الحريّة والتقدّم         المرجع: الكافي في الفلسفة  العربية، دار الفكر اللبنانيّ

مقدّمة عامّة:

كان الغرب يحقّق إنجازات حضاريّة وسياسيّة وعلميّة واقتصاديّة مهمّة، في الوقت الذي كانت تركيا غارقة في التخلّف والفساد، وأدّى الظلم الذي مارسه الأتراك ضدّ العرب إلى قيام حركات مناوئة للسلطة المركزيّة، وإلى تحريك الوعي العربيّ لمواجهة الظلم والتخلّف، ولعب توجّه الغرب نحو الشرق عبر الإرساليات، وعبر الحضور الاستعماري دورًا في دفع ذلك الوعي إلى مواجهة مشكلاته بجديّة، وكان للصحافة دور مهمّ في توسيع رقعة هذا الوعي وإيقاظ الرغبة في الحريّة والتقدّم. وشكّلت هذه الأهداف الأبعاد الأساسيّة لنهضة عربيّة تكون بديلاً للحاضر المرسوم بالظلم والتخلّف.

لقد انقسم النهضويّون بين وجهات نظر متعارضة في جانب منها، وخصوصًا فيما يتعلّق بدور الدين في النهضة، ومتوافقة في جانب آخر فيما يتعلّق بالتحوّل نحو العلم  والإفادة من الإنجازات الغربيّة في هذا المجال، وامتدّت الخلافات لتطال الموقف من تركيا؛ إذ رأى فريق أنّ الإصلاح ممكن في ظلّ عمليّة إصلاح تتناول السلطة التركيّة الحاكمة، ورأى فريق آخر أنّ تركيا هي علّة التخلّف والظلم، ولا يمكن للعالم العربيّ أن يحقّق الحريّة والتقدّم إلاّ بالاستقلال عنها.

أوّلاً: عبد الرحمن الكواكبي وثنائيّة الحريّة والتقدّم:

مقدّمة

وجد الكواكبي نفسه أمام ثلاث جبهات صعبة هي: الاستبداد التركيّ، والتخلّف الذي تعاني منه بلاده، والحضارة الغربيّة الغازية، فاختار طريق مقاومة الظلم والاستبداد، فاضطهده الأتراك لحريّته في القول والكتابة.

لم ينكفئ الكواكبي إلى التراث، ولم ينبهر بالحضارة الغربية، بل حاول التوفيق بينهما، فاطّلع على كتاب "أليغاري" الإيطالي عن الاستبداد، وعلى أفكار فلاسفة الثورة الفرنسيّة، واستفاد منها في صياغة أفكاره الإصلاحيّة، بعد تعديلها بما يتناسب والعقليّة الإسلاميّة.

تشخيص داء الأمّة

رأى الكواكبي أنّ معرفة داء الأمّة هو المدخل إلى الإصلاح، فاستحضر لمؤتمر "أمّ القرى" مسلمين من مختلف الأقطار الإسلاميّة، ومن مختلف الفئات الثقافية، وبعد التشاور والمناقشة رأوا أنّ جرثومة دائهم هي الجهل، وأنّ الدواء هو التّعليم والترقّي الذي يجب أن تتعهّده جمعيّة تعليميّة تمثّل الأمّة.

الدين والإصلاح

دعا الكواكبي جميع الأديان إلى تجديد نفسها، بإعادة النواقص المعطّلة، وتهذيب الزوائد الباطلة، وذلك بسبب تقادم هذه الأديان، وبعدها عن الأصل، وبما أنّ الدين الإسلامي هو الأوسع انتشارًا في الشرق العربيّ، فقد دعا للعودة إلى القرآن والسنّة من ناحية، وإلى الاجتهاد المرتكز إلى العقل في معالجة مشكلات العصر من ناحية أخرى. كما دعا إلى فصل الدين عن الدولة.

الاستبداد

يرى الكواكبي أنّ الاستبداد هو تصرّف فرد أو جمع في حقوق قوم بلا خوف، إنّه صفة الحكومة المطلقة. والمستبدّ هو من يحكم بشؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ولذلك فهو عدوّ للحقّ وللحريّة، وهو يتجاوز الحدّ ما لم يجد حاجزًا من حديد.

وجد الكواكبي أنّ سوء الواقع وتخلّفه ناجم عن فقدان التمسّك بالدين، وفقدان التمسّك بالدين ناشئ عن الاستبداد، لذلك يخطئ من يربط الاستبداد السياسي بالاستبداد الدينيّ؛ لأنّ الإسلام مشحون بتعاليم رفض الاستبداد، وإحياء العدل والتساوي، ويرد هذا الالتباس إلى البدع التي شوّهت الإيمان. وحين يكون الأمر كذلك، فإنّ العوام هم مجال العمل الإصلاحي الذي يجب أن يتولاّه العلماء.

