هذا النصّ المحلّل موجود في الكتاب المدرسي على الصفحة 95

زرادشت، الانسان الذي عاش في صباه على التقوى والصلاح والحكمة، اعتزل عن العالم وذهب الى الجبال واكتفى بثمار الأرض، حاول الشيطان اغواءه ولكنّه لم يتمكّن من ذلك، لأنه ظلّ متمسّك بالاله الأعظم وهو اله النور "أهورامازدا". جمع تعاليمه في كتاب الابستاق ونشرها بين العالم، وأصبحت الزردشتية دين الدولة الايرانية الرسمي. لقد تنازعت قوى الخير والشرّ التي امتزجت في عنصر النور والظلام وهو صراع طويل بين اله الخير وإله الشرّ، ويقول زرادشت في عقيدته أنّ أهورمزدا اله الخير سينتصر على اله الشر "أهرمان" و تهلك جميع قوى الظلام. سأل زرادشت اله النور أهورامزدا عن اسعد مكان في العالم المادي، فأجابه انّه المكان الذي يجمع عائلةً تعيش في التقوى والإيمان والسلام الداخلي والتواصل مع الآلهة من خلال الكاهن. فما هو الذي يعطي السعادة في هذا المكان الذي يجمع العائلة؟ وما كان المقصود من كلام أهورامزدا؟

 

انّ المكان الذي تكلّم عنه اله النور هو مكان مليء بالرموز، يبحث فيه الإنسان عن الإستقرار، فهو يضم الكاهن الذي يمثل رب العائلة كما أنّه الخادم بمعنى أنّه في خدمة اله الخير وخدمة العائلة التي تشكّل امتدادا له وهو المسؤول عن سعادتها لأنها في المقابل تعطيه الحب والسعادة المطلقة والاستقرار النفسي، ويضم أيضا هذا البيت الماشية التي تمثّل مصدر الرزق والخصوبة والنمو في الحياة المادية، فالماشية هي التي تعطي الغذاء واللباس والدفء لهذه العائلة. ومن أهم الأشخاص الذين يضمهم هذا البيت هي المرأة التي تلعب دور الزوجة ودور الأم للأطفال التي تنجبهم، وهي تمثّل العطاء اللامتناهي حتى بذل الذات بسعادة قصوى لأولادها ولزوجها. وتكلّم أيضًا عن الأطفال، فالطفل هو بدء حياة جديدة وخاصة اذا تربّى على الايمان والتقوى في كنف عائلة مؤمنة و ملتزمة تسعى دائما إلى ايجاد الخير والفرح لبعضها البعض. من هنا خاصةً، ومن خلال الطفل، يرى الأب انّ ولادة طفل جديد هو امتداد وتواصل فكره ومبادئه، كما أنّ هذا الطفل الذي سيكبر ذات يوم سيكون له عونًا في شيخوخته ومصدر رزقه وسعادته لاسيما حين يصبح جدًّا، لهذا ركّز اله النور أهورامزدا على كثرة الانجاب في العائلة. و تكلّم أيضا عن النار التي تمثل الحياة في ذلك العصر وهي عنصر مقدّس ورمز للحبّ المشتعل بين أفراد العائلة الذي يحافظ على ترابطها.

غير أنّ، ما ورد في هذا النص على لسان "أهورامزدا" يشكّل نموذج عن تفكير بعض الناس وليس الجميع، لأنّ البعض الآخر من الناس يرى أنّ سعادتنا يمكن أن تكون من خلال أمور أخرى مثلا: توسيع تجارة، الوصول الى منصب هام، التشبه باله والسير على خطاه بلا وجود عائلة تحيط به و تسعده؛ والبعض يرى أن العائلة ليست ضرورة ملحة للفرح أو السعادة الدائمة لأنّه لا يرى أنّ العائلة يمكن أن تؤمّن له حاجاته بكاملها أو يمكن أن تحدّ له من طموحه، فالكثير من الناس لاقت سعادتها بعيدا عن اطار العائلة والارتباط والالتزام؛ وجدتها من خلال تحقيق شيء ذاتي لا يتعلّق بأي فرد آخر من خلال العلم مثلا أو انجاز مشاريع معينة أو اختراع شيء فريد من نوعه في ذلك الزمان يثير الانتباه و يلفت الأنظار اليه، أي يجعله تحت الأضواء وهذه هي الشهرة التي يمكن أن تؤمّن السعادة المطلوبة.

 

خلاصة القول، اله النور "أهورامزدا" يملك فكرة نسبية عن السعادة، فكل شيء نسبة في هذه الحياة وليس معمّمًا على الجميع، فيمكن أن تكون السعادة من خلال طرق مختلفة بعيدة عن العائلة أو قريبة منها، ومن الممكن أن يعيش الإنسان العمر بكامله دون أن يجد السعادة في أي شيء من هذا المادي، ممكن أن يرى سعادته من خلال انتقاله الى حياة أخرى غير مادية. أنا أرى أنّ السعادة ممكن أن تجمع العائلة، ومن خلال العائلة يحقق الانسان طموحه الأكبر بانفتاحه على المجتمع بكامله، ومن خلال ارتباطه الوثيق بالعائلة والسلام الذي يجده فيها يكون انسانًا صحيح العقل والنفس ويحقق ذاته على مدى أوسع، كالشجرة التي جذورها في الأرض ورأسها شامخ في السماء. فانّ الانسان بطبيعته يرتكز محور حياته على شيء واحد هو السعادة الأبدية التي يعمل لنيلها من خلال الحياة المادية. و يبقى السؤال هل يوجد سعادة مطلقة في هذه الحياة المادية؟ و ان وجدت في الحياة المادية هل تمتد إلى الحياة الأبدية؟!...

من إعداد الطالبة فاتن معوّض    

الصف الثانوي الثاني في ثانوية الزلقا الرسمية

 

Make a free website with Yola