­العلم والمنهجية العلمية:

 

تعريف:

العلم، في اشتقاقه اللغوي، (اللاتينية والعربية)، هو من علم أو عرف. فهناك أنواع من المعارف ولا يمكن اعتبارها جميعها معارف علمية. العلم، هوالمعرفة التى تتّسم بتحديد أو شروط معينة منها: موضوعية اكيدة دقيقة، وضعية، ويمكن التحقق منها واعادة اثباتها على نحو مطرد. في العلم موضوعات، ومنهج، ونتائج.  المنهج هو الخاصية الأساسية التي تسمح لنا بالتمييز بين المعرفة العلمية والمعارف غير العلمية. العلم، وإلى حد كبير ‏هو المنهج.

      I.            تصنيف العلوم:

أولى محاولات التصنيف الكبرى المنهجية هي تلك التي استخدمها الفيلسوف اليوناني المعلم الأول، أرسطو

‌أ-        علوم المنطق(logique)  موضوعها المبادئ الأولى وقوانين التفكير السليم.

‌ب-    علوم الطبيعة وموضوعها الطبيعة.

‌ج-     علوم ما بعد الطبيعة. وموضوعها القضايا والأسئلة التي تقع «بعد» الطبيعة المحسوسة.  

‏ظلّ هذا التصنيف مستخدما إلى مطالع عصر النهوض الأوروبي.

المحاولة الثانية  لتصنيف العلوم هى تلك التى أرساها المفكر الفرنسي، أوغست كونت فرتبها من الا‏دنى إلى الأعلى من حيث درجة تجريدها وتعقيدها. وجعل كل علم يؤسس لما بعده كما يلي:

أ- الرياضيات: أولى العلوم وعمودها الفقري ولغتها.

ب- الفلك: يقوم على الحسابات الرياضية.

ج- الفيزياء: حاصل علمي الفلك والرياضيات في الأساس.

د- الكيمياء: تستند إلى معطيات الفيزياء وما قبله.

ه- البيولوجيا: ذروة ما سبقها من عناصر طبيعية وفيزيائية وكيميائية.

و- السوسيولوجيا أو «الفيزياء الاجتماعية» في تعبير كونت، ذروة السلسلة قاطبة وما بلغته من مباحث ونتائج.

‏ ذروة هذا التصنيف هو السوسيولوجيا أو العلم  ‏الاجتماعي الذي يطبق في دراسة المجتمع النتائج التي كانت بلغتها العلوم السابقة له. انّ التصنيفين السالفي الذكر هما وجهتا نظر. وعلى ذلك تعددت حديثا محاولات تصنيف العلوم، واعتمادا على معايير تصنيف مختلفة لعل اهمها او اكثرها قبولا هي التي تصنف العلوم بحسب تاريخها ومناهجها وموضوعاتها. فالعلوم من حيث تاريخها، نشأت وتطورت من علوم عملية، تستجيب لحاجات الإنسان اليومية والعملية الملحّة علوم نظرية تعنى بالانسان والمجتمع ( كعلم النفس وعلم الاجتماع ). والعلوم، من حيث مناهجها، هي إما علوم مجردة وتحليلية أوعلوم تجريبية وتركيبية. أما من حيث موضوعاتها، يمكن تقسيم العلوم إلى أربع فئات أو مجموعات:

‏_ العلوم الرياضية.

‏_ العلوم الطبيعية الفلك، الفيزياء، الكيمياء، الميكانيكا.

‏_ العلوم البيولوجية.

_العلوم الإنسانية والاجتماعية: علوم الفلسفة، الاجتماع، النفس، الاقتصاد، الإعلام، التربية الخ. . .

       هذه المحاولات التصنيفية لا تعدو كونها اتجاهات في ترتيب العلوم لكن التفكير الابستمولوجي المعاصر، يمارس نقدا حادا لمفهوم « العلم». يرى ممثلو هذا التفكير وأهمهم ممثلو «الوضعية المنطقية» كارناب، وراسل، وفيتغنشتاين انه من الضروري التمييز بين ما هو علم وما هو خارج العلم، وذلك من خلال التمييز بين نوعين من القضايا: القضايا العلمية ذات المعنى‏، مثل القضايا التركيبية (قضايا علوم الطبيعة) أو التحليلية (قضايا الرياضيات) والقضايا الأخرى، غير العلمية والفارغة من كل معنى، مثل القضايا الميتافيزيقية، وهي ليست موضوعا للعلم. يقول كارناب Carnap  في مفهوم « العلم » هذا: إن المنطق، منطق العلم، قد أصبح ناضجا لكي يتحرر من الفلسفة. وعلى ذلك فالعلوم معنية فقط بالمعارف التي تسجل الظواهر ومعطيات التجربة لا اكثر ولا أقل. وإذا كان من دور للفلسفة فهو تحليل صور اللغة والتفكير، اي تحليل الطريقة التي نتحدث بها عن الأشياء، لا تحليل الأشياء نفسها. وبهذا المعنى فهي فلسفة علمية مقبولة. هذا النقد العلمي الصارم يحتمل بدوره النقد. لكن قصر وظيفة العلم على تسجيل صور معطيات الأشياء، لا الأشياء نفسها، والعلاقات المنطقية بينها يعني قطع الصلة بين العلم وعالم الأشياء الطبيعية، وتحويل العلم الى تحليل مجرد لصور الذهن، لا للاشياء. أي تحويل العلم الى منطق صوري شكلي اصطلاحي ورمزي. ان صور مثل هذا المنطق صحيحة وخالية من الاخطاء، لكنها لا تكتشف جديدا، لا تضيف شيئا ولا تصل الى نتائج أو قوانين، ولا تقدم معرفة عملية نافعة. وعلى  ذلك فقضايا العلم تحتاج إلى الدقة والصرامة والتصحيح المستمر.

   II.            منهجية العلم:

‏‏       تتباين تقنيات المنهج العلمي بين حقل وﺁخر، إلا أنه يمكن رسم صورة المنهج العلمي كما يمارسه العلماء في المختبر او في الحقل. فكل ما هو علم يجب ان يستند كليا إلى منهج علمي. والمنهج العلمي هذا يجب ان يترجم في مجموعة خطوات وا‏جراءات محددة.

أ-الملاحظة والمشاهدة(observation)

       يبدأ البحث العلمي بالملاحظة الحسية، ­وعليه فكل مراقبته أو مشاهدته، لا يمكن ‏بحثه في العلم. والمشاهدة لكي تكون علمية يجب أن تكون قابلة للتكرار، (باستثناء واقعة نشوء الكون)  لا تكتسب المراقبة أو نتائجها صفتها العلمية إلا إذا تمكن العلماء من تكرارها، على نحو مستقل وبلغوا النتائج نفسها.

ب- المشكلة موضوع البحث (problème)

       بعد المشاهدة أو المراقبة يمكن أن نصل إلى المشكلة موضوع البحث: كيف تحدث تلك الظاهرة؟ ما الذي يجعل ذلك يحصل بهذا الشكل أو مع هذه الظروف؟ وهكذا تنشأ قضية او مشكلة او سؤال علمي يحتاج إلى حل او اجابة. وكما ان للمراقبة العلمية شروطا، كذلك للسؤال العلمي شروط معينة هي التي تميزه من السؤال غير العلمي، أي ذلك الذي لا يوصل البحث فيه الى نتيجة، أو لا يمكن البحث العلمي فيه. وأخص هذه ‏الشروط اثنان:

أ‌-     انه سؤال منسجم، ذو معنى، وغير متناقض.

ب- إنه بالامكان البحث علميا عن إجابة أو حل له.

       لذلك يبحث العلم في الأسئلة الواضحة، غير المتناقضة، والتي يمكن إخضاعها لأدوات البحث العلمي وشروطه. فالعلم يبحث «كيف» تحدث الظواهر او الاشياء، «لماذا» تحدث، «وغاياتها»، فسؤالان متروكان للفلسفة، للبحوث الماورائية، لعلم الأخلاق الخ. . .

ج- تشكيل الفرضية (hypothèse)

       بعد المشاهدة والمراقبة، يمكن للعالم ان يفكر في فرضية ما او ان يقترح هذه الفرضية، وهي ما يمّيزه عن الإنسان العادي. وللفرضية كذلك شروط، ‏ومن شروطها أن تكون :

‏_ واضحة، دقيقة 

_غير متناقضة

‏_ان تسعى، للإجابة عن سؤال واحد لا اكثر

‏_ان تصاغ بأقل عدد ممكن من الكلمات 

‏لانه قد يكون هناك عدد كبيرمن الأجوبة المحتملة، عندها يضطر العالم أن يخضع الأجوبة المحتملة للتجريب او للاختبار.