الديمقراطيّة

تبنّى الكواكبي الديمقراطيّة منهجًا في العمل السياسي لمواجهة الاستبداد، وحجّته في ذلك أنّ الأمم الحرّة أطلقت حريّة الخطاب والتأليف والطباعة، ورأت أنّ تحمّل الفوضى خير من التحدّي، ووجد أنّ الديمقراطيّة الغربيّة تقيّد الحاكم بمبادئ أساسيّة تراعي حقوق الإنسان، وقد أطلق على هذه الديمقراطية الشورى الدستوريّة.

غاياته الإصلاحيّة

لا تتوقّف الأبعاد الإصلاحية التي نشدها الكواكبي عند حدّ، فهو يتوخّى لإنسان مجتمعه أن يعيش المعيشة التي تشبه، في بعض وجوهها، ما وعدت بها الأديان أهل الجنان؛ وهذا يعني أن يسعى كلّ يوم إلى مرقى جديد من الرفاه والعدل والحريّة والأمن. وهو لم يقدّم صورة المجتمع المثالي فحسب، لكنّه قدّم أيضًا صورة الحاكم المثاليّ الذي ينفّذ قانون الأمّة ويتقيّد به، بوصفه خادمًا لأمّة، ولذلك فهو يسترشد دائمًا بآراء العلماء، وتكتمل صورة هذا المجتمع بمواطنين يعيشون مطمئنّين لا يفكّرون بغد أبنائهم. وهكذا نلاحظ أنّ مجتمع الكواكبي مشابه في مثاليّته لجمهوريّة أفلاطون، ولمدينة الفارابي الفاضلة.

وسائل الإصلاح

يأتي على رأس هذه الوسائل تأسيس الجمعيات العاملة وسريّتها، واستخدام الشباب أمل المستقبل، لأنّه على أحلامهم تعقد الأمّة آمالها، وتتعلّق الأوطان بحبال همّتهم. وهؤلاء الشباب هم المثقّفون القادرون على تعرية السلطان، وفضح علاقته العدائيّة بالناس. فالسلطان لا يخاف من  العلوم كلّها، بل من العلوم التي توسّع العقول، وخصوصًا من العلم الذي يحمله المثقّف الملتزم بقضايا الأمّة. فالتخلّص من الاستبداد يكون بالتعلّم والارشاد، والدعوة إلى الإصلاح، والنهي عن المنكر ومقاومته بالحكمة لا بالعنف. وهذا يعني أنّ الكواكبي يغلب الثورة الثقافيّة على الثورة العنفيّة.

ثانيًا: أمين الريحاني وثنائيّة الحريّة والتقدّم:

مقدّمة

تأثّر الريحاني في مواقفه وآرائه بعوامل عديدة منها: الظلم العثماني، وسياسة التجهيل والإفقار، الحلم العربيّ، الاختبار الأمريكي الذي أسقط من ذهنه أوهام الحريّة والتقدّم في المجتمع الأمريكي والانتداب الفرنسيّ الذي تكشّف عن استعمار وتحكّم واستغلال، وأخيرًا مفكّرو الثورة الفرنسيّة ومفكّرون آخرون تأثّر بفكرهم، منهم المعرّي وروسّو وداروين.

الحرّية والتحرّر والديمقراطية

كانت مشاركة الريحاني لعدد من المهاجرين في تشكيل:"لجنة تحرير سوريا ولبنان" تنمّ عن اندفاع لتحرير بلاده من السيطرة التركيّة، ومن ثمّ من السيطرة الغربيّة. ولم يكن انشغاله بهموم الوطن العربي نتيجة عصبيّة قومية، لأنّه مؤمن بحقّ جميع الشعوب في تقرير مصيرها، وحقّ الشعب العربي في تقرير مصيره ما هو إلاّ جزء من حقّ الشعوب كلّها.

ولم يقتصر اهتمام الريحاني على حريّة الشعوب واستقلالها، بل اهتمّ أيضًا بحريّة المواطن وبدوره في تحديد سياسة بلده عبر اختيار الحكّام والقادة. ومفهوم الديمقراطيّة عنده مستمدّ من عقله ومن تجربته. فهو يرى أنّ خير حكومة للبلاد السوريّة هي الحكومة الجمهوريّة القائمة على فصل السلطات الثلاث: التشريعيّة، التنفيذيّة، والقضائيّة. وفي توجّهه هذا، كان مدركًا أنّ النظام الجمهوري كالنظام الملكي، يمكن أن يميّز بين القويّ والضعيف، بين الغني والفقير، كما يمكن أن يفسد فيه المال الضمائر، وأن يضعف الشرائع.

رأى الريحاني أنّ اللبنانيّ يتعرّض لضغوط ماديّة وروحيّة واجتماعيّة وسياسيّة تعطّل حقّه، وتلغي الديمقراطيّة من أساسها، لذلك دعا إلى ضمانات تحفظ حقوق الإنسان في الحريّة والحياة العزيزة، وفي حقّ الثورة على الظلم، وبالمساواة بين الجنسين، وبإلزامية التعليم المجّاني، كما دعا إلى فصل الدين عن الدولة، ووضع حدّ لتسلّط رجال الدين والإقطاع، والتخطيط لنوع من الاشتراكيّة الإنسانيّة تعيد توزيع الثروة بما يمنع الاحتكار والاستغلال، وتنبّأ بانتصار الديمقراطيّة في الشرق. ورأى نقطة لقاء بين الفكر الغربيّ التجريبيّ، والفكر الشرقيّ التجريديّ بما يكفل قيام حضارة جديدة.

التقدّم الاجتماعيّ

رأى الريحاني أنّ الاستقلال قد يكون شكليًّا متمثّلاً بخروج الجنديّ الأجنبيّ، وبقاء المصالح الاستعماريّة مؤمّنة بواسطة الدولة الوطنيّة نفسها. لذلك دعا إلى استمرار الكفاح من أجل تحقيق عدالة اجتماعيّة ناجزة، وانتقد الاستغلال وسوء توزيع الثروة على الصعيدين الوطني والعالمي، ودعا إلى أدب ملتزم بقضايا المجتمع وهمومه في الحريّة والتقدّم.

الوحدة العربيّة

دعا الريحاني إلى قيام وحدة عربيّة ذات أهداف إنسانيّة تحقّق مجد العرب، وتكون خلاصًا للأقليّات؛ خصوصًا إذا مازجوا العرب ممازجة روحيّة حضاريّة، في ظلّ حكم مدنيّ ديمقراطيّ قائم على العدل والمساواة، وهذا يعني أنّ الريحانيّ التزم بعروبة علمانيّة تلتزم بقيم الحريّة وعدم التعصّب، وفصل الدين عن الدولة.

العلمانيّة والإسلام

دعا أمين الريحاني إلى فصل الدين عن الدولة؛ لأنّ كلّ طائفة أمست وطنًا قائمًا بذاته، تقدّم مصالحها على المصلحة الوطنيّة، وتعامل مع الإسلام بدقّة متناهية؛ فهو مع إيمانه بأنّ في القرآن تعاليم تواكب العصر إذا ما فسّرت تفسيرًا صحيحًا، إلاّ أنّ ذلك لا يعني تبنّي القرآن دستورًا لدولة الوحدة العربيّة؛ لذلك آمن بالعلمانيّة، واعتبرها الصورة الأخيرة المتوخّاة لدولة الوحدة.

ثالثًا: فرح أنطون وثنائيّة الحريّة والتقدّم

مقدمة

عبّر فرح أنطون عن آرائه في قصصه ورواياته ومقالاته التي نشرها في مجلّة "الجامعة". وقد تأثّر بمبادئ الثورة الفرنسيّة، وبالفكر الأوروبيّ المتقدّم في عصره، ورأى أنّ بلاده لن تخرج من تخلّفها ما لم تستنر بالتجربة الغربيّة، ورأى أنّ السبب الذي دفع الغرب إلى التقدّم، وأبقى الشرق متخلّفًا هو الضديّة التي تحكم العلاقة بين الدين والإيمان من ناحيّة، وبين العقل والعلم من ناحية أخرى.

الدين في علاقته مع العلم

ربط فرح أنطون تقدّم المجتمع وتخلّفه بالعلاقة بين العلم والدين، وحاول فهم طبيعة كلّ منهما تمهيدًا لمعالجة مشكلة التخلّف. فوجد أنّ العقل والقلب قوّتان إنسانيّتان مستقلّتان، تخصّ الأولى العلم والثانية الدين، وتقوم المعرفة عند الأولى على العلم والاختبار، وعند الثانية على القبول بما جاء في الكتب السماويّة، وعلى الإيمان بالغيب، موضوع الأولى العالم الواقعي، وموضوع الثانية الأخلاق. ويجرّ هذا التناقض بين العلم والدين إلى أن يضطهد أحدهما الآخر.

لقد أدّى الدين دورًا إيجابيًّا، في مرحلة تاريخيّة قديمة، لأنّ العلم كان في طور طفولته. أمّا وقد تغيّرت الأمور، فإنّ العلم وحده قادر على حفظ حقوق الإنسان في المجتمعات؛ لأنّ كلّ دين يدّعي الحقيقة لنفسه، ويطلب إلى الناسّ أن يسلكوا سبيله، وهذا يؤدّي إلى اضطهاد من يخالفونه، وخصوصًا رجال الفكر، وإلى غياب الديمقراطيّة وامتهان حقوق الإنسان؛ لذلك لن تُجدي محاولات بعض الإصلاحيين المسلمين عقلنة الدّين لأنّ الدين إذا صار عقليًّا لم يعد دينًا، بل أصبح علمًا.

العلمانيّة وفصل الدين عن الدولة

آمن فرح أنطون بالعلمانيّة، وبفصل الدين عن الدولة، ودعوته إلى العلمانيّة قائمة على إقامة مجتمعات قوميّة  في الشرق، تندمج فيها الأديان والطوائف في وحدة قوميّة، يجد كلّ فرد مكانه الاجتماعيّ والسياسيّ، وتتساوى فيه الحقوق والواجبات.

الدولة الحديثة المنشودة

إنّ الدولة التي يدعو إليها فرح أنطون هي الدولة الحديثة القائمة على الحريّة والمساواة، والتي تتوخّى بقوانينها السعادة لأفرادها، والقوّة والمنعة لوطنها، والسلم بين الأمم. ورأى أنّ الولاء القومي غير محدّد بدين أو لغة، ولكنّه مرتبط بالأمر الواقع الموجود. لذلك يرى أنّ لا مانع من الانتماء إلى الدولة العثمانيّة شرط أن تتحوّل إلى دولة علمانيّة.

الديمقراطيّة

إنّ مقوّمات الدولة الحديثة، هي أن تكون دولة ديمقراطيّة على غرار الدول الغربيّة، حيث لا يحكم الحاكم وفقًا لإرادته الخاصّة، أو معتقداته الشخصيّة، بل على ضوء القوانين التي تسنّها جمعيّة ممثلي الشعب، لذلك يجب أن تكون سلطتها أعلى من كلّ السلطات.

وهكذا فإنّ نظرة فرح أنطون للديمقراطيّة كانت نظرة حديثة تقوم على احترام وجود الأقليّات، ودور المعارضة في التصدّي للسلطة الحاكمة، والسهر على تنفيذ القوانين، ودور الصحافة الحرّة الفاعل في دعم المعارضة وتسيير مسار السلطة، ودعا المجتمع إلى العبور من النظام التقليديّ إلى النظام المثاليّ القائم على الاشتراكيّة والعدالة الاجتماعيّة.

تقويم

لم يأخذ الموقف الفكريّ من الحريّة والتقدّم عند مفكّري عصر النهضة خطًّا تطوّريًّا يبدأ فيه الثاني حيث ينتهي الأوّل. ومع ذلك فإنّنا لا نعدم وجود قاسم مشترك بينهم.

آمن الثلاثة برابطة قومية تتّسع لجميع الطوائف والأديان، بقطع النظر عن مقوّمات هذه الرابطة لغة كانت، أم بقاء الأنسب؛ وقارب كلّ من الكواكبيّ والريحاني فكرة الخلافة الإسلاميّة التي رآها الأوّل خلافة شورويّة تنسّق بين الممالك الإسلاميّة، ورآها الثاني خلافة يرئسها عربي لا تركي.

وجد الثلاثة في فكرة فصل الدين عن الدولة الأساس الصالح لقيام سلطة ديمقراطية تحفظ حقوق الجميع، من خلال فصل السلطات ورأوا في العلم سبيلاً لدفع التخلّف، وفي الوحدة طريقًا للاستقلال.

وأخيرًا، فإنّ أحلام النهضة ظلّت أحلامًا، ولم تأخذ طريقها إلى التحقّق، فالتردّي الذي عاشه العرب في مطلع القرن الماضي أنتج مشكلات تدلّ على أنّ مفكّري النهضة لم يحاولوا نقد العقل العربيّ، ولكنّهم خطّطوا للنهضة بعقول أعدّت للماضي. 

المرجع: الكافي في الفلسفة  العربية، دار الفكر اللبنانيّ

Make a free website with Yola