الضمير الفردي 

الضمير الفردي

مقدمة:

يحتاج الإنسان في حياته أن يعيش عيشة أخلاقية، فهو ينجذب نحو الخير وينفر من الشرّ. عندما يفعل الخير، تغمره حالات شعورية ممتعة: الإفتخار والرضى الداخلي وفرح التضحية في سبيل الآخرين. وبالمقابل يشعر بالندم على شرّ فعله، وبالأسف على النتائج السيّئة التي تترتّب عليه، وبالتوبة لأنّ الفعل مُدان. فضلاّ عن ذلك، فهو يشعر بالإعجاب والتقدير إزاء أفعال الآخرين الخيّرة، وبالإحتقار والإشمئزاز تجاه السيئ منها. إنّ هذه الأفعال كلّها تُظهر وجود الضمير لأنّها تصدر عنه.

 

     I.            مفهوم الضمير:

موضوعيًا: يُعرّف على أنّه مجمل حالات الوعي ذات الصلة بالحياة الأخلاقية (فرح، ندم...)

ذاتيًا: يُعرّف بأنّه قدرة الإنسان على إصدار أحكام تقييمية على أفعاله من حيث الخير أو الشر.

وقد حدّد لالاند الضمير بأنّه خاصية الفكر الإنساني في إصدار أحكام تقييمية، فورية ومباشرة حول القيمة الأخلاقية لبعض الأفعال الفردية المحدّدة.

 

  II.            طبيعته وعناصره:

طبيعة الضمير واسعة ومعقّدة تستوجب دراسة تحليلية للعناصر المختلفة التي تتألّف منها:

1-    العناصر العقلية: الضمير يستمدّ من العقل مبادئ الفعل الأخلاقي والقواعد الخاصة ذات الصلة بالفضائل المرغوب فيها. فالضمير يقيّم الفعل على ضوء غايات سامية ومفارقة.

2-    العناصر الإرادية: إنّ الفعل الأخلاقي يستوجب إرادة، لا في اتّخاذ القرار فحسب بل في تمييز القيم الأخلاقية أيضًا.

3-    العناصر الوجدانية: قال باسكال: "للقلب أسبابه التي يجهلها العقل." وبالفعل لا يمكن تصوّر حياة أخلاقية من دون مشاعر، وبناءً عليه ممكن أن نميّز:

أ‌-     مشاعر ناتجة من قيم على علاقة بالأخلاق مثل الشفقة والحياء...

ب‌-         مشاعر ناتجة من قيم أخلاقية خالصة، وبخاصة الروادع التي يفرضها الضمير، مثل الأسف والندم وتبكيت الضمير والتوبة.

4-    العناصر الإجتماعية: في كلّ مجتمع شكلٌ من أشكال الرقابة الإجتماعية وإن بدرجات مختلفة، إنّها تشكّل ضغوطًا إجتماعية على الفرد في بيئته وفي الوسط الذي يعيش فيه. وليس فرويد بعيدًا عن هذا المنظور فهو يردّ الضمير إلى الأنا الأعلى.

 

III.            الضمير فطري أم مكتسب؟

1- النظرية التجريبية:

يحاول التجريبيون تفسير الحياة النفسية كلّها، بما فيها الحياة الأخلاقية، من خلال ترتيب معيّن للتجارب الحسيّة، ومن دون أيّ استناد إلى العقل. إنّ الضمير بالنسبة إلى التجريبيين مكتسب والتجربة هي مصدره. هوبز يرى أنّ الضمير ينشأ من التربية ومن العادة.

نقد:

أ‌-     إنّ التجربة هي دائمًا خاصة ولا يمكنها إضفاء صفة الشمولية على القيم الأخلاقية.

ب‌-                       التربية لا تفسّر ظهور الضمير، لأنّها تفترضه موجودًا في الإنسان، هي تعطيه المضمون.

ت‌-                       العادات لا يمكنها أن تكوّن الضمير، لأنّ الإنسان بمقدوره أن يميّز الحسنة منها من السيّئة.

 

2-النظرية الإجتماعية:

يرى دوركهايم أنّ الضمير الفردي إنّما يُفهم من خلال الضمير الجمعي. فالضمير هو داخل كل فرد وخارج كلّ الأفراد. كما أنّ الأحكام الأخلاقية الجمعية مثل التنديد ببعض الأفعال والإعجاب العام ببعضها الآخر يعني أنّ هناك ضميرًا جمعيًا.

نقد:

أ‌-     يجب توضيح فكرة الضمير الجمعي، فهل يخصّه دوركهايم بمعرفة لحالاته الشخصية؟

ب‌-                       الضمير الفردي لا يمكن تفسيره من خلال تأثير المجتمع في الفرد. في الواقع، يتعارض الضمير الفردي أحيانًا مع إرادة الجماعة.

