإنسان بأنه "حيوان عاقل"، أي أنه يتمتع بميزة خاصة عن سائر المخلوقات، وهي عقله. فالعقل البشري، يسمح لصاحبه أن يميّز الخير من الشر، وأن يتأقلم مع محيطه الخارجي. فإذا كان للحيوان نفس حيوانية محركة لبدنه، فللإنسان، بالإضافة إلى ذلك نفس إنسانية تتميز بالعقل الذي يجرد المحسوسات، فتصبح أفكاراً. والإنسان بواسطة الوعي يدرك ذاته، ويدرك أنه يدرك. وهذا الإدراك لا يكون إلا واعياً، فالوعي هو أخ المعرفة، فعندما أفعل وأفكر وأحس كل هذا يكون الوعي. فالوعي هو معرفة بحد ذاته ، إنه إدراك لكل ما يدور حولنا من أمور يمكن أن نستوعبها. و في هذا النص المطروح من كتاب "علم الإجتماع و الفلسفة " لدوركهايم، يعالج موضوع التمثلات أي الصور التي تظهر في فكر الإنسان.

 

الإشكالية :

فما نوع التمثلات التي تدور في فكر الإنسان؟ أهي واعية أم لا واعية؟ و هل يمكن إدراك تمثلات لا واعية؟ وما هي العلاقة بين الظواهر الخارجية والفرد وتأثيرها على وعيه  وعلى اللاوعي خاصته؟

 

الشرح :

الوعي هو مرادف المعرفة، فعندما أقوم بأي عمل وأدركه كالدرس والأكل وغيرها كلها تعني الوعي. كان ديكارت أول من قال بالوعي في القرن التاسع عشر. فلقد كان وعيا أصيلاً للذات في الكوجيتو: " أنا أفكر إذاً أنا موجود" وصار مدخلاً إلى معرفة الله ومعرفة العالم الخارجي."فالأنا أفكر إذاً أنا موجود" هي فكرة واعية لذاتها، بنى عليها ديكارت فلسفته وركزها على ثنائية النفس/الجسد. يعتبر علم النفس التقليدي أنه لا يوجد لاوعي نفسي، فكل لاوعي هو جسدي، أما النفسي فلا يمكن أن يكون إلا وعياً بل هو الوعي بحد ذاته، فدوركهايم يقول أن التمثلات لا يمكن تحديدها إلا بالوعي لأنها أشياء نفسية ويمكن إدراكها، أما التمثلات اللاواعية لا تدرك بل أنّ مفهوم  "تمثلات لا واعية" هو بحد ذاته متناقض. ويمكن دراسة هذه التمثلات عبر الإستبطان. فالإستبطان هو دراسة تحليلية للحياة الداخلية: هو أن يقوم كل واحد من الناس بالتأمل والتبصر بذاته كي يدرس ذاته بذاته. إنها دراسة الأنا للأنا فهي تقوم على عملية "فحص ضمير" أي بأن يرجع كل فرد في مساء كل يوم إلى ما قام به من أعمال و تقييمها، ولا أحد يمكنه دراسة الآخر لأن كل واحد يعرف ما الذي يريد أكثر من غيره ولا أحد يمكن أن يحدد ماذا يريد أكثر منه.

 

المناقشة :

إذا كان الإستبطان هو دراسة الأنا للأنا، فهل يمكن إعتبار هذه الطريقة علمية والنتائج التي تصل إليها موضوعية؟ وهل الوعي هو الوحيد الذي يمكن أن يوصل إلى حقائق أبدية؟

إنّ منهج الاستبطان بالنسبة إلى فرويد لا يوفّر شروط ملاحظة علمية تستلزم ثنائية الذات العارفة والموضوع المعروف وقد إختصر كونت المشكلة في مماثلة مشهورة: "فإننا لا نستطيع أن نقف وراء النافذة لنرى أنفسنا نسير في الشارع". هذا بالإضافة إلى أن وظائف الذهنية العليا كالحلم والبرهان وعمليات التجريد غير ممكن دراستها  "فالإنسان المفكر لا يستطيع أن ينقسم إلى ذات مفكرة و أخرى تحلل الموضوع " (كونت)

بات واضحاً أن فكرة اللاوعي بقيت مجهولة بل مرفوضة من قبل علماء النفس التقليدين ردحاً طويلاً من الزمن، ذلك أن الوعي كان يشكل الموضوع الوحيد لعلم النفس، غير أن بعض الظواهر النفسية الخارجة عن إطار الوعي كالنوم والنسيان والتصرف الآلي أدّت إلى إفتراض وجود اللاوعي. فاللاوعي هو جزء هام من الشخصية التي تحتوي على مجموع الميول والغرائز والرغبات والقوى النفسية العاطفية التي تحاول التعبير عن نفسها والظهور بشتى الوسائل: فالأفعال اللاواعية تؤدي إلى فهم تصرفات الإنسان بشكل أفضل. فالذات الإنسانية أشبه ببناء من ثلاث طبقات (هذا ما قاله فرويد و أضافه إلى علم النفس): 

الطبقة الأولى تتألف من "الهو"  ça le التي هي عمق الحياة النفسية المكونة من القوى الغريزية اللاواعية وخاصة الغريزة الجنسية.

