حركة الترجمة: النقل وأهمّ المنقول بين القرنين الثامن والعاشر

 

مقدمة

لقد عمّ الإسلام الجزيرة العربية برمتّها ناشرًا دين التوحيد وقيمًا جديدة. في أعقاب الفتوحات العربية، أصبحت الدولة الإسلامية تضمّ شعوب وحضارات مختلقة؛ وكانت هذه البلدان تتمتّع بمستوى ثقافي رفيع ومميّز، لا سيّما في مجال العلوم والفلسفة اليونانية.

هذه الحياة العلميّة المتطوّرة أصبحت برمّتها، داخل حدود الدولة العربية الإسلامية الناشئة التي قامت في كنفها أكبر عملية مثاقفة بين هذه الحضارات العريقة عن طريق الإتصال المباشر، وبخاصة عن طريق الترجمة، أدّت إلى نشوء ثقافة عربيّة غنيّة تعاظمت على مدى القرون الأربعة اللاحقة، لتغدو خلالها أزهى الثقافات العالميّة من غير منازع.

 

     I.            بواعث النقل وظروفه :

فالترجمة أو النقل من لغة أخرى، وتسمى أيضاً في حال النقل إلى اللغة العربية: التعريب، هي تواصل ثقافي بالمعنى الواسع بين الأفراد والنخب، أما أهم العوامل التي أسهمت في انتشار حركة الترجمة هذه فهي التالية:

أ - حاجة العرب إلى علوم الفلسفة:

كانت الفلسفة بمعناها القديم، مختلف علوم الطبيعيّات والرياضيات والإلهيات. فكانت الحاجة إلى طب متطور بسبب انتشار أمراض عدة ناجمة عن التنوع بالأطعمة.

 والحاجة إلى رياضيات متقدمة كانت لها أسبابها العامة:

- فالحساب المتطوّر أصبح ضرورة ملحة في التجارة وفي معاملات الجباية، وتوزيع الإرث وتنظيم موازنات الدولة ودفع رواتب الجنود والعمال.

- والهندسة لتشييد الأبنية الكبرى: كالقلاع، والحصون، والقصور، والجسور، والمساجد، وقنوات الري، والمنازل وتنظيم المدن، وتوزيع الأراضي ...

- وعلم الفلك، لضبط مواعيد الأعياد الدينية كصيام رمضان، وبداية عيد الفطر، وإتجاه القبلة.

- وكانت الحاجة إلى بعض علوم الفلسفة: كالمنطق والالهيات، من أجل استخدامها في الجدل الديني عموماً، وكان علم الكلام أكثر العلوم الدينية تأثراً بالفلسفة والتصوّف... 

ب -        تشجيع الخلفاء والوزراء والأمراء على الترجمة:

 

في العصر الأموي كانت الترجمة ضعيفة قائمة على مبادرات فردية نادرة. إلاّ أنّ نقل العلوم والفلسفة إلى العربية لن يبلغ أوجه إلاّ في العصور العباسية الأولى. وفي عهد المنصور دخلت "الأرقام الهندية" إلى الثقافة العربية.

أما الخليفة الذي يعتبر نموذجاً في تشجيع  الترجمة والمترجمين، فهو المأمون، الذي أسس "بيت الحكمة" وضمّ مكتبة كبرى، وداراً لنسخ المخطوطات، ومرصداً للبحوث الفلكية.       

ج – ثقافة المترجمين:

حظيت الترجمة العربية بعدد من المترجمين الأكفياء من أهل الإختصاص. 

١ - ثقافة السريان: أكثر الكتب التي عُربت كانت الكتب اليونانية، وقد عُربت إما من اليونانيّة لغتها  الأصلية وإما من السريانية المنقولة إليها قبل ذلك. وكان المترجمون السريان وحدهم القادرين على القيام بهذه المهمة، ونظراً إلى انتمائهم إلى تراث ثقافي عريق في العلوم والفلسفة اليونانية، تمثل بالمدارس السريانية وأشهرها: مدرسة انطاكيا، مدرسة الرها، مدرسة نصيبين، مدرسة قنسرين.

٢ – ثقافة الفرس: لقد عرفت الامبراطورية الفارسيّة مستوى علمياً رفيعاً التقت فيه الثقافتان الهندية واليونانية. تمّت ترجمة بعض الكتب وقيل إن هذه الكتب في الفلسفة اليونانية المنقولة إلى الفارسية ومنها كتب أرسطو، قام بنقلها إلى العربية، عبد الله بن المقفع؛ على أي حال، فإن أغلبية الكتب الفارسية المعربة اقتصرت على مجال الأدب، وأخبار الملوك، والحكم السياسية، وبعض كتب الفلك.

د – إنتشار اللغة العربية:

انتشرت اللغة العربيّة في كلّ أصقاع الدولة العربية الإسلامية بوصفها لغة الدولة الرسمية، ولغة الدين الجديد. فغدت بعد أقلّ من قرنين على الفتح الإسلامي لغةً عالمية اتّخذتها شعوب لغتها الشعبيّة مستبدلة بها لغاتها الأصليّة.

 

  II.            النقل وأهم المنقول

لا يمكن إحصاء أسماء جميع النقلة المعربين. ولكن لا يمكن الكلام على حركة ترجمة وتعريب إلا في القرون الثلاثة الأولى من الخلافة العباسية، وبما أنّ هذه الحركة لم تستمر بوتيرة واحدة وبالزخم نفسه، فيمكن قسمتها إلى ثلاث مراحل رئيسة. 

