تحليل نصّ فلسفي (المجموع 20علامة)

"لا يجوز اعتبار الحواس وحدها أساساً للمعرفة و إنه لا بد من توسط العقل لتصحيح الإدراك الخاطئ و لإعطاء صورة حقيقية عن المُدرك . إن لهذه الحقيقة العقلية وجوداً ذاتياً مستقلاً أصيلاً , مما سمح لأفلاطون بالانطلاق إلى نظرية الحقائق الكلية أو نظرية المُثل . و لكن هل إلى معرفة هذه الحقائق الكلية من سبيل ؟ أجل  إن النفس قبل أن تحل في الجسد كانت تعيش  في عالم المُثل العقلي مدركةً لجميع الحقائق و لمّا التصقت بالجسد نسيت ما كانت تعرفه , فاستعانت بالفلسفة على تذكرها. إذن فالمعرفة هي تذكر الحقائق الأزلية و ما وظيفة المعلم أو المرشد إلا تسهيل سبيل التذكر و لما كانت الكليات واحدة لا تتغير فإن المعرفة أيضا واحدة و ثابتة ."

أ- إشرح الأفكار الواردة في هذا النصّ مبيّنًا إشكاليته. (9 علامات)

ب- ناقش هذه الفكرة إنطلاقًا من أنّ الحواس هي المدخل إلى معرفة الإنسان. (7 علامات)

ج- برأيك كيف يمكننا التوفيق بين هاتين النظريتين؟ (4 علامات)

          منذ بدأ عصر الفلسفة في الحضارة اليونانيّة القديمة، بدأ الفلاسفة يناقشون، يبحثون  ويعطون نظريّات في أساس الكون و أساس المعرفة. وكان الجدال قائمًا بين الفلاسفة حول أساس معرفة الإنسان. وقد انقسم الفلاسفة إلى فئتين حول هذا الجدال: فئة تقول إنّ أساس المعرفة عقليّ، وفئة تقول إنّ الحواس هي أساس المعرفة.

          و لكن كيف يمكن للحواس أن تكون المدخل إلى المعرفة، في حين أنّ الحواس غير ثابتة؟ وهل يعقل أن يكون العقل هو طريق المعرفة، في حين أنّه لا يقدّم أي أدلّة حسّية، مرئيّة أم مسموعة؟

 

          لنبدأ مع أفلاطون، وهو أبرز من قال إنّ المعرفة عقليّة؛ قال هذا لانّ الحواس تخدع الإنسان: فالعين قد تجعلك ترى أوهامًا، والأذن قد تُسمعك أصواتًا لا وجود لها. أمّا العقل فلا يخطئ أبدًا، فالعقل هو أساس كلّ شيء: هو أساس الفكر، هو أساس التّحليل، هو من ينّظم المعلومات ويجمعها. إنطلق أفلاطون من فكرة العقل أساس المعرفة، إذ كان هو من طوّر نظريّة أرسطو التّي تقول انّ الفكر هو أساس كلّ شيء. وهذه النّظريّة تقول بأنّ الإنسان لا يدرك الأشياء عن طريق الحواس، بل عن طريق الفكرة. وقال إنّ كلّ موضوع مُدرك في عقل الإنسان هو موضوع عقلّي لا حسّي. وقد استعان بالحصان كمثل، وقال عندما  يفكّر الإنسان بالحصان، هذا الحصان لا كبير ولا صغير ولا أبيض ولا أسود، إنّه يمتلك فقط الخصائص المشتركة لجميع الأحصنة. مثالٌ آخر: الكلّ يعرف ما هو الكتاب، و لكن لا أحد، و ليس بإمكانيّة أحد، أن يكون لديه كتاب داخل رأسه لمعرفة ما هو الكتاب، بل إنّ الفرد يمتلك فكرة عمّا هو الكتاب. بالإضافة إلى ذلك، فقد قال أفلاطون إنَ الإنسان كان يدرك كلّ شيء عندما كان، قبل ولادته، في عالم المثل. ثمّ حلّ الإنسان في الجسد، والمعرفة في حياته الأرضيّة، ليست إلاّ تذّكر كلّ الحقائق و كلّ المعلومات التّي كان يعرفها في عالم المثل. ويشّبه أفلاطون الإنسان بمعرفته الأرضيّة بإنسان مقيّد في كهف، لا يرى الأشياء على حقيقتها في النّور، بل بخيالات تنعكس على جدران الكهف الذّي هو محبوس فيه.

