الحقوق والواجبات (العدالة)ـ 

الحقوق والواجبات

 

مقدمة

ما للإنسان عدلاً فحقّ وما عليه فواجب. وهما متلازمان، فكلّ حقّ يستلزم واجبًا، بل واجبين: واجب على الناس أن يحترموا حقّه، وواجب على ذي الحقّ نفسه أن يستعمل حقّه لخيره وخير الناس. فإن قال القانون: "لكلّ مالك أن يتصرّف في ملكه كما يشاء" قالت الأخلاق: "ليس للمالك أن يتصرّف إلاّ بما فيه خير له وللناس".

 

     I.            نشأة الحقوق والواجبات

نشأ الحقّ من ضرورة تنظيم العلاقات بين الناس. ومن هنا، فهو يعتبر بمثابة جهد لتقويم الإنسان في الإتّجاه الصحيح ضدّ أنانيّته الشخصيّة، بواسطة قوانين مستقيمة تُطبّق على الجميع.

من هنا يعترف أرسطو بأنّ النشاط الإنساني لا ينتج ضرورةً من حاجة العيش فقط؛ لأنّ الإنسان قادر على أن يقوم بأفعال سامية خصوصًا في مجال الأخلاق، ومنها:

نشاط التجاوز أو الإرتقاء حيث يطالب الإنسان بالإعتراف به في علاقاته بالآخرين. ولكون البشر مركّبين في طبيعتهم على الخطأ والصواب، لا بدّ من وجود كابح لأفعالهم، ولا سيما الأفعال التي فُطروا عليها مثل: العدوانية، والعنف، والحقد، والتي تجعل الحياة غير محتملة. كما أنّ مقابل ذلك، لا بدّ من العمل على إنماء الأعمال التي تقوّي التعاون بين الناس مثل: الصداقة والعلاقات المتبادلة التي تجعل الحياة أكثر محبة. كما يفرض الحقّ واجبات ليؤمّن السلم في العلاقات داخل مجتمع محدد، فيصبح هو سبيل السلم.

 

  II.            الحق عند هوبز وسبينوزا

حصر المفكران الحالة الطبيعية للإنسان بحالة بدائية، حيث كان يتصرّف كحيوان تقوده أنانيته الطاغية، ويتحرّك الناس من حوله بالقابلية والرغبة، وينزعون بعنف إلى امتلاك كلّ الخيرات المادية. ومن هنا جاء حكم هوبز "الإنسان ذئب للإنسان". في الحالة البدائية لا مكان للعدالة والسلم، فالعنف هو الذي يطغى.

هوبز: يزعم أنّه خوفًا من الموت، يتخلّى الناس الضعفاء عن جميع حقوقهم لواحدٍ منهم، لكي يجعل الأمن مستتبًّا. وبهذه الطريقة تؤمّن إرادة الملك الحقّ بالقوّة، ويبقى الحاكم في الحكم إلى أن يُقلب بالقوة.

سبينوزا: يرى أنّ في وضع الطبيعة، يلعب العقل عبر الحيلة والشراسة لخدمة الشهوة، فتستمر النزاعات. ومع ذلك، تظهر ومضة عقل، ويتفق البشر على ميثاق هو "لا نعمل للآخرين ما لا نريد أن يعملوه لنا". إنّ واقع العقل يفرض على الجميع أن يسلكوا، أو أن ينقلوا حقّهم إلى شخص أو إلى جماعة تتولّى السلطة السياسية، وتكون مصدر كلّ حقّ وقانون.

 

III.            روسو

يرفض روسو فكرة الحق للأقوى، ويعتبرها أمرًا متناقضًا في ألفاظه؛ وذلك لأنّ سلطة مؤسسة على القوة وعلى العنف لا تبرير شرعي لها، إذ تبقى دائمًا مؤسسة على قمع ضاغط. يتابع روسو أنّه في حال كانت القوة هي التي تؤسس الحق، فإنّ كلّ قوّة تقوى على الأولى تخلفها في تأسيس الحق. كما يؤكّد روسو أنّ قوة الدولة تقتضي أنّ الذين يتمتّعون بالسلطة يتمكنون من تقديم الحجج التي تجعل امتلاكهم لهذه القوة بين أيديهم امتلاكًا شرعيًا وعمليًا. لذلك نجد الأنظمة الديكتاتورية تجهد دائمًا لتجعل وصولها إلى السلطة بالعنف شرعيًا.

 

IV.            القانون الوضعي

عمليًا في كلّ مجتمع منظّم، يُعرّف القانون بمثابة مجموعة منظمة من القواعد التي تحكم الحياة في المجتمع.

 

 V.            مفهوم الحقّ والأخلاق

إنّهما مفهومان متقاربان ومختلفان في نفس الوقت:

الحق: بمعنى الحق الموضوعي الذي يأمر، يسمح أو يحرّم أفعالاً لها طابع إجتماعي، خاضعة لمراقبة السلطة.

الأخلاق: فليست مجموعة محرّمات تحدّ من الحريّة الفردية، وإنّما هي الضمير سواءٌ أمر بفعلٍ صالح أو حرّم عملاً شريرًا.

