الدولة: نشأتها، عمرها، أطوارها، أسباب انهيارها.

 

1-           مفهوم الدولة وأنواعها:

هي تعاقب الحكام على شكل سلالة حاكمة، أكثر منها شكل تنظيم سياسي. والدولة أحيانًا أخرى تعني، عند إبن خلدون، الوازع (الرادع) في المجتمع الحضري. إنّها المُلك التام الذي لا يكون فوقه حكم آخر، وهي قد تجمع تحت حكم واحد عدّة أقوام وعدّة ملوك على تلك الأقوام. وبهذا تتميّز الدولة عن الرئاسة والمُلك. ويميّز إبن خلدون عدّة أنواع من الدول أهمّها: الدولة الكليّة أو العامّة، الدولة الشخصيّة.

 

2-           نشأة الدولة:

يرى إبن خلدون أنّ "نشأة الدولة، وبدايتها، إذا أخذت الدولة المستقرّة بالهرم والإنتقاص على نوعين":

أ‌-     باستبداد الولاة في الأطراف حين يتقلّص ظل الدولة العامّة عن هذه الأطراف النائية. "فيكون لكلّ واحد منهم دولة يستجدّها لقومه".

ب‌-     هو عندما تتوق إحدى العصبيّات، التي تحقّقت لها الغلبة داخل بيوت القبيلة، إلى التغلّب على دولة متاخمة لها في مركزها، فتستولي عليها كما حصل مع الفتح العربي، إلاّ أنّ هذا التغلّب لا يتمّ إلاّ بشرطين: الأوّل قوّة الغازي، والثاني ضعف الدولة.

              ثمّة نوع ثالث لنشأة الدولة يتمثّل في انتقال المُلك من عصبيّة خاصّة إلى عصبيّة أخرى داخل العصبيّة العامّة. وبيانه أنّ الملك، عندما يستبدّ بالعصبيات الأخرى لينفرد بالمُلك، يبقى هؤلاء يتجنّبون الفرص للإستيلاء على المُلك. ويكون لهم ذلك عندما تضعف عصبيّة هذا الملك.

              وتجدر الإشارة هنا إلى الأثر الذي يلعبه الدين في نشأة الدولة واتساع نطاقها: إنّه يذهب بالتنافس والتحاسد ويوحّد القلوب، فيضاعف قوّة العصبيّة بحيث يستطيع أهلها التغلّب على العصبيات الأخرى المكافئة لها أو الأقوى منها. لذلك فإنّ أكثر الدول اتساعًا وأقدرها على الإستيلاء هي التي تقوم على الدين والعصبيّة معًا، لأنّ "الدول العامّة الإستيلاء العظيمة الملك، أصلها الدين إمّا من نبوّة أو دعوة حقّ".

 

3-     عمر الدولة:

              تستند نظرية عمرالدولة إلى نظرية الحسب، أي نظرية الآباء الأربعة في الحسب الواحد: الباني، المباشر، المقلّد، الهادم. وهكذا يكون للدولة عمرٌ كالأشخاص، وهو لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال:

أ‌-     الجيل الأول: لم يزالوا على خُلق البداوة وخشونتها وتوحّشها، فلا تزال بذلك سَورة العصبية محفوظة فيهم.

ب‌-     الجيل الثاني: تنكسر سورة العصبيّة بعض الشيء بسبب انتقالهم من البداوة إلى الحضارة وبسبب الرفاهية والترف.

ت‌-     الجيل الثالث: "ينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العزّ والعصبيّة". فإذا اعتدى عليهم مطالب لم يبدوا مدافعة. حتى يتأذّن الله بانقراض الدولة.

              ويضيف إبن خلدون أنّ عمر هذه الأجيال الثلاثة مائة وعشرون سنة، والدول لا تعدو في الغالب هذا العمر إلا في حال عدم وجود مطالب، فتستمرّ عندئذٍ رغم هرمها. وقد تنبّه إبن خلدون إلى أنّ نظريّته في عمر الدولة لا تنطبق إلاّ على عدد محدود من الدول وملوك الطوائف، فعمد إلى تصحيحها وإكمالها بالقول:

1- إنّه يمكن إضافة عمر آخر إلى عمر الدولة، إذا قام صاحبها باختيار أنصار من غير عصبيّته ممّن تعوّدوا الخشونة، فيتّخذهم جنودًا يكونون أصبر على الحرب وأقدر على معاناة الشدائد. "ويكون ذلك دواءً للدولة من الهرم".

2- إنّ عظم الدولة واتّساع نطاقها وعمرها إنّما هو على نسبة القائمين بها. وذلك أنّ الدولة العامة كلّما كانت عصبيّتها أكثر، كانت أوسع ملكًا وأطول أمدًا.

 

4-     أطوار الدولة:

              تمرّ الدولة في أثناء هذه الأجيال الثلاثة في خمسة أطوار يكتسب القائمون بها في كلّ طور خلقًا من أحوال ذلك الطور:

أ‌-     الطور الأوّل: طور الظفر بالبغية والإستيلاء على الملك، يتمّ التغلّب على المدافع والممانع. فيُنتزع المُلك من الدولة السابقة ليُصار إلى تأسيس دولة جديدة.

ب‌-     الطور الثاني: طور الإستبداد والإنفراد بالملك، إنّ صاحب الدولة، ينزع إلى الإنفراد بالملك وكبح قومه عن التطاول للمساهمة والمشاركة. وإذا تمّ له ذلك وخَلُص الملك له، تدخل الدولة في الطور الثالث.

ت‌-     الطور الثالث: طور الفراغ والدعة، ينصرف فيه اهل الدولة إلى تحصيل ثمرات الملك، بعد أن استتبّ لهم الأمر وفرغوا من المتاعب ونعموا بالراحة والدعة.

ث‌-     الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة، يكون فيه صاحب الدولة قانعًا بما بنى الأوّلون، مسالمًا لنظرائه من الملوك. في هذا الطور يبدأ الركود في الدولة لأن التقليد هو المؤذن بانهيار هذه الدولة.

ج‌- الطور الخامس: طور الإسراف والتبذير، فيه يكون صاحب الدولة "متلفًا لما جمع أوّلوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم، فيدبّ الإنحلال في الدولة ويصيبها الهرم.

 

5-     إنهيار الدولة:

              للدولة كما للأشخاص، عمرٌ طبيعي يبدأ بسنّ التزيّد (يوافق الطورين الأولين)، ثمّ سنّ الوقوف (يوافق الطور الثالث)، ثمّ سنّ الرجوع (يوافق الطورين الرابع والخامس). ويكون الهرم في الدولة بأحد وجهين: الأوّل أن يصيبها مباشرةً في مركزها فتنقرض دفعة واحدة. والثاني أن يبدأ من الأطراف ثمّ ينتقل إلى المركز فتبدأ بالإنقسام إلى دويلات ثمّ تنقرض.

وحول كيفية طروق الخلل للدولة يقول إبن خلدون: "إنّ مبنى الملك على أساسين لا بدّ منهما. فالأوّل الشوكة والعصبيّة وهو المعبّر عنه بالجند، والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال:

أ‌-     الخلل في الشوكة والعصبية:

          عندما يشعر أبناء العصبيات الأخرى بضعف عصبية الملك، "يتجاسرون عليه وعلى بطانته تجاسرًا طبيعيًا، فيهلكهم صاحب الدولة ويتّتبعهم بالقتل واحدًا بعد واحد". وبهلاك هؤلاء تقلّ الحماية بالأطراف والثغور، وتتجاسر الرعايا فيها على العصيان والدعوة إلى الإنفصال.

ب‌-     الخلل من جهة المال:

          إنّ الدولة في أوّلها تكون بدوية، ثمّ مع حصول الإستيلاء واستفحال الملك يكون الترف حيث يكثر الإنفاق، ويدعو ذلك في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدولة. ثمّ يتعاظم الترف أكثر ويزداد الإسراف، فيعمد صاحب الدولة إلى ضرب المكوس على البضائع لسدّ هذه النفقات المتزايدة، وهكذا يستمرّ الترف في التزايد وتزداد بذلك الحاجة إلى المال. وفي الوقت نفسه يتجاسر الجنود على الدولة عندما يستشعرون الهرم الذي يحصل لها والفشل الذي لحقها، فتسترضيهم "بسكينة العطايا وكثرة الإنفاق فيهم".