 

3-الضمير عاطفة وعقل:

يمكننا تأكيد أنّ الضمير، في الإنسان، هو عاطفة عقلانية، إنّما تجدر الإشارة أوّلاً، إلى أنّ العاطفة ينبغي ألاّ تفهم دائمًا على أنّها شعور أناني. فهي تدفع الإنسان في بعض الأحيان إلى أن يتجاوز ذاته.

 

إنّ الضمير لا يقف عن الميول؛ فهو يتفتّح أيضًا بالعقل الذي يضفي على القيمة الأخلاقية صفة الشمولية والموضوعية. وهكذا، يبدو الضمير بمثابة تجاوز للذات بالذات، التي تدرك في نهاية المطاف، لا نهائية الروح. وبهذا المعنى يمكن القول أنّها أخلاقية.

 

 

IV.            تحوّلات الضمير:

الضمير يتغيّر في الزمان والمكان:

في المكان: قد يكون ما هو مسموح في هذا البلد أو ذاك ممنوعًا في البلدان الأخرى، مثلاً تسمح بعض المجتمعات بأكل كلّ أنواع اللحوم بينما تحرّم مجتمعات أخرى أكل بعض أنواع اللحوم. ولعلّ هذا ما دفع باسكال إلى القول "ما هو حقيقة في هذا الجانب من البيرينيه، هو خطأ في الجانب الآخر".

في الزمان: إنّ بعض المعتقدات تتغيّر عبر الأزمنة والعصور:

أ‌-     كانت العبودية أمرًا طبيعيًا في الماضي، بينما أخلاقيو المجتمعات الحديثة يرفضونها رفضًا قاطعًا.

ب‌-                       تهتم المجتمعات الحديثة بكبار السنّ، بينما كانت بعض المجتمعات البدائية ترغمهم على الإنتحار.

إذا كانت تغيّرات الضمير أمرًا واقعًا، هل يمكن التشكيك بالقيم الأخلاقية؟

قطعًا لا، فبعض القيم الأخلاقية عامة لم تتغيّر عبر الأزمنة والعصور، مثل الإخلاص والوفاء... ونحن نلاحظ تقدّمًا بالنسبة إلى الأخلاق، فمفهوم الإنسان وكرامته امتدّ ليشمل المرأة والولد والعبد.

 

 V.            القيمة الأخلاقية:

يسعى الضمير إلى معرفة القيم الأخلاقية وتجسيدها عبر الأفعال الإنسانية. أمّا القيمة فهي ما يجدر بنا أن نرغب فيه. فهي من جهة ملازمة للطبيعة الإنسانية، ومن جهة أخرى مفارقة لها تفرض نفسها عليها. يجب أن أفعل هذا الأمر لأنّه خير لي، ولأنّه العدالة وهي خيرٌ بذاتها.

 

VI.            الأخلاق والحياة الشخصية:

تُفرض على الإنسان واجبات تجاه نفسه والمجتمع. ولكن إلى أي حدّ نستطيع أن نلزم أنفسنا بهذه الواجبات؟ وماذا يعني أن نحترم الآخر من خلال احترامنا لذاتنا؟

إنّ الشخص الإنساني هو أخلاقيًا كائنٌ عاقل وحرّ، ولذلك هو غاية بحدّ ذاته. نحن مسؤولون عن أنفسنا تجاه أنفسنا، بصفتنا مؤتمنين على الكرامة الإنسانية. وتتجسّد هذه المسؤولية من خلال مجموعة واجبات.

أ‌-    واجبات الإنسان تجاه الذات

1- واجبات تجاه الجسد

إنّ الحفاظ على الجسد يثير عدد من المسائل نذكر منها:

الإنتحار:

إنّه الموت الإرادي، خيار ضد الحياة. يستخدم الإنسان في الإنتحار حريته في التقليل من قيمة الحياة، ويبرّر ذلك بحجج أهمّها:

-       حق الإنسان وحريّته في التصرّف بوجوده الشخصي.

-       الشجاعة التي يستلزمها قتل الذات.

-       الإنتحار هو تضحية بالذات دفاعًا عن قضيّةٍ ما.

-       التخلّص من حياة لا معنى لها وعبثيّة.

ويرفض آخرون الإنتحار ولهم حجج في الردّ على الأوّلين:

-       ليس الإنتحار تعبيرًا عن حريّة بل نفيًا لها.

-       الشجاعة هي في اعتماد مواجهة الصعوبات لا في اعتماد الحلّ الأصعب.

-       ليس الإنتحار في سبيل قيمة عليا بقدر ما هو تعبير عن يأس وضعف.

-       إذا كانت الحياة عبثية ومجرّدة من المعنى، فإنّه ينبغي العمل على إعطائها معنًى ما.