           لم يوافق كلّ الفلاسفة على وجهة نظر أفلاطون. فهم رأوا أنّ المعرفة هي فقط حسّية. رأى طاليس أنّ المعرفق حسّية، واعتمد البرهنة والتّفسير.وقد رأى هرقليطس انّ المعرفة حسّية؛ ولكن إيمانه القوّي بالتّغير الدّائم للأشياء، دفعه إلى الإستنتاج بحقيقة اللّوغوس، قائلاً إنّه الشّيء الماورائّي لإدراك العقل الإنسانّي. وقد وافق معهما ديمقراطس: فالإنسان منذ ولادته، يدرك الأشياء بمعظمها بواسطة الحواسّ. فالطّفل يكتشف ما هو الغذاء عبر حاسّة الذّوق. وهو عندما يروي عطشه بالماء، يدرك ذلك أيضًا عبر حاسة الذّوق. يدرك الأحاسيس المختلفة من حار وبارد، خشن وناعم، لزج وجامد عبر حاسة اللّمس. يعرف الكلام عبر الصّوت، يتعرّف إلى الأشخاص عبر الرّؤية. فهو إذًا قبل أن يبلغ مرحلة النضج، لا يعتمد إلاّ على حواسه. فالعقل بنفسه لا يقدر ان يعرف هذه الأشياء. وفي المرحلة التّي يبدأ فيها الولد تعلّم المعارف البسيطة لا يعتمد إلاّ على الحواس: النّظر والسّمع للقراءة، كما يستعملهما للحساب مشكلاّ بيده آلة حساب صغيرة. ومع الوقت وتطوّر العلوم يلجأ الإنسان إلى الحواس: فلديه القراءة لحفظ مختلف المعلومات والمعارف المكتوبة، السّمع لحفظ الألحان، والحواس مفيدة في جميع العلوم مهما كانت معقدّة: فالطّب يستند كثيرًا على الحواس: فحص يدوّي لمعظم الأعضاء، الصّورة التّقنيّة لتوضح ما في داخل الجسد... وإذا كان إتقان العلوم معرفة، فالمعرفة إذًا حسّية.

 

 

 

          إذًا، رغم براعة كلّ من هؤلاء الفلاسفة، فلم يمتلك أحدٌ منهم كلّ الحقيقة. فرغم تحاليلهم الواسعة التّي أثبتت وجهات نظرهم، فهم لم يروا إلاّ شقًّا واحدًا من حقيقة المعرفة. و الواقع الصّحيح، لم يصل إليه إلاّ برميندس، وهو أنّ المعرفة بشقيّن: شقّ عقلّي يمكن الإعتماد عليه لأنّه ثابت، وشقّ متغيّر يعتمد على الحواس. والوجهة الصّحيحة، هي انّ الحواس والعقل يعملان في تناسق للوصول إلى المعرفة. والأمثلة في هذا الإطار لا تحصى: فلولا العقل، لما أمكن للإنسان أن يقرأ آلاف النّصوص دون أن يتذكر شيئًا، فالعقل موجود لتنظيم المعلومات المقروءة. كما انّ هناك معارف مستقلّة تتّم عبر الحسّ فقط: فدون الحسّ، لن يعرف الإنسان أبدًا شعور الحار، مهما كان ذكيًّا. وهناك معارف تتّم عن طريق العقل الإنسانّي فقط: فالحيوان يملك إحساسًا، ولكن العقل البّشري يغني الإنسان بالحبّ، الثّقافة...

          و مسألة المعرفة مسألة واسعة، إذ تتنوّع مصادر المعرفة. ولكن هل المعرفة فقط مجرد تذكّر كما قال أفلاطون، أم أنّها تجميع و تحليل ودراسة، تأتي من الحياة الأرضيّة دون اللّجوء إلى عالم المثل؟

رالف إبراهيم        

الصف الثّاني الثّانوي- إنسانيات

ثانوية الدكوانة الرسمية     

 

Make a free website with Yola