الفعل الإنساني

 

 

الفعل الإنساني

     I.            مفهومه

       الفعل الإنساني هو الفعل الإرادي الذي يتممه شخص واع وحر. ينطلق هذا الفعل من الإنسان الفاعل كإنسان. هذا الفعل يعتبر إذ ذاك فعلاً خلقيا، ويصير موضوع تفكير خلقي، والتفكير الخلقي يعترف بأن الإنسان هو سيد أفعاله، وهو مسؤول عن مطابقتها أو عدم مطابقتها لقاعدة السلوك الإنساني.

السلوك الإنساني :

السلوك الإنساني هو ‏كل فعل يصدرعن الإنسان، ويتضمن جانبين احدهما يكون طبيعيا والاخر قصديا. ليست كل أنواع السلوك الإنساني موضوع بحث أخلاقيء، لأن البعض منها لا يمكن أن نعتبره فعلا خيّرا أو فعلا شريرا مثل أنواع السلوك اللاواعية أو اللاإرادية. كما يمكننا أن نضم إلى أنواع السلوك اللاواعية ردات الفعل التي هي بيولوجية صرف والأفعال التي تحصل في حال النوم والسكر.

الفعل في نظر أرسطو:

       يميز أرسطو بين الفعل الذي يتم اختياره بحرية، وذلك الذي يتم تحت الضغط. يقول أرسطو: "عادة نقول:إن الفعل هو غير إرادي، عندما يحصل تحت الضغط، أو في حالة الجهل. يحصل بقوة الضغط كل ما كان مصدره خارجنا.  وهذا ما يحصل عندما نرمي حمولة السفينة في البحر بسبب العاصفة، وفي المطلق لا أحد يتخلص من ملكه بإرادته. ولكن عندما يكون المقصود نجاته شخصيا ونجاة رفاقه، فإن هذه الأفعال تصبح خليطا من الأفعال الإرادية واللاإرادية، فهي تشبه الأفعال الإرادية لأن من يفعلها اختارها بحرية في اللحظة التي أتمها بها. ذلك أن غاية الفعل تتغير مع تغير ظروف الزمن. فلكي نصف فعلا ما بالإرادي أو بغير الإرادي، يجب أن نعود إل اللحظة التي يتم فيها هذا الفعل".

أنواع السلوك:

       تعبّر أنواع السلوك الواعية والإرادية دائما عن اختيار ينهي التردد والمشاورة لدى الشخص، ويمكن أن تتحقق بالأساليب التالية:

أولا: في فعل إرادي، حيث الرغبة الأقوى هي التي تنتزع القرار، مثال ذلك عندما تتغلب الرغبة عندي في رؤية مباراة رياضية على واجب تحضير اختبار نهائي.

ثانيا: في فعل إرادي حيث النشاط العقلي ينتزع القرار، مثال ذلك أقرر أن أقوم بتمرين رياضي ضد رغبتي في الراحة.

ثالثا: في فعل إرادي حيث النشاط الإبداعي ينتزع القرار، كما هي الحال في النشاطات الفنية أو الفلسفية. أو العلمية . . .

رابعا: في نشاط إرادي، حيث الفعل الأخلاقي ينتزع القرار، كما هي الحال في الفعل المتمم بروح الواجب  والمستقل عن الدوافع الأنانية.

   II.            الإرادة:

       بالإرادة المستنيرة بالعقل يمتلك الإنسان ذاته، ويصير سيدًا لأفعاله، سعيا وراء غاية محددة. ‏صحيح أنه في كل فعل يشعر بأن الموضوع يثير اهتمامه بما ينطوي عليه من جودة أو خير، ولكن إنطلاقة المبادرة لا تأتي بتحريك من الموضوع، بل بفعل الإرادة الشخصية.

الإرادة والوعي:

       كل فعل إرادي يجب أن يكون فعلا واعيا، فالإنسان الذي يفعل، يعترف بأنه هو الذي ‏يفعل. لأنه يتمم فعله في حالة اليقظة بتمام امتلاك قواه الذهنية. إنه يميز بوضوح بين الخير والشر، ليس في حال نوم، ولا يخضع لاضطراب ذهني يعود لمرض أو لهوى قوي جامح. يضاف إل ذلك أن الإنسان الواعي يدرك لماذا يفعل ؟ إنه يحدد الغاية ويرسم الوسائل التي توصله إليها، يستبق بالرؤية نتائج فعله، لأن الفعل متى تحقق يغير حتما الفاعل الذي يقوم به، والمحيط الذي تم فيه الفعل.

الإرادة والحرية:

       إن الفعل الإرادي يجب أن يكون حرا أيضا، فالإنسان يعزم على الفعل، ويعبر عن شخصيته التي ليست كيانا مبهما غير محدد، بل هي فردية محددة الواقع، ويعترف الشخص الفاعل بأنه كان يستطيع ألا يفعل، أو أن يفعل بطريقة أخرى لو شاء ذلك. إنه لا يخضع في أثناء فعله لأي ضغط طبيعي أو خلقي.

‏وعلى ذلك، فالفعل الذي ينتج من تفكير واضح، ومن إرادة حرة يمكن نسبته إلى ‏الفاعل الذي يتممه، ويصبح بالتالي مسؤولا عنه.

III.            ظروف الفعل وشروطه:

       يمكن للفاعل في أثناء إتمامه للفعل، أن يخضع لتأثيرات متنوعة. بعض هذه التأثيرات تصيب الفعل وتقلل بالتالي الإسهام الإرادي، وبعضها يشكل العوائق للحرية، فينتهي إلى إلغاء الجانب الإرادي كليًا، ولكن، يبقى بمقدور الإنسان أن يكبّل حريته، أو أن يحررها حتى في الظروف الأكثر صعوبةً وتعقيدًا.

‏أهم الظروف والعوائق التي تحيط بالفعل الانساني هي:

أولا-  الظروف النفسية للفعل الإرادي

1-   العاطفة

       تلعب العاطفة دورا ثنائيا في علاقتها بالحرية الفردية. فأحيانا تقدم لها الطاقة، وتسهل ‏الفعل حتى النجاح التام، وأحيانا تقبض على حياة الروح، ولو للحظة،  بتأثير انفعالات عنيفة. فخطر الأهواء مثلاً أنها تشوه الممارسة السوية للحكم، وذلك لأنها تقهر العقل وتعطل المخيلة، وتنزع من الإنسان مراقبة ذاته. 

2 ‏- العادة

       العادة هي: الميل الثابت والمكتسب الذي يصبح بحسب رأي أرسطو طبيعة ثانية، ­والعادة بداية غير إرادية في عملها - لا واعية عمياء - وفي نهاية تصير آلية لا نفس فيها ‏ولا حياة. 

3 ‏- الطبع

       المزاج هو حسب رينيه لوسين "مجموعة الميول الفطرية التي تكون الجهاز الذهني للانسان. إنه مع الإنسان فطرة منذ ولادته، ملازم له طيلة حياته مستمر مقاوم للتغيير"، غير أنّه لكون الإنسان قادرا على وعي مزاجه، فهذا دليل على أنه يستطيع أن يسيطر عليه، وبالرغم من أن المزاج عائق نفسي، فإن بالإمكان التغلب عليه، لا بل يمكن استخدامه وسيلة لعمل أفضل.

4 ‏- اللاوعي

       يكشف علم التحليل النفسي أنّ اللاوعي فاعل في الإنسان إذ يدخل إلى العمل الإنساني قوىً غير عقلانية؛ كل شيء يحصل كما لو أنه على مستوى الوعي الواضح فيحسب أنه يفعل بحرية، بينما، في واقع الأمر،يكون سلوكه صادرا عن ميول غريزية يجهل ما تمارسه عليه من أفعال. فالحرية هنا تتقلص وتبقى موجودة لإعطاء الفعل ميزته الإنسانية.

ثانيا - عوائق حرية الإنسان

       بالإضافة إل ما سبق ذكره، يمكن أن يطال الحرية الإنسانية العوائق التالية:

‏1- العنف

       إنه ضغط يمارس على الإرادة من الخارج، ومع أنه لا يستطيع أن يقوى على الخيار الداخلي، غير أنه يمكن أن يضغط على الإنسان لينفذ فعلا خارجيا لا يريد أن يقوم به، أو يمنعه من القيام بغعل كان يريد أن يقوم به. أما ما يثيره العنف من اضطرابات نفسية، فهذا ما قد يلحق بالحرية وبالوعي إضعافا وخنقا.

2 ‏- الخوف

       إنه اضطراب داخلي ناتج من تهديد شر مداهم يصعب التخلص منه، إذا توصل الخوف إل إلغاء العقل والوعي يزيل في الوقت ذاته الحرية، ولكن إذا لم يلغ العقل، فهو قد يؤدي إل فعل تشترك فيه الإرادة مع اللاإرادي.

3- الاضطرابات النفسية

       إنها الاضطرابات التي تنتاب بنوع خاص المبادرة، والإرادة، وتنظيم النشاط، والشعور العام لدى الإنسان، والوظائف النفسية الشعورية، وتيار الفكر، ‏والمزاج والشرف، والوعي الخلقي، والسلوك. وهي تشمل أنواع أمراض العصاب.

4 – الأوضاع الإجتماعية والثقافية

       إنّ الاعتراف بوجود أوضاع معينة اجتماعية وثقافية أمر قديم جدا؛ ولكن دراستها العلمية حديثة العهد، وهي عامل ارتباط بتقدم العلوم الإنسانية. إن الحوار القائم بين الشخصية والثقافة يحدّد بالعمق الأفعال الإرادية والخلقية للشخص، ‏فالشخصية بحسب قول أولبورت: هي التنظيم الديناميكي للأجهزة النفسية الفيزيولوجية التي تحدد في الفرد تكفيه الأصيل مع الوسط الإجتماعي الذي يعيش فيه.

       أما الثقافة فهي بحسب قول فييو: أسلوب حياة شعب، مجموعة فيه طرائق السلوك، ‏أي كيفية التصرف والتفكير التي هي ضرورية في حياة جماعة معينة. إن حوار الشخصية والثقافة يمكن مواجهته بطريقتين:

أولا:موضوعيا، بدراسة تأثير الأوساط الاجتماعية على تكوين القواعد الأخلاقية للسلوك الإنساني.

ثانيا: ذاتيا، بإظهار مدى تأثير الظروف الاجتماعية على الحرية وعلى الشخصية.

 تستطيع الثقافة أن تؤثر باتجاهين:

أولا: تقدّم النماذج الواقعية التي يجب أن يتكيف معها الفرد.

ثانيا: تعطي للحرية الفردية بعدها، حيث يصير الفرد؛ بنتيجة تأثيرات تكوينية، وإنارات اجتماعية ثقافية، وتبدلات شخصية ناتجة من ترسبات للأفعال الماضية في حياته؛ شخصًا حرًا.

       إنّ البيئة الاجتماعية لا يمكن أن تكون سببا للحرية، ولكنها الوسط الذي تتفتح فيه الحرية، وعلى الإنسان أن يبدل بشكل متواصل هذا الوسط؛ كما أن الوضع الاجتماعي يؤثر على فعل الإنسان الحر، بقدر ما يؤثر على ذكائه، وعلى إرادته بالأفكار المسبقة، وبالمواقف، وبالتربية.

5- الفعل الإرادي والأخلاقي

       إنّ الفعل الإرادي الواعي والحر هو فعل أخلاقي عندما تطبعه ميزة الخير أو الشر. هذه الميزة هي في الوقت عينه:

أولا: موضوعية أو مادية، لأنها تطبع الفعل نفسه الصالح، أو السيء، المطابق للقيم، أو المخالف لها.

ثانيا: ذاتية أو صورية لأنها تطبع الفعل بصدوره من الفاعل‏.

موضوعيًا :

       إنّ ما يجعل الفعل المتمم من الإرادة الحرة صالحا أو شريرا، هو مطابقته، أو عدم مطابقته للحس السليم.

‏تنقسم الخلقية الموضوعية إلى ثلاثة عناصر:

أولا: الموضوع

       أي المقصود مباشرة بالفعل مثل الصدقة، ومساعدة إنسان في خطر. وواضح أن الفعل ‏هنا، ‏يستمد صورته من الموضوع الذي من أجله كان صدور الفعل، وذلك لأن صلاح الموضوع يمنح الفعل صلاحه ويعطيه اسمه الخلقي. . .

ثانيأ: الظروف

       إنها الشروط المحيطة بإتمام الفعل، والتي تحدد موقعه وتضاف إلى نوعية الفعل هذه، ظروف الزمان، والمكان، والضرورة، الخ. إنها متممة للفعل، أو مشوهة له. 

ثالثًا : الغاية

       هي ما يقصده الفاعل كهدف، أي ما يقوم بالفعل لأجله. إنها النية التي تسبق الإرادة، والتي تضفي على الفعل معنى خاصًا قد يبدل في خيره أو شرّه.

إن قيمة الفعل الإنساني تأتيه من الموضوع الذي هو الفعل الخارجي، ومن النية التي عنها يصدر. ومن هنا يمكن القول: إن الغاية لا تبرر الوسيلة، ذلك لأنه إذا كانت الوسيلة شريرة لا يمكن تبريرها بأي شكل، وإذا كانت الوسيلة غير شريرة فهي لا تحتاج إلى تبرير. . .

ذاتيًا :

       لما كان الفعل الأخلاقي يصدر عن الضمير الخلقي فلأنه القاعدة المباشرة والشاملة لكل سلوك خلقي . لذلك لا بد من إعداد الضمير لكي يستطيع أن يضفي نوره على نيات الإنسان الملهمة لأفعاله؛ كما إنّ الإنسان يكتسب كثيرا على صعيد الضمير باطلاعه على المبادىء النفسية، وبأخذه بمشورة أصحاب الكفاءة. 

الفضائل الإنسانية

‏إن الفضائل الانسانية الأساسية في الفلسفات القديمة هي : الحكمة والعدالة والشجاعة والعفة .

الحكمة: فضيلة العقل التي بها يعرف الإنسان ما يجب أن يفعله أو يتحاشاه.

العدالة: ‏هي فضيلة الإرادة الثابتة والعازمة باستمرار على احترام كل الحقوق، وإتمام جميع الواجبات.

الشجاعة: هي الفضيلة التي تساعد في التغلب على الصعوبات والأخطار، والتي تساعد أيضا في تحمل مشقات الحياة الصعبة بصبر وطول أناة.

العفة: هي فضيلة تحافظ على الاعتدال في لذائذ الحياة ومباهجها. والعفة، بهذا الاعتبار، هي مقياس جميع الفضائل، إذ من دونها تتحوّل الحكمة إلى حيلة، والعدالة إلى ظلم، والشجاعة إلى جسارة أو خشونة.

IV.            خاتمة

يتبيّن من تحليل تكوين الفعل الإنساني، أنّه بسيط في مباشرته وعفويته وترجمته العمليّة؛ إلاّ أنّه مركّب ومعقّد من حيث تداخل العناصر والشروط والعوامل المؤسسة له. وعلى ذلك، فالفعل الإنساني فعل أخلاقي، نفسي، إجتماعي، إقتصادي، وفلسفي في النهاية. وكل مقاربة، بالتالي، لهذا الفعل من زاوية واحدة، أو وجهة نظر واحدة، ستكون جزئية وقاصرة. أمّا الأكثر موضوعية، فهو أخذ كلّ العناصر والعوامل والشروط تلك، بعين الإعتبار، من دون أن ينفي ذلك عن الفعل الإنساني مباشرته وعفويته وقوته.

Make a free website with Yola