أما الطبقة الثانية فهي "ألأنا"  le Moi  وهي مسرح الضغوطات المتبادلة بين "الهو" والطبقة العليا.

أما الطبقة الأخيرة، أي الطبقة العليا فهي الأخلاق التي يأخذها الفرد مثال أعلى له. فالأمور اليومية تؤثر بشكل كلي على الفرد وعلى وعيه وعلى اللاوعي خاصته.

فالحدود الفاصلة بين الوعي واللاوعي دائماً مخروقة ويمكن دراسة اللاوعي عبر الأداة "التطهيرية" التي إستعملها فرويد بادئ الأمر ثم إنتقل إلى تحليل زلات اللسان التي هي قول كلمة مكان كلمة أخرى (بشكل غير مقصود) مثل رئيس مجلس أعلن ختام الجلسة بدل افتتاحها لأنه رأى أعداءه في الجلسة. ثم إنتقل إلى النسيان مثل الرجل الذي قدّمت له زوجته كتاب لمطالعته وبسبب الأحوال السيّئة بينه وبينها لم يقرأه بل نسي أين وضعه. ثم مرضت أمّه فقامت زوجته بخدمتها الأمر الّذي دفعه إلى معرفة مكان الكتاب المفقود. وأيضاً عبر الزلات  الناقصة مثل أن إمرأة إشترى لها زوجها خاتماً فأضاعته (وليس عمداً) بسبب الأحوال السيّئة بينهما.

ولكن الطريقة الأفضل لدراسة الوعي هي الأحلام: ففي الأحلام يتحرر الّلاوعي من قيوده: قيود المجتمع والأخلاق والرّغبات فيعرف ما يدور في لاوعي الفرد. فتكون التمثّلات المستوحاة مجهولة المصدر من قبل الفرد الذي تتشكّل في داخله، فنقول عندها أنّه بالإمكان أن يكون هناك حالات نفسيّة بدون وعي أو حالات لاواعية.

كما وقام آخرون بتحليل الّلاوعي وهم: أدلر الّذي قال بأنّ الإنسان يسعى دائمًا إلى تحقيق الذات. يونغ الّذي قال أنّ هناك "لاوعي جماعي" كما قسّم النّاس إلى قسمين : المنفتح على الآخر والمنغلق على الآخر. كما قال فرويد أنّ الحياة الجنسيّة لدى الأطفال هي المرحلة الأهم في تكوين شخصيّة الفرد فمن هذه المرحلة تحدّد شخصيّة الفرد وميوله ورغباته.

 

الخاتمة:

إنقسم تفسير التمثلات في العالم القديم إلى تفسيرين :

ألأول الذي يقوم على الوعي وسمي بعلم النفس التقليدي، فصل بين ثنائية الجسد/الروح (النفس) وكان يعارض اللاوعي ويؤكد عدم وجوده. أما الثاني فهو اللاوعي الذي شكّل أداة لحل مشاكل الأفراد من خلال لاوعيهم  فالناس متأثرين بما يحدث حولهم ويكبتون  مشاعرهم و أحاسيسم وغرائزهم  الأمر الذي  يؤدي تعقيد الأفراد نفسياً . و برأيي، إنّ العلمين التقليدي والحديث لهما الفضل الكبير على عالمنا اليوم فلولاهما لكنّا بدون حلول عملية لمشاكلنا النفسية. اما اليوم  فقد أصبح لدينا طرق جديدة ومبتكرة وهي الروائز وهي على نوعين: روائز الإسقاط لرورشاخ وروائز البناء الموجودة اليوم بين أيدي جميع الناس وهي على شكل ألعاب تقوم على البناء مثل ألعاب الأطفال. ولكن هل سيأتي يوم نجد إختراع آخر غير الروائز يمكنها تحليل نفسية الإنسان بوقت أقصر؟

 

جميل القزح                

 

طالب في الصفّ الثّالث الثّانوي- إجتماع وإقتصاد

ثانوية الدكوانة الرسمية    

Make a free website with Yola