وهكذا يمكن القول أنّ الإنتحار شرٌّ أخلاقي يُفترض إدانته، إنّه تعرّض للكرامة الإنسانية التي نحن مسؤولون عنها. وأخيرًا إنه مساس بالحياة والله وحده هو سيّد الحياة.

 

القتل الرحيم:

إنّه عملية وضع حدّ لاحتضار أو لألمٍ مبرح عبر موت محرّر. وهو على نوعين:

-       الأوّل هو الذي يتمّ بوسائل علمية لكائن غير سوي أو ميؤوس من شفائه بداعي الشفقة. إلاّ أنّ الأخلاق تدين هذا النوع باعتباره جريمة، ولأنّ الطبيب لا يملك حق حياة الآخرين، كما أنّ الحالة الميؤوس منها ممكن أن تُشفى في ظلّ التطوّر المتسارع للطبّ.

-       الثاني هو الذي يرضى به الشخص نفسه، وهو غير بعيد عن الإنتحار، وهو أيضًا مدان.

 

التنسّك:

ويقوم على تعذيب الذات وعلى تحمّل العذاب بهدف إصلاح الذات وكمالها. ينتقده البعض لأنّه:

-       يشوّه الشخصية.

-       يضعف الجسد والفكر والروح.

-       يعرّض حياة صاحبه للخطر.

-       يتعارض مع واجبات الإنسان تجاه ذاته.

-       بمثابة إنتحار بطيء.

ويدافع آخرون عنه بقولهم:

-       يختلف التنسّك عن الإنتحار بأنّه لا يرمي إلى سحق الذات بل إلى تطهيرها.

-       الإماتات الجسدية لا ترمي إلى تدمير الجسد، بل إلى تحريره والسيطرة عليه.

-       يتطلّع التنسّك من خلال الزهد بالخيرات الأرضية إلى إثراء الشخصية. ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أنّ الأخلاق تدين كلّ مظاهر المغالاة والتطرّف في النسك.

 

2- واجبات تجاه الفكر والروح

-       الواجبات ذات الصلة بالذكاء والمعرفة: يجب على كلّ فرد أن يتعلّم ويتثقّف، وله الحقّ في ذلك. من واجب المجتمع أن يقدّم العلم للجميع، وأن يلزم الجميع بالتعلّم من أجل المساواة الإجتماعية.

-       الواجبات تجاه الإرادة: على كلّ إنسان أن يطوّر استقلاله الذاتي؛ وهذا يفترض تنمية الشجاعة والقدرة على اتّخاذ القرارات والمبادرات.

-       واجبات نحو الوجدان: الإنسان ليس ملاكًا ولا حيوانًا، للقلب حقوقه شرط ألاّ يكون عبدًا لنزواته. وتتحقق الذات من خلال معرفتها لنفسها، والعمل على إنماء نفسها وتطويرها من أجل إغنائها. بالإضافة إلى تجاوز الذات بالإنفتاح على القيم الروحية وبذل الذات.

 

ب‌-                       واجبات الإنسان نحو الآخرين:

1-إحترام حياة الآخر:

مثلما نحترم جسدنا، علينا أن نحترم الآخر. لذلك تدين المجتمعات البشرية الجريمة والمعاملة السيئة للآخرين. وإذا كان خرق هذه القاعدة في حال الدفاع عن النفس مسموح، إلاّ أنّ خرقه في باقي الحالات وإن بدا مشروعًا يطرح علامات إستفهام. فعقوبة الإعدام مثلاً أصبحت مرفوضة من غالبية المجتمعات. والحرب هي دائمًا مثار جدل، وهي تنقسم إلى قسمين: الحرب الظالمة، لا يحقّ للأطراف المسؤولة شنّها ونتائجها السلبية تكون أكثر من الإيجابية. والحرب العادلة وتستوفي شروطًا معيّنة هي: لها قضية عادلة، يقوم عليها إجماع، تدافع عن حقوق سُلبت، استنفدت الوسائل السلمية، نتائجها الإيجابية تفوق السلبية. على رغم ذلك، يرفض كثيرون الحرب لو مهما كانت أسبابها ومبرراتها، خصوصًا وأنّها تثير اليوم مشكلة جديدة بين الدولة والأفراد حول: ما هي الشروط والحدود التي تسمح بإرغام الأفراد على الإشتراك في الحرب؟

2-إحترام حرية الآخر:

تتلخص في أنّه واجب علينا احترام ممتلكات الآخرين.

 

خلاصة:

يمكننا أن نخلص إلى بعض المبادئ الفلسفية التي يصحّ اعتبارها دليلاً علميًا للضمير في خياراته:

-       تعتبر الأخلاق الإنسان غاية لا وسيلة.

-       كل مجتمع يعبّر عن احترامه للشخص من خلال قواعد عملية معيّنة.

-       على الإنسان واجب الطاعة لضميره.

 

damir cours 2.docx damir cours 2.docx
Size : 0.031 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola