الحضارة المصرية 

     I.            المكان

"مصر هبة النيل" في تعبير المؤرخ اليوناني هيرودت. فلولا النيل لكانت مصر بمعظمها صحراء. ‏مصر في الجغرافيا هي ذلك المستطيل من الارض الذي يحتل الزاوية الشمالية الشرقية من القارة الافريقية. اما حدود مصر القديمة نشأت وتطورت على ‏ضفتي وادي النيل.

 II.            الكتابة الهيروغليفية

اقتضت حياة المصريين الإدارية والدينية والتجارية نسقًا ثابتًا من الكتابة. نقل المصريون القدماء فن الكتابة من مستوى الحرف السومري الطيني الصعب والمحدود إلى الحروف الهيروغليفية أي "الحروف المقدسة" أو كلمات الإله. استعملت صور الأزهار والنباتات والحيوانات والطيور وسواها لتدل على المعاني والأفكار. إلاّ أنّ اللغة التصويرية تلك ولصعوبة استخدامها في المعاملات اليومية، لجأ هؤلاء إلى تبسيط الهيروغليفية فتحولوا من الصور الكثيرة إلى بضع عشرات من الإشارات أو الرموز، فكانت الديموطيقية والتي مهّدت للأبجدية الفينيقية.

تطورت الهيروغليفية، بتطور تنظيم المجتمع وحاجاته وثقافته وخبرته، في ثلاثة أشكال أو مراحل متعاقبة:

أ‌-     المرحلة التصويرية الفجّة، حيث الصورة مطابقة للشيء في الخارج.

ب‌-                       المرحلة المقطعية، حيث الصورة تعبّر عن مقطع أو بضعة أفكار أو أفعال.

ت‌-                       المرحلة الصوتية حيث عكست قدرًا من التجريد.

بلغت الهيروغليفية في أكثر أشكالها تبسيطًا 24 حرفًا أو رمزًا، عدا الأحرف التي لم تكن تُكتب. وكانت تلك خطوة أخرى باتجاه تحرير المعنى من الصورة المقابلة في الطبيعة. ظلّ العلماء حائرين في فهم رموز الهيروغليفية إلى أن عثر أحد ضباط حملة نابوليون قرب منطقة الرشيد على حجر أسود، سُمّي بحجر الرشيد، وفيه نص باللغات الثلاث: الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية. سمحت مقارنة النصوص الثلاث، لتشمبليون بعد عشرين سنة، من فك رموزها اللغوية، وجلاء مضمون ما تركه المصريون القدامى من أفكار وعلوم. ومن أعظم الانجازات التي اضافها قدامى المصريين ‏اختراعهم لورق البردي ورقا عمليا وسهلا للكتابة.

III.            النظام الديني لمصر القديمة:

       ترك قدامى المصريين عشرات الادلة والوثائق والآثار، المادية والفكرية، التي تشير الى ‏مكانة الدين في حياتهم وانظمتهم وأهم الوثائق تلك:

‏ أ- نصوص الأهرام، وهي بالهيروغليفية نقشت على جدران الأهرام وهي توضح معتقدات مصر القديمة.

ب- قصائد اخناتون التوحيدية أو ثورته تعدد الآلهة.

ت- ‏كتاب الموتى وهو تعاويذ وصلوات مكتوبة على لفائف من ورق البردي وتوضع في تابوت الميت.

       يتضح من ذلك، ان الدين احتل موقع القلب أو المركز في هذه الحضارة. كان الدين فوق كل شيء، وهو الذي يعطي الشرعية للنظام السياسي والاجتماعي.

كان للمصريين، وكما كل الشعوب والحضارات السابقة آلهة كثر. بدأ ‏هؤلاء أولا بعبادة قوى الطبيعة، ‏­وكان للالهة ان تكون بشرا أو حيوانا ونباتا وأحيانا قوى ظواهر في الطبيعة. ومع نشوء المدن والدول تطورت انواع العبادات والالهة، ونشأ ما يمكن تسميته بإله المدينة أو الدولة. وحدّ قدامى المصريين آمون مع إله الشمس ليصيرا: امون-رع، ولكن باعتباره رئيسا للآلهة وليس بديلا منهم.

وكان اعتقاد المصريين بحياة ثانية بعد الموت سببا اضافيا لتقديس آلهتهم واسترضائها ‏بشتى الوسائل والتضحيات. لذلك تجري المحافظة على الجثة بالتحنيط، وتقام له سنوايا احتفالات وطقوس يؤدي فيها الكهنة الدور البارز والحاسم

       اختفى تعدد الالهة، ولفترة قصيرة ‏خلال حكم اخناتون والذي دعا إلى وحدانية خالصة. ودعا إلى عبادة آتون الحي مبدأ الحياة‏. فهو موجد الفصول، خالق الشتاء وخالق الحرارة، وهو صانع كل شيء. مات أختاتون وعاد المصريون إلى دياناتهم التقليدية وإستعاد الكهنة سلطانهم ونفوذهم. إن فشل ثورة أخناتون ‏التوحيدية لا يعود فقط لتعارضها مع مصالح الكهنة فقط، وإنما لتعارضها ‏كذلك مع طبيعة ديانات مصر القديمة.

IV.            العمارة الجنائزية (المقابر)

       المقبرة في معتقدات المصريين الدينية  هي المسكن الخالد.‏ كان في المقبرة المحفورة في الصخر، مكان‏ لاجتماع اهل الميت حين يأتون للزيارة وتأدية الصلوات وتقديم القرابين. هناك غرفة الدفن، ولا يمكن الوصول اليها الا بدهاليز ضيقة، منها ما يصل إلى غرفة الدفن ومعظمها للتمويه. وإلى جانب غرفة الميت غرف للمونة والعطور والمشروبات والادوات التي كانت للميت أو التي يحتاجها في حياته الابدية.

       اما اعظم المقابر فهي الاهرام، لم يولد الهرم دفعة واحدة، ‏بل تطور من مجرد مصطبة، رتبت بعضها فوق بعض بحيث تكون الثانية أقل حجما من الاولى والثالثة اقل من الثانية وهكذا دواليك...

اعتبر بعض العلماء أنّ الهرم هو أكثر من مجرد مقبرة ملكية، إنّه مركز تُحفظ فيه أدوات الميت. انّ الهرم بتدرجه هو تعبير واضح ودقيق عن نظام من التراتب الاجتماعي- الطبقي والسياسي والديني الذي يبدأ في القاعدة: بجمهور واسع من العامة ليتدرج وينتهي في الفرعون-الإله.

V.            الطب

يميل التقليد إلى جعل تاريخ الطب يبدأ مع أبقراط عند الإغريق، إلا أنّ الدراسة الأكثر دقة وشمولاً تكشف أنّ أبقراط نفسه استمدّ الكثير ممن سبقه وبخاصة من الأطباء المصريين القدامى، وما أنجزوه ودونوه من آثار وأوراق طبية معروفة، وخصوصًا في فنّ التحنيط.

VI.            طرائق العلاج

كذلك سجل هؤلاء طرائق علاج هذه الامراض بالعقاقير المتنوعة وخصوصا النباتي. وفي طرائق العلاج مراهم وبخور وتتضمن بردياتهم صور النباتات الطبية التي تصلح للعلاج. ومع العقاقير والجراحة كان الطبيب المصري القديم يلجأ إلى التعازيم والرقيات للمساعدة في اخراج الارواح الخبيثة والوصول إلى الشفاء. كان هناك دور مفترض للسحر. هذا التداخل بين الطب والسحر هو الذي حال دون تطور الطب المصري.

VII.            التحنيط

        ويبقى التحنيط حافظا لأسرار علم الطب والعقاقير عند المصريين. يرجع السبب في طلب التحنيط عند المصريين لاعتقادهم ان روح الانسان لا تفنى حين يموت وقد ترجع لزيارة الجثة بعد حين؛ فبات لحفظ الجثث أهمية قصوى. التحنيط عند المصريين القدامى، كما فن العمارة، لا يقوم مستقلا في ذاته، وانما هو في خدمة معتقداتهم الدينية والاجتماعية. وكما العمارة، فهو على انواع: الغالي ‏والرخيص، وبحسب مرتبة الميت وطبقته الاجتماعية.

VIII.            في الحساب والهندسة

       عرف المصريون اصول العد أو الحساب. وبلغوا في العد حتى المليون، وكان ذلك تحت ضغط حاجاتهم اليومية، كما عرفوا الكسور والمعادلات الجبرية البسيطة.

أما في الهندسة فقد حقق قدامى المصريين تقدمًا واضحًا على من سبقهم. فهناك إجماع اليوم أنّ علم الهندسة إنما نشأ على ضفاف النيل، وبسبب فيضانه، إذ يلزم بعد انحساره إعادة تحديد الحقول، فكانت مفاهيم الخط والزاوية والمستطيل...

IX.            علم الفلك

عاصر المصريون التقدّم السومري والبابلي في علم الفلك، إلا أنّهم أضافوا وبفعل غنى حياتهم الزراعية وحاجتهم العملية، مجموعة مفاهيم ومعطيات مناخية وفلكية مثل إصلاح التقويم السنوي، وقسمت السنة إلى فصول جعلوها ثلاثة: الفيضان، البذر، الحصاد. وقسموا الفصل إلى أربعة شهور والشهر إلى ثلاثين يومًا؛ وجعلوأ الأيام الخمسة المتبقية من السنة أعيادًا.

 

Make a free website with Yola