‏ د- التجربة او الاختبار

تحتاج الاجابة المفترضة كيما تكون علمية، وصحيحة، الى اثبات او دليل. التجربة او الاختبار اذا هو الطريق للتثبيت من الاجوبة الصحيحة لكن التجربة او الاختبار ليس مجرد تحقق نجريه مرة واحدة لنصدر حكمنا العلمي. هو بالعكس سلسلة طويلة من الاجراءات المعقدة التي تبدا بالتفكير في التجربة، ثم تحديد عناصرها، وتنظيم اجراءاتها وتنفيذها، ومراقبة نتائجها وتصنيفها. «هي وضع اصطناعي، ينظمه الباحث، (اي اصطنعه الباحث او فريقه وليس معطى كما هو من الطبيعة) ويسيطر عليه، بهدف الاجابة عن سؤال محدد.»  ما يجري مصادفة، ليس من التجربة العلمية في شيء.  والإختبارات العلمية تختلف من حقل علمي الى حقل آخر، لكنها تتبع عموما الشكل المرجعي التالي: مقابلة مجموعتين متطابقتين في كل شيء.

ﻫ- النظرية العلمية (théorie)

فرضيتنا تتحول، الى نتيجة علمية؛ وتتحول إلى نظرية يبنى ‏عليها كحقيقة صادقة. هذه المنهجية العلمية التي تمارس عموما في العلوم الطبيعية والبيولوجية، تخضع لتعديل آخر في حقل العلوم الرياضية، فالعلوم الرياضية تبحث في المقادير المجردة وعلاقاتها وصورها، بمعزل عن أصولها «الحسية». تعتمد المنهجة الرياضية على الاستنباط المنطقي للقضايا والنتائج، انطلاقا من مقدمات وتعاريف ومسلمات اصطلاحية، ومستخدمة الأدوات المنطقية في التحليل والتركب والبرهان. ومع ذلك على صلة بالحس والتجربة الحسية، في نقطة ما، أو بشكل ما.

III.            ‏ الروح العلمية وشروطها

       يعتقد أوغست كونت أن الروح العلمية هي ذروة تطور التفكير البشري، حيث ترسخ التفكيرالوضعي. ويرى كونت ان التفكيرهذا قد مر بثلاث مراحل متعاقبة:

‏_ المرحلة التيولوجية (الدينية)

‏­_ المرحلة الميتافيزيقية (الفلسفةالاونطولوجية)

_ المرحلة الوضعية (العلمية)

       أما المرحلة الثالثة لم تعد مفارقة للطبيعة، بل اصبحت تفسيرات جزئية محددة لظواهر محددة. يمكن نقد نظرية «كونت» هذه فقد كان هناك دوما أشكال متعايشة من أنواع التفكيرالثلاثة: التيولوجي، الميتافيزيقي والعلمي. إلا أن شيئا مما يقوله «كونت» صحيح. بمعنى أن السمة الغالبة على التفكيرالعلمي منذ القرن التاسع عشر هي الوضعية، أي التي ترد كل الموضوعات إلى معطيات حسية جزئية يمكن مقاربتها بأدوات استقرائية وتجريبية جزئية. هذا التفكيرالعلمي أو الروح العلمي يتميز بخصائص أو شروط محددة أخصها خمسة:

أ- هو تفكير حر، أي أن لا يبدأ أو يخضع لأية قبليات (a priori) او مبادىء او معتقدات مسبقة او مطلقة.

‏ب- هو تفكير وضعي، يدرس المعطيات الطبيعية المحسوسة ويبحث عن تحولاتها وعلاقاتها وأسبابها في ظواهر أخرى فى الطبيعة نفسها.

‏ج- هو تفكير نقدي، لا يقبل أية نتيجة أو فرضية كحقيقة علمية إلا بعد نقدها  والتأكد منها. 

‏‏د- هو تفكير موضوعي، هو لا يجد في  الواقعة أو الظاهرة اكثر مما فيها على وجه الدقة، كل العوامل «الذاتية»: مثل الميل والهوى والاعتقاد والتعود والمصلحة والتعصب. 

‏ﻫ- الاستناد إلى وحدة الطبيعة وحتميتها. تتعرض شروط التفكيرالعلمي أو الروح العلمية للنقد. فالموضوعية في البحث العلمي مطلب ولكن دونه صعوبات. 

 

Make a free website with Yola