هذا النص المحلّل هو الإمتحان الثاني من العام 2009-2010 للصف الثاني الثانوي فرع العلوم، تجدونه في صفحة الإختبارات: (للإطلاع على النص أنقر هنا)ـ

من قدم العهود كان الانسان يداوي نفسه بنفسه بطرق بدائية، وكانت هذه التجربة البدائية عن طريق التجربة الشخصية والمعرفة العامية المتداولة والمتوارثة آنذاك، ومع تطور الشعوب ومجيء العرب وخاصة بعد الفتح الاسلامي، انفتح العرب على باقي حضارات العالم العربية كاليونان والاغريق، وبفضل حركة الترجمة والنقل اي العصر الذهبي إطّلع العرب على علوم الغرب ومنها الطب، واشهرهم "ابو بكر الرازي" و "ابن سينا" اللذان طوّرا الطب وادخلوا عليه بعض المفاهيم. فمن بين اضافاتهم أنّهم خالفوا الاغريق في القول انّ المرض يتكون داخل الجسم، بل انّهم خالفوا هذه القاعدة بقاعدة اخرى ان سبب امراض البدن هي من خارج الجسم وليس من داخله وهذا ما اثبته العلم الحديث. وهنا تبدأ التساؤلات والاشكالات والتضاربات في الاراء والمفاهيم، فما هي مدى صحة رأي اطباء العرب آنذاك بمخالفتهم الاغريق؟ وهل صحيح أنّ سبب الامراض من خارج الجسم وليس من داخله؟ وان كان الاطباء العرب على بيّنة وحق  فلماذا تخلّف العرب عن تطورهم بعد ذلك؟ وما هي الحلول الجذرية واللازمة للخروج من التخلف والجمود؟

 

بعد الفتح الاسلامي تمتّع العرب بالحنكة والذكاء فأخذوا من الغرب ما ارادوه، كما ترجموا كتبهم وعلومهم وطوّروها وجربوها واضافوا الى مجال الطب بعض المفاهيم والبراهين عن طريق التجربة، فبات الطب عند العرب من اهم العلوم وكان محط انظار باقي علماء العرب  والحضارات وكان أشهر اطبائهم "ابو بكر الرازي" و" ابن سينا". قدّم "ابو بكر الرازي" و" ابن سينا" للعرب علم الصيدلة واضافوا علم النباتات والزراعة كعلم مساعد للطب، وكان الرازي اول من اكتشف عوارض مرضي الجدري والحصبة وكيفية اكتشافهما على البدن، وكان اول من اكتشف خياطة الجروح بواسطة مصارين القطط، وكان يقوم بتحضير العقاقير بنفسه ليداوي بها المرض، اما ابن سينا فعَرَفَ أيضًا عوارض مرضي الجدري والحصبة وميّز بين التهاب الرئة والتهاب غلاف الرئة وبين الذبحة القلبية واحتقان الدماغ وغيرها من الامراض المستعصية، وكان له عقاقير علاجية خاصة بمرض القلب ونبضاته، وكان اوّل من شرح انّ مرض الطاعون ينتشر بواسطة الهواء الملوث، وكان لكتابه "القانون" صدى واسع عند اطباء الغرب حتى يومنا هذا وما يزال كتابه قيد التدريس في المناهج والبرامج المدرسية والجامعية.

بعد تطور العلم والطب خاصة خالف العرب الاغريق بمقولة ان المرض قائم داخل الجسم لا علاقة له بخارجه، الا ان العرب قالوا ان سبب الامراض ناتجة عن عوامل خارجية تدخل الجسم وتهلكه وهذا ما اثبته العلم الحديث. نعم، كان العرب على حق ان اهم اسباب مرض البدن هو نتيجة عوامل خارجية تدخل الجسم وتهلكه وهذه العوامل او الاعراض تعرف بالجراثيم والميكروبات والفيروسات. وقد نجح العرب بنظريتهم تلك عبر دلائل وبراهين اثبتها العلم الحديث عن طريق المستشفيات والمختبرات الطبية التحليلية وباتوا يعرفون ماهية الامراض عبر العوارض التي تظهر على الجلد والعينين وعن طريق نبضات القلب. والدليل على ذلك، مرض الجدري الذي يظهر عوارضه على الجلد والعينين وذلك عن طريق العدوى عبر الهواء الملوث الذي يحمل في طياته ميكروبات وجراثيم وايضا مرض الطاعون المنتقل عبر الهواء الملوث ايضا، وهذا ما اكده العلم الحديث عندما اعتمدوا مقولة ابن سينا في كتابه "القانون".

 

نرى ان العرب عرف التطور آنذاك في ذلك العصر الذهبي الا انهم اكتفوا بهذا القدر، كأنهم امتلكوا العالم بسرعة وبخاصة علم الطب. هذا ما جعل العرب يتخلفون اليوم ويخمدون؛ وانّ اسباب هذا التخلف كانت نتيجة الحروبات والصراعات بين القبائل والامم العربية، وتناسي انّ العلم هو الهدف والسبيل الاول لتطور الشعوب وتقدمها. فبات العرب منذ ذاك الحين ملتهين بالحروب والنزاعات والمناكفات، واسباب اخرى منها اللجوء الى العداء والكراهية واللهو والسهر والبذخ والترف وشرب الخمر، هذا ما اوصلنا اليه العرب بسبب تخلف قادتهم وتعطشهم للدماء والسلطة وبات العرب مفتقرين الى التطور في العلوم والتكنولوجيا لان حضارتنا تعيش في عالم الاوهام والخيال وتعيش بحكم المادة. فاصبح العالم العربي من العالم الثالث عالم التخلف كأننا نعيش على كوكب اخر وفي عالم اخر. وبات الطب عند العرب مجرد وقوف على الاطلال لان مسيرة تطور الطب لم تكتمل بعد ما تركه الرازي وابن سينا، لان العلماء والمثقفين مقيدين من قبل حكامهم فهاجروا الى عالم الغرب وابدعوا هناك، وبقينا نحن في التخلّف هنا. أضف إلى ذلك، أنّ الدول الكبرى تسرق ثرواتنا الطبيعية لتطور نفسها وتبيعنا إيّاها من جديد.

 

فكيف لنا ان نعود الى مفهوم الحضارة ونصعد ادراج التطور؟ علينا محاربة هذه  الآفة وهذا الخمود لنعود الى سلّم التطور ومواكبة العلم، وعلينا ان نشجع على العلم وندعمه بكل الوسائل، فعارٌ علينا ان نكون نحن العرب  اصحاب امجاد وان نقف على الاطلال لمشاهدة الحاضر المتطور دون حراك. يجب البحث عن وسائل ليعود العرب الى ما كانوا عليه ويكملوا ما انتجوه سابقًا. وذلك بتشجيع الأمة على العلم، وحقنا بأن نمتلكه كسلاح للتطور والحداثة، وتشجيع الطلاب على اكمال دراساتهم ودعمهم، وعودة المفكرين والمثقفين والمبدعين الى وطنهم لمساعدة بلدهم والاستعانة بمعارفهم وقدراتهم وذكائهم، وعودة الاطباء المغتربين للعمل في وطنهم ليكونوا عبرة لغيرهم وليشجعوا على مواصلة الطب ونهجه وتعاليمه، هذا ما يجب على العرب ان يفعلوه، العودة الى الأمجاد واللحاق بسلَم الحضارة والحداثة.

 

 من إعداد الطالبة فاطمة البدوي  

الصف الثانوي الثاني في ثانوية الزلقا الرسمية

 

Make a free website with Yola