المرحلة الأولى

وتمتد من زمن خلافة المأمون. أشهر النقلة في هذه المرحلة هم: إبراهيم الفزاري، البطريق ، الحجاج بن مطر.

- عبد الله بن المقفع: نقل، بتصرف، كتاب "كليلة ودمنة" عن الفارسية، المنقول أصلاً عن الهندية! بطلب من الخليفة المنصور.

- يوحنا بن ماسويه: كان طبيباً مشهوراً، خدم يوحنا ستة خلفاء عباسيين. شهرة يوحنا كطبيب فاقت شهرته كمترجم لكتب الطب. كان من أوائل أطباء العيون؛ كان أول رئيس اوكله المأمون على "بيت الحكمة".

المرحلة الثانية

هي مرحلة حنين بن إسحق وتلامذته ومعاصريهم، وتمثّل "العصر الذهبي" للترجمة.

- حنين: وكان من السريان النساطرة. كان يتقن أربع لغات: السريانية والعربية واليونانية والفارسية. كان حنين طبيباً بارعاً، وقد اشتهرت مؤلفاته في طب العيون، وترجمت  الى اللاتينية ونالت شهرة واسعة في أوروبا. يُعتبر حنين مرجعاً في الترجمات الطبية، ومؤسساً للمصطلح الطبي في اللغة العربية. كان حنين أغزر مترجم إلى العربية.

- إسحق بن حنين: درس على أبيه حنين الطب واللغات والترجمة. ولكنّه فاق والده في أمرين: فصاحته بالعربية، وانصرافه إلى ترجمة كتب الفلسفة خصوصاً.

- ثابت بن قرة: يُعتبر ثابت واحداً من أبرع العلماء وأكثرهم إبتكاراً في الرياضيات والفلك والطب .

- قسطا بن لوقا البعلبكي: ولد قسطا في مدينة بعلبك. كان قسطا فيلسوفًا بارعًا  في مختلف علوم الحكمة ويعتبر قسطا أحد المؤسسين لعلم البصريات العربي.

   المرحلة الثالثة

هي المرحلة الأخيرة من حركة الترجمة. عرفت هذه المرحلة نقلة كثيرين أشهرهم إثنان: أبو بشر متى بن يونس ، ويحيى بن عدي .

- أبو بشر متى بن يونس: كان من أبرز علماء المنطق في عصره .

- يحيى بن عدي: كان تلميذ أبي بشر.

 

III.            أهمّ المنقول:

-         في الفلسفة: كتب أرسطو ، وكتب أفلاطون

-         في العلوم: أ - في الطبيعيات:

- في الطب : كتب أبقراط وجالينوس.

- في البصريات: كتاب "المناظر" لبطليموس.

- في الحيوان: كتاب الحيوان لأرسطو...

ب – في الرياضيات:

- في الهندسة: الأصول لاقليدس.

- في الحساب: "رسالة السندهند"

- في الجبر: كتاب صناعة الجبر لذيوفانطوس الإسكندراني. 

 

IV.            طرائق المترجمين:

إذا كانت الترجمة تقوم على نقل الأفكار من لغة إلى أخرى، فهي أيضاً وسيط لتعريف ثقافة بما انتجته ثقافة أخرى في مرحلة من مراحل تاريخها.

وقد كان لمترجمين في العصر العباسي طرائق وأساليب مختلفة في الترجمة ممكن حصرها بثلاث:

الأولى: الترجمة الحرفية أو الترجمة كلمةً كلمةً. يلجأ إليها بعض المترجمين متوهّمين ابتغاء الأمانة التامة في النقل. إلا أنّ مردودها غالباً ما يكون معكوساً: فليس في اللغة كلمات، بل عبارات تتجاوز كلماتها معناها المعجمي.

الثانية: الترجمة بتصرف وهي أسوأ أنواع الترجمة، إذ إنّ المترجم يقوم بحذف بعض المقاطع، وزيادة مقاطع أخرى، وبتعديل الأفكار، وحتى بنسبة الكتاب المنقول إلى غير مؤلفه الحقيقي...

الثالثة: ترجمة المعنى، وهي الترجمة التي اتبعها كبار المترجمين، وتقوم على فهم معنى النص الأصلي ونقله بالأسلوب المناسب إلى لغة أخرى. وهذه الطريقة هي أكثر أمانة في الترجمة.

 

 V.            أثر النقل في الحضارة العربية:

تُعتبر حركة النقل التي شهدتها الأعصر العباسية الأولى، واحدة من أوسع عمليات المثاقفة التي عرفتها العصور القديمة، فما كان دور الترجمة في النهضة الفكرية العربية التي حدثت في المرحلة اللاحقة؟ 

- الأثار السلبية: نسبة بعض الكتب لغير اصحابها، وإعتماد البعض على الترجمة الحرفية الركيكة والغامضة والبعيدة عن المعنى الأصلي، أو المبالغة بالتصرف بالترجمة إلخ...

- الأثار الإيجابية: لم يكتف المترجمون بقبول الترجمات كما هي، بل قاموا بإصلاحها.

- في الفلسفة: نجد الفلاسفة العرب الكبار أمثال الكندي والفارابي وإبن سينا وإبن رشد يصرّحون بفضل أرسطو والفلاسفة اليونان، على مؤلفاتهم. حتى أنّ أعداء الفلسفة والفلاسفة كالغزالي مثلاً، لم يكونوا بمأمن من أثار كتب الفلسفة المترجمة.    

Make a free website with Yola