هذا النصّ المعالج هو إمتحان نصف السنة 2009-2010 في الفلسفة والحضارات للصف الثاني الثانوي في ثانوية الدكوانة الرسمية، تجدون الموضوع مع الأسئلة في صفحة الإختبارات.ـ

 

منذ بدأ التاريخ ومنذ  بداية هذا العالم وبداية وجوده، وُجدت عليه قوة متناقضة فيما بينها، وهذه القوة هي في حالة صراع دائم من أجل السيطرة والتحكم على عقل الإنسان وجعله يتقيّد بهذا السلوك أو ذاك، وكلّما سيطرت على عدد أكبر من البشر كلما قوي تأثيرها على العالم وكلما زادت سلطتها على البشر. القوة التي نتحدث عنها هنا هي قوة الخير، التي هي أصل الإنسان فالآلهة خلقت الإنسان من ذرات المحبة والخير والصدق والعطاء وغيرها من الصفات الحسنة. أما القوة الثانية فهي قوة الشر التي تسعى  دائماً إلى إلغاء السلوك  الطيب وتملأ الإنسان بكل ما هو شرير، كالكذب والكفر والزنى وغيرها من الأفعال الشريرة التي تجعل الإنسان منحرفاً عن طريق الخير . فمن هذا المنطلق بدأ زردشت بالتكلم عن عقيدته "ثنائية الخير والشر" وكيف تكوّن العالم. فقد كان زردشت من الكارهين للشر وقد حل عليه الوحي، وكان يحبّ العزلة والإنفراد بذاته من  أجل التفكير، فذهب إلى أعالي الجبال للتأمل وقد حاول إله الشر اغواءه لينحرف عن طريق الخير، ولكنّه لم يستسلم حتى تجسّد أمامه اهورا مزدا (إله الخير  في الحضارة الايرانية) وأنزل بين يديه وفي عقله العقيدة الزردشتية التي نادى بها زردشت. وهذه العقيدة أصبحت الديانة الرسمية لإيران في عهد الملك درويش، فما هي إذن العقيدة الزردشتية؟ 

 

لقد دعا زردشت في عقيدته إلى عمل الخير والصلاح والتقوى والعدالة وحب الآخر. وكانت عقيدته مبنية على ثنائية الخير والشر وقد قال أنّ في هذا العالم خيرٌ وشر. ( فاهورا مزدا ) هو إله الخير خالق الأرض والكون والإنسان وكل من هو جميل في هذا العالم. أما إله الشر أهرمان فهو يمثل كل بشاعة يستطيع الإنسان ارتكابها في حياته على الأرض من كذب وكفر وغيرها ( أهورمازدا ) هو الإله الأعظم والأكبر القديم الأزلي، لا ماضي له ( لا بداية تاريخ فهو الذي خلق الأرض والتاريخ أي أنه كان موجودًا قبلها حتى أوجدها ) إنّه اله أزلي مجرد من جميع الشوائب والعيوب فهو لم يولد ولا يموت أبداً ( أي لا نهاية له ولا مبدأ ) إنه موجود في كل مكان وفي كل ركن من هذا الكوكب لا يُرى، ولا يمكن للعقل أن يدركه أو يستوعبه لأنه فوق الخيال وفوق كل ما يسمى بالثقافة وقمة المعرفة. إنه الآمر الناهي خالق السماء والأرض والشمس والقمر، إنه مصدر النور والخير والمحبة أنه أصل الدين، انه المحاسب الذي يقرر مصير الإنسان بعد فنائه. فيقول زردشت أن هذا العالم قد تكوّن من الصراع الدائم بين الخير والشر ( أي بين الإله أهورا مازدا والإله أهريمان )، ولكن تقول الزردشتية أنّ في النهاية سينتصر إله الخير على الشر وأتباعه ويصبح العالم مكان آمن للعيش فيه حيث يسود الخير والمحبة والصدق والامان ويعيش الإنسان في راحة تامة دون شيخوخة ودون موت. 

فدعت العقيدة الزردشتية بالتوحيد وقالت بأن إله الخير ( اهورا مزدا ) هو الإله المطلق والوحيد . كما دعا زردشت بالتقيد بالصلاة والتقوى والايمان القويم والإبتعاد عن كل ما هو شر. وكان من واجب الإنسان على الأرض أن يجعل العدو صديقاً ( أي يجب على الجميع البشر أن يكونوا متضامنين مع بعضهم ويحبوا ويساعدوا بعضهم) أن يجعلوا الخبيث طيباً ( أي يجب على جميع الناس أن يساعدوا بعضهم ويحبوا بعضهم لا أن يحسدوا أو يتكلموا على بعضهم بالسوء، وأخيراً عليه أن يجعل الجاهل عالماً ( أي جعل كل من لا يعرف الثقافة أو الدين أن يتثقف ويتنور من أجل صنع الخير ).

كما أنه أضاف على ذلك أنه يجب على كل إنسان أن يتحلى بقول صادق ( أي عدم الكذب من أجل الماديات أو مصلحة معينة ) بعمل شريف ( أي كسب لقمة العيش بعرق الجبين وليس عبر السرقة والنصب ). كما كان للشرف مركزاً مهماً في هذه العقيدة، وبالطبع كانت التقوى والصلاة في طليعة كل هذه العقائد. كما نصت أيضاً عقيدته على نقد كل ما هو شر أي الإبتعاد عن كل ما يسمى بالكذب وعدم القيام بالواجب الديني، وكان الكفر على رأس هذه الخطايا وأخطرها وكان عقابه شديداً عند إله الخير. هذه كانت العقيدة الزردشتية وما نصت عليه، وقالت أنه في النهاية سوف يسود الخير ويقهر الشر إلى الأبد وسوف يعيش الإنسان خيراً على وجه الأرض.  

 

ولكن من جهة أخرى، وحسب الواقع الذي نعيشه يمكننا القول بأن ثنائية الخير والشر ما زالت طاغية على جميع مجتمعات اليوم التي يعيش فيها الإنسان. ففي الديانات السماوية جميعها (إن كان الإنجيل المقدس أو القرآن الكريم) دائماً يُذكر الشر. فمن هنا ومن هذا المنطلق يمكننا إثبات أن ثنائية الخير والشر ما زالت قائمة حتى يومنا هذا. فقد خلق الله الإنسان من التراب. ذرات صغيرة خيرة جعلت الإنسان ( أول إنسان )، خلقته واعطته كل الصفات الحسنة، كما أن الله أعطى الإنسان حرية الإختيار وكل إنسان معرض للتجربة ولكن الإنسان القوي المؤمن هو الذي ينجو، ونشير هنا إلى أنّ الإنسان المؤمن هو الإنسان الأكثر تعرضاً للإنحراف عن مسلك الخير لأن الشر دائماً يجربه ولكن كل مرحلة يتخطاها يزداد ايمانه ويصبح أكثر تحصنا من قبل.

إن الإنسان بطبعه خيّرٌ،  هكذا خلقه الله ولكنه وبسبب الحرية المفرطة التي أعطاه إياه الله، بات يستغلها بشتى الطرق كما أنه بات يستغل حب الله له ويقول بأنه مسامح وسوف يسامح. فثنائية الخير والشر تلعب دوراً بارزاً في الفكر البشري فهذه الثنائية هي التي تحدد سلوك الإنسان في المجتمع، هي التي تحدد اعماله على الأرض من أعمال خيرة أو شريرة. فمن هنا يمكننا القول بأن ثنائية الخير والشر ما زالت قائمة، حتى اننا نراها عبر الأفلام السينمائية التي تُعرض في الصالات الكبرى، وعبر أفلام ضخمة قد حصلت على جوائز مثل الأفلام الدينية للمسيح مثلاً أو أي فيلم أخر، وكل فيلم يبرز لنا الشخصيات الحسنة والشريرة وحتى يمكننا أيضاً ذكر أبسط القصص للأطفال التي يكون فيها شخصيات خيرة وشخصيات شريرة. فثنائية الخير والشر لم توضع ولم تكتب بل اكتسبها الإنسان منذ ولادته، انها ليست بشيء مخترع بل هي وجود محصن لا نشعر به ولكنه قائم في حياة الإنسان اليومية ويتجسد من خلال اعماله وتصرفاته وسلوكه في المجتمع ومع الآخرين.      

في هذا العالم كما قالت الديانة الزردشتية ونادت يوجد الهان، إله للخير خالق العالم وإله للشر الذي يريد أن يجعل الإنسان تابع له، وخاضعاً للخطيئة. ولكن في رأيي أقول أن هنالك إله واحد محرك لهذا الكون وخالق جميع البشرية وعلى ضوء الديانات السماوية يمكنني أن أفسر وجود الشر بالإنسان. صحيحٌ أن الله خلق الإنسان خيّرًا وصالحًا، ولكن كل إنسان يوجد فيه جانب مظلم يتوق للتحرر من هذا الجسد الطيب عبر أفعال شريرة. فكل إنسان يولد ومع مرور الزمن يصبح لديه ميول للشر فهذا يمكن تفسيره بالحرية الزائدة والمفرطة التي أعطاها الله للإنسان، وقد أعطى الله حرية الإختيار لجميع البشر ولم يجبرهم قط على التقيد بهذا السلوك أو ذاك بل ترك كل إنسان يعيش حياته كما يريدها وكيفما يريدها لأنه يحبنا ويحب أن يرانا سعداء.                   

       كل إنسان على الأرض بطبعه خير ولكن الإنسان الذي خلقه الله ضعيف، ضعيفٌ في ارادته في تفكيره في ذاته في إيمانه في اعماله. صحيح اننا خلقنا على صورة الله ومثاله ولكننا لم نخلق حاملين قدرته، بل هذه القدرات يجب علينا أن نطورها وننميها من أجل الوصول إلى معرفة الله اللانهائية وكماله الذي تتوق إليه جميع الكائنات دون إستثناء. نحن كاملون بالقوة وليس بالفعل فلا أحد في هذا العالم كامل( هذا حسب النهج الأرسطي ) فهل نستطيع فعلاً القول بأن هناك الهان يتصارعان دائماً من أجل إحلال السلطة على الكوكب وعلى البشر؟ أم أنّ هنالك إله واحد محرك لهذا الكون، محرك للإنسان وكل ما حوله؟

 من إعداد الطالبة ديانا المعلولي

الصف الثاني الثانوي      ـ

ثانوية الدكوانة الرسمية    ـ

Make a free website with Yola