VI.            وجوه الإختلاف بين القانون والأخلاق:

أ‌-    الأخلاق تنظّم العلاقات بين الإنسان والله، وبين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والآخر. وأمّا الحقّ فلا يُعنى بالواجبات الأخلاقية التي تتجاوز المجتمع إلاّ في حال أثّر عدم إتمامها تأثيرًا سيئًا في المجتمع.

ب‌-                        الأخلاق لا تحكم الأفعال فقط، بل أيضًا تصل إلى النيات، حتى لو بقيت متخفية، بينما الحقّ ينحصر في السلوك الخارجي فقط.

ت‌-                        إنّ مبدأ الخلقية موجود في ضمير الإنسان الخلقي، فيما القانون مفروض من الخارج.

ث‌-                        لا قمع في القاعدة الخلقية، بينما قاعدة القانون تترافق دائمًا مع العقاب.

 

VII.            وظائف القانون

أ‌-      وظيفة إستتباب السلام: إنّ مهمة القانون الأساسية هي حلّ المشاكل التي تنشأ بين البشر، حيث يضع القانون شرائع عامة تلغي اللجوء إلى العنف.

ب‌-                        وظيفة الحماية: يحمي القانون عمليًا الحريّات الفردية، ويحافظ على إنسانية الإنسان.

 

VIII.            القانون والعدالة

إنّ العلاقات بين القانون والعدالة يمكن اعتبارها من ثلاثة وجوه:

أ‌-     العدالة بمثابة مبدأ أو قاعدة أساسية للقانون: وبالفعل فإنّ العدالة هي الصفة الجوهرية للقواعد الشرعية؛ وتفرض ثانيًا تنظيمًا للحريّة، عندما تتساوى حريّة كل شخص بحرية الآخرين. وتفرض ثالثًا المساواة بين جميع الناس.

ب‌-                        العدالة بمثابة احترام للقانون وتطبيقه: ينتج أوّلاً المساواة في الواجبات والحقوق، وثانيًا تطبيق القانون بطريقة غير منحازة على جميع الأشخاص. وثالثًا أن تكون الخيرات والوظائف والمهمات مفتوحة مبدئيًا للجميع من دون تمييز.

ت‌-                        العدالة بمثابة معيار لنقض أخلاقي لقواعد القانون.

 

IX.            أشكال العدالة

يرى أرسطو بأنّه يمكن التمييز بين ثلاثة أشكال للعدالة:

أ‌-     العدالة التبادلية: وهذه العدالة تعتني بملكيات الأشخاص، وبالعقود والديون. وقاعدة هذه العدالة هي المبادلة والتبادل والمساواة بين الناس.

ب‌-                       العدالة التوزيعية: أن يُعطى لعضو الجماعة ما يحقّ له أن ينتظره من الخير العام الذي هو جوهريًا لمساعدة أعضاء الجماعة.

ت‌-                       العدالة الجزائية: والمساواة هنا تُخضع العقوبة لجسامة الجريمة.

 

  X.            القانون والواجبات

الواجب الأساسي على الإنسان هو في وجوده مع الآخرين، وبالتالي يجب عليه أن يعترف بذاته وبالآخرين. وعلى الإنسان أن يهتمّ بالعدالة، كما يسعى إلى ما هو عادل، لأنّه عادل وليس خوفًا من العقوبة. وإذا كان في موقع السلطة العليا، فعليه أن يتصرّف وفقًا للعدالة الموضوعية، فلا يظلم على الإطلاق.

 

XI.            الواجب الخلقي

يدرك الإنسان أنّ واجباته ليست كلّها خاضعة لقواعد قانونية موضوعة، إنّما هنالك واجبات خلقية مفروضة عليه يؤدّيها طواعية.

مصدر هذا الواجب: إختلفت الآراء حوله.

الرواقيون يجدونه في اللوغوس الذي ينظّم الكون، ويعطي الإنسان العقل؛ والقدرة على اكتشافه هي مصدر هذا الواجب.

الديانات التوحيدية ترى أنّ الله هو الذي أوصى الإنسان بواصاياه.

التجريبيون والحسيّون والسوسيولوجيون يجدون مصدر الواجب المجتمع نفسه الذي يوصل الشريعة إلى الأفراد عبر التربية.

أمّا كنط فيرى أنّ الإنسان الفرد الكائن الحر العاقل يُعتبر الأساس للواجب، والمبدأ الأسمى للخلقية.

 

XII.            الواجبات المختلفة

يمكن التمييز عمومًا بين الواجبات التامة التي تفرض على جميع الناس بالتساوي، والواجبات التي ليست بتامة والتي تترك المجال لذكاء الأشخاص مثل واجب إنماء الطاقات الشخصية. من هنا فإنّ مفهوم الواجب يتضمّن إطار علاقات، فالواجب مفروض دائمًا بالعلاقات الإنسانية، لأنّ البشر عليهم واجبات الواحد تجاه الآخر.

 

7oukouk wa wajibat cours 2.docx 7oukouk wa wajibat cours 2.docx
Size : 0.03 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola