هيجل 

لم يترك  Hegel  الفيلسوف الالماني , المثالي الديالكتيكي , مؤلفات أو محاضرات في دراسة أو معالجة الحضارة في ذاتها . إلا ان افكاره وتحليلاته وفهمه لتطور الحضارات إنما نجدها في محاضراته التي القاها في جامعة برلين والتي جمعت ونشرت بعد وفاته تحت عنوان "فلسفة التاريخ .“

     معنى  "فلسفة التاريخ :

إن فلسفة التاريخ ليست إلا التفكير في التاريخ والبشر لا يستطيعون تجنب التفكير في الاشياء , عز إن التفكير هو مايميز الإنسان من الحيوان .

إن فلسفة التاريخ التفكير في الاحداث التاريخية .

لكن المادة التاريخية هذه يجب ان لا تؤخذ أو تبحث كوقائع منفصلة أو متناثرة , كما يحلو لبعض المؤرخين ان يفعلوا , وهذا مغزة ادخال العقل لفهم حركة الحضارات والتاريخ , فالحركة التاريخية من الخارج , أو للوهلة الأولى , ملؤها الفوضى وانعدام العقل : فالشر متقدم على الخير , والحرب تتقدم السلم , والاغراض الشريرة تتقدم الأهداف النبيلة , والأكثر سوء ا" يبدو أكثر سعادة . وحدها الفلسفة تستطيع ان تتجاوز ظاهر مايجري إلى حقيقته , فتلتقط الخيط الذي يجمع ماتفرق من وقائع , وتعيد تفسيرها , فتكتشف ان هناك عقلا في جوهر مايجري , وهو المبدأ الذي تكتشف صفحاته رويدا رويدا عبر وقائع التاريخ , حلوها ومرها . وهذا كله من اختصاص فلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ وليس من اختصاص علم التاريخ .

الموقف العقلاني من تاريخ العالم :

يستند موقف هيجل في النظر إلى حركة الحضارات دخل التاريخ , وإلى التاريخ نفسه , إلى مبدأين, الأول يتعلق بالمنهج والثاني يتعلق بالمضمون وهما :

-          أولا: في منهج فلسفة هيجل :

بحسب منهج فلسفة هيجل , لا شيء ثابت أو جاهز أو نهائي . كل شيء يتحرك ويتغير , يولد , ينمو ويموت هذا هو الجدل (الديالكتيك (

الديالكتيك أو الجدل يأخذ عند هيجل شكلا معروفا ومشهورا وهو الانتقال من القضية Thesis إلى نقيضها Anithesi ومن تناقض القضية ونقيضها ينشأ التركيب أو Synthesis  والذي هو أعلى واغنى من اللحظتين الاوليين . ثم يتحول التركيب Synthesisبعد برهة إلى قضية تستدعي نقيضها , فينشأ عن النقيضين تركيب جديد , وهكذا دواليك .

-          ثانيا: في مضمون فلسفة هيجل:

العالم , لهيجل , هو عقل أو روح أو وعي عموما . لكنه ليس عقلا أو روحا مجردا . وهو لا يعطي لنا جاهزا . كاملا ودفعة واحدة ودونما جهد منا . العالم مشروع عقلي , أي ياسر عقلا أو روحا أو وعيا, وذلك من خلال تصميمنا وعملنا , وفي حركات صاعدة , مرحلة بعد مرحلة.  ومع كل مرحلة جديدة  يتحرر الروح أكثر من سيطرة المادة فيغدو أكثر حرية .

هذا الموقف الهيجلي العقلاني الجدلي هو المبدأ الذي يفسر حركات الحضارات داخل التاريخ , العقل هو القوى الدافعة خلف حركات المجتمعات والحضرة وهو كذلك الغاية الاخيرة لها .

وعلى ذلك فالمجتمعات والحضرة والتاريخ ليست واقفا على فرد يقودها بـرغباته الفردية , الذاتية الجزئية أو الانانية . وهي كذلك ليست نهبا للعباس أو الموسادافات تجري بها يمينا أو يسارا , هبوطا أو صعودا , على غير هذا أو منطق أو هدف .

يرى هيجل , وبخلاف ذلك تماما , ان للوجود وللتاريخ ولحركته , معنى وهدفا . وأن المعنى والهدف والطاقة الدفعة للحركة إنما نجدها في العقل : " العقل    يحكم العالم وقد حكمه دائما... انه يحكم التاريخ 

فكرة التاريخ وكيفية تحققها تعاقب الحضارات:

كل حضارة صاعدة , بما فيها من انجاز مدي وروحي , علمي وديني , وما فيها من ممارسات وقوانين وانظمة حكم وفنون وفلسفات , تكشف شيئا أو جانبا من حقيقة العقل أو الروح , تحرره أكثر مما هو بدائي واولي ومادي , ومما هو ادنى , وتدفع به بـاتجاه ماهو أكثر غنى وحرية وعقلا . ولكن هذا لا يتحقق في حضارة واحدة أو في عدد محدود من الحضارات . كل حضرة هيا خطوة إلى الامام  لكنها وهكذا يتقدم العقل , أي الإنسان.        

وهكذا يتقدم العقل, أي الإنسان والانسانية , من خلال تعاقب الحضارات .

دور الدولة في التشكل الحضاري :

الدولة مفهوم مركزي في المجتمع والحضارة والتاريخ : ماقبل الدولة هو ماقبل التاريخ , فالعقل أو العقلانية لا يدخل الوجود والتاريخ إلى مع الدولة  , يقول هيجل :

"يبدأ التاريخ بـدخول العقلانية إلى الوجود العالمي , أي حين يكون هناك وعي وارادة وفعل أي دولة

قبل الدولة الإنسان فرد , أنا , فحسب اهواء وميول وغرائز . والدولة ليست نقيضا للحرية . فالحرية ليست اطلاق الغرائز دون ضبط ولا طغيانها دون حساب .

الحرية هي التعبير عن الجزئي في علاقته بالكلي , أما ذروة الاشكال الثقافية التي تظهر مع الدولة فهي الفلسفة , "ويجب ان تظهر الفلسفة كذلك في حياة الدولة بـاعتبرها التفكير في اشكال الوعي

تعاقب الحضارات :

يطبق هيجل منهجه الديلكتيكي على تعاقب الحضارات فيراها في ثلاث مجموعات متباينة , متعارضة , متناقضة ومتعاقبة , ولكن متداخلة في الآن نفسه  ) من دون ان تكون ديالكتيك تماما   :

حضارات العالم الشرقي (الهند الصين فارس (

حضارات العالم الإغريقي الروماني  )أثينا    -  روما                     

حضارات العالم الجرماني (الدولة البروسية)                                   

نقد هيجل :

يمكن العصر في فلسفة الحضرة عند هيجل , كما في كل فلسفة أخرى , على نقاط قوية متماسكة منطقية , وعلى نقاط أخرى اقل منطقا وتماسكا .

بين أهم مااضافة هيجل نشير إلى :

النظر إلى الحضارات ك حلقات متعاقبة , متناقضة ومتداخلة في آن معا .

تشديد على حرية , ولو بالـمعنى المثالي , كغاية اخيرة لحركة العقل أو الروح , واعتبار الحضارات المتعاقبة انكشافات متصاعدة لبلوغ العقل / الروح حريته التامة.

استخدامه الديلكتيك وما فيه حركة , وتطور , وصيرورة , ونسبية وصعود منهجا' , ليفسر كيف تموت حضارة ماشكلا , بينما تكون عناصرها قد دخلت واقعا في تشكل حضارة أخرى صاعدة . ومع ذلك فان نقاطا أخرى في تحليل هيجل للحضارات تبدو اقل اقناعا ومنها :

يبدو تحليل هيجل لحضارات ماقبل أثينا , أو ماسماه العالم الشرقي تحليلا بدائيا ولا يعتد بعد اليوم . لقد جرى بعد زمن هيجل الكشف على غنى هذه الحضارات واسهاماتها , وهي أهم مما ظن هيجل خطأ .

يبدي هيجل من الاعجاب بل التحيز لحضارة أثينا ماجاوز كثيرا نظرته إلى الحضارات الأخرى , وما حجب عنه ذلك رؤية ثغرات أثينا نفسها .

أما نقطة الضعف الاخرى تتعلق بـجعله تطور الحضارات بعد أثينا وروما يبلغ كامله في العالم الجرماني أو بروسيا فعليا . لقد سامح هذا القسر , غير العلمي والغير مبرر . لتطور الحضارات للبعض ان يزعم ان هيجل في ذلك إنما كان فيلسوفا للدولة البروسية الصاعدة , بعد هزيمة نابليون , والتي كانت تتجه نحوى الوحدة الالمانية الكاملة بـقيادة بروسيا في ثلاثينات القرن التاسع عشر .

لكن النقد هذا أو غيره , لا يذهب بـاهمية ماقدمه هيجل أو اضافه إلى فلسفة الحضارة , وأبرزه امران :

اولا : ادخالهفكرة العقل إلى ميدان التاريخ , وتاريخ الحضارات تحديدا

ثانيا : ادخاله فكرة الصيرورة )الحركة الديلاكتيك ( إلى حركة الحضارات وتعاقبها .

 

Make a free website with Yola