وبما أنّ الوهن يكون في هذا الطور قد لحق العصبيّة، فإنّ صاحب الدولة يعمد إلى مداراة الأمور ببذل المزيد من الأموال "قتعظم حاجته إلى الأموال.. ويعظم الهرم بالدولة ويتجاسر عليها أهل النواحي، والدولة تنحلّ عراها في كلّ طور من هذه إلى أن تفضي إلى الهلاك.

 

6-     قيمة نظرية العصبيةّ:

          كان إبن خلدون بمنتهى الواقعية في بحثه عن طبيعة الرباط الإجتماعي، لا كما يريده أن يكون، بل كما هو قائم فعلاً في واقع الحياة الإجتماعية. وقد تبيّن له أنّ العصبيّة هي الرباط الإجتماعي الطبيعي والواقعي.

          بناءً على ذلك، لا يقتصر دور العصبية على الحياة البدوية، بل يتعدّاها إلى مرحلة الإنتقال من البداوة إلى الحضارة، ثمّ إلى الحياة الحضريّة نفسها. إنّه دور أساسي على شتّى الصعد:

أ‌-     في البداوة: لا تستقيم الحياة في البادية من دون عصبية.

ب‌-     في الرئاسة: العصبية الأقوى هي التي تتغلّب على العصبيات الأخرى وتستتبعها، فتكون لها الرئاسة.

ت‌-     في الملك والدولة: لا ينشأ ملك إلاّ بالتغلّب، والتغلّب إنّما يكون بالعصبية.

ث‌-     في عظم الدولة واتساعها: يرتبط ذلك بقوة عصبيتها وبقدرتها على حماية أطرافها والمدافعة عن ثغورها.

ج‌- في عمر الدولة وأطوارها.

ح‌- في انهيار الدولة.

خ‌- في الدين: العصبية القوية تساعد على انتشار الدعوة الدينية.

 

7-     إبن خلدون وعلم الإجتماع:

              يعتبر معظم الباحثين، وبخاصة الغربيين منهم، أنّ أوغست كونت هو مؤسس علم الإجتماع لأنّه أوّل من نظر إلى المجتمع ككلّ واتخذه موضوعًا لعلم مستقلّ؛ ولأنّه من جهة ثانية أوّل من استخدم مفردة "سوسيولوجي" لتسمية هذا العلم.

              بناءً على هذا المقياس يجب التوقّف عند ما قام به إبن خلدون. فقد كانت "مقدّمته" محاولة ناجحة لاستحداث علم جديد ليس سوى علم الإجتماع. وبالفعل فإنّ إبن خلدون:

أ‌-     أدرك ماهية العلم الجديد الذي اكتشفه وموضوعه الخاص به. فهو يقول: "وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا، وكأنّ هذا علم مستقلّ بنفسه، فإنّه ذو موضوع وهو العمران البشري والإجتماع الإنساني".

ب‌-     أدرك أيضًا أنّه لم يستكمل القول في هذا العلم، ولم يدرس موضوعه بكامله، ولا اكتشف قوانينه كافة. فهو يقول:"وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره، فللناظر المحقق إصلاحه، ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق".

ت‌-     أدرك بخاصة أنّ الظواهر الإجتماعية، موضوع هذا العلم الجديد، ليست خاضعة لمزاج الأشخاص ولا للصدف؛ بل لها علل واسباب تعود إلى طبائع العمران واسبابه.

              خلاصة القول: إنّ أثر إبن خلدون لم يكن موضع دراسة دقيقة في القرون السابقة، ولو أنّ مقدّمته لقيت الإهتمام الذي تستحقّ؛ لكان علم الإجتماع الحديث تقدّم بخطى أسرع ممّا تقدّم به فعلاً.

 

Make a free website with Yola