الحضارة اليونانية 

مسائل فلسفية
كرّست الحضارة اليونانية للفلسفة اهتمامًا خاصًا وفصلتها عن السحر والدين، ومن المسائل التي تطرّق إليها الفلاسفة اليونان: الحركة والمعرفة.

 

     I.            الحركة

ما هي حقيقة الحركة؟ هل تقتصر الحركة على ظاهرة التغير المادي أم إن وراء الظاهر جوهراً ثابتاً لا يتغير؟ نستشف منحيين متناقضين في اجوبة الفلاسفة اليونان على الإشكالية : منحى العلم  الطبيعي والمنحى الميتافيزيقي .  

أ‌-    منحى العلم  الطبيعي:

الوجود ، في ظاهره الحسي على الأقل ، ماضي ، متغيّر . في هذا السياق تندرج فلسفة هرقليطس الذي يرى "إنّ الأشياء في تغيