حضارة بلاد ما بين النهرين 

 

        I.            المكان

قامت حضارات بلاد ما بين النهرين  في هذا القوس من الارض الذي يبدأ من جنوب العراق اليوم الى اراضي أ‏رمينيا في (اقصى الشمال) قامت منذ أواسط الالف الرابع قبل الميلاد مدن ودول متعاقبة ونشأت قبلها ومعها حضارات متعددة الثقافات، غنية بما حفلت به أو تركته، لعل أشهرها أو ذروتها هو قانون حمورابي.

 II.            الزمان

       البدايات تعود الى نحو من 10000 سنة، حيث نجح الانسان في الحقبة تلك وبعد تطور استمر حقبا طويلة، من تحقيق انجاز حضاري واضح في حقلين مترابطين: استئناس بعض الحيوان البري، وتدجين بعض انواع الحبوب ومن ثمة زراعتها.

III.            الكتابة المسمارية

       طورت الجماعات والشعوب انظمة كتابة متباينة الأدوات لكنها متشابهة في الاغراض والغايات. اما اهم هذه الانظمة الكتابية فهي تدريجًا: الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين، الكتابة الهيروغليفية في وادي النيل، والكتابة الهجائية عند الفينيقيين. لجأت شعوب بلاد ما بين النهرين الى الطين المتوافر بكثافة الواحا ينقش عليها بينما هي طرية ‏لزجة ثم يجري تجفيفها بتعريضها للنار أو لأشعة الشمس.

       يرجع عهد النقوش الحجرية الى 3600 ق. م.، اما الكتابة على الالواح الطينية فإلى حدود3200 ق. م. كان النظام الكتابي الاكادي -السومري يتألف من حوالي 600 رمز، مع صوامت وحروف علة لا نعرف كيف كانت تُلفظ، وكانت‏ تُكتب من اليمين ال اليسار.

       بعد سومر انتقلت الكتابة الى بابل وتطورت ال ما بات يسمى بالخط المسماري (لأن طرف الحرف فيه يشبه المسمار)، وبات يكتب من اليسار ال اليمين.

       يبلغ عدد الالواح الطينية المكتشفة التي تحمل نصوصا سومرية وبابلية اكثر من 100000 لوح، وربما أكثر، موزعة على متاحف العالم. وقد سجلت هذه الالواح وجوه الحياة السومرية والبابلية الغنية وفي سائر معاملاتها العامة والخاصة، التجارية والادارية والقضائية والدينية وسواها.  اما اغراضها فتمتد من تسجيل الوقائع والاحكام والمعلومات وتدقيق المعاملات ‏وتثبيتها، والى تسجيل السير والعبر والافكار والأناشيد والقصص.

لم ‏يصل البابليون الى مرحلة الحروف الهجائية، بل قامت لغتهم على المقاطع المرموز اليها بعلامات، أي ان العلامة لا تدل على حرف بعينه انما على مقطع بكامله. وقد بلغ عدد العلامات حوالي 300 ‏ترمز كل منها ال شيء، مثلا رسم بخطين منحنيين على طرف واحد يمثل رأس ثور ذي قرنين، أو دائرة في وسطها صليب تمثّل الغنم.‏ كانت تلك اللغة نظاما اصطلاحيا من الاشارات والرموز واحيانا مع ‏بعض الرسوم الاضافية. كانت تلك اللغة عبارة عن نظام معقد من المقاطع.

IV.            ملحمة جلجامش

       ليست جلجامش العمل الأدبي الو‏حيد الذي وصلنا بلغة تلك الحضارة، ولكنها اكبر تلك الاعمال حجما واكملها حفظا من حيث الحالة التي وصلت بها الينا. والنسخة الأكمل من جلجامش هي تلك التي حفظت في مكتبة اشور بانيبال على اثني عشر لوحا ‏طينيًّا وفي اكثر من ثلاثة آلاف بيت من الشعر. ‏جلجامش هي قصة البحث عن الأنا في القوة والسلطة والشهرة في البدء،إلا انها تنتهي بحثا عن سر الخلود.  

       تروي الملحمة سيرة حياة ‏جلجامش ومغامراته سعيا وراء قهر الموت والوصول إلى الخلود. ويسأل الناس جلجامش "لماذا تهيم في الارض وعمّ تبحث؟" ويجيب عمّا ينقذ من ‏الموت ويجيبه الجميع ان لا شيء أبدي فكل انسان يسير إلى الموت حين تامر الالهة. أخفقت كل مساعي جلجامش، فالموت لا يقهر، لا بالقوة ولا بالسحر، ولا بأي دواء ‏أو نبتة.

       تسجل الملحمة، عدا الجانب السردي الدرامي فيها، مجموعة واسعة من المضامين التي تعكس طبيعة الحضارة السومرية -البابلية وثقافتهما. ففيها وصف للمزارع والمدينة والغابات...

V.            قانون حمورابي:

كان للبابليين من الانجازات العلمية والادارية والتنظيمية، والثقافية عموما، ما لم يكن للسومريين الذين سبقوهم -وهذا طبيعي- وهو ما لم يبلغه الأشوريون من بعدهم، والذين صرفوا ‏جلّ اهتمامهم ونشاطهم لمسائل الحرب ومستلزماتها.

       ومن الانجازات العلمية نى حضارة البابليين القدر الذي بلغوه في هندسة قنوات الري. وعمارة هياكلهم وقصورهم، وأعظمها ما يحكى عن الجنائن المعلقة ني برج بابل.  

       ومع ذلك، فان الانجاز الحضاري-التنظيمي الابرز الذي تركه البابلييون هو قانون حمورابي، ‏أول قانون عقوبات تفصيلي كامل عرفته البشرية، والذي عاد ليتردد عند المصريين وفي التوراة بل في كل الشرائع الإجتماعية والسياسية اللاحقة.

وهكذا ولد قانون حمورابي أو شرعة حمورابي والتي عثر على نصوصها سنة 1901 منقوشة على لوح طيني في "سوسة" بطول 2.4 ‏مترا، ‏جرى ترميمه ومحفوظ الآن فى متحف اللوفر، ويبدأ ‏بحمورابي يتلقى شرعته من إله الشمس "شاميش".

       تدرّج قانون حمورابي، في حوالي 282 ‏بابا اي ما يكاد يشبه مواد قانون العقوبات الحالي مما هو عام إلى الخاص. وتدرجت العقوبات من الغرامة المالية تعويضا عن الضرر ‏المادي الذي يوقعه شخص بآخر (وبحسب مكانة الشخص الاخر) الى الفدية، وصولا الى ‏عقوبة الموت كعقاب رادع لجرائم مثل السطو وقطع الطرق وخطف الاطفال وقتل الزوج والجبن في القتال وسوء استعمال الوظيفة العامة والغش وغيرها.

‏وكان في القانون فصل خاص بالاجور يحددها على نحو واضح ودقيق، ‏وفصل بالإرث وكيفية انتقال الارث وتقسيمه. وكانت كفالة قانون حمورابي لحرية الافراد في الملكية والتعاقد والايجار كاملة، واحتلت الاحوال الشخصية حيزا كبيرا من شرعة حمورابي، وبخاصة عقود الزواج والارث والطلاق ‏وحضانة الاطفال والتبني وحقوق الأم والأب وتحديدا فيما خص حقوق الأطفال والعبيد والنساء.

       لكن مواد القانون كانت كذلك قاسية في عقوباتها على الجرائم وذلك بهدف حماية النظام العام والثروة. كان الموت عقوبة لمن يسطو على أملاك سواه؛ اما اذا لم يجر التعرف إلى السارق فقد اجاز القانون - في مواد محددة- للمتضرر ان يرفع للحاكم لائحة بالخسائر كي يجري التعويض عليه. 

 

Make a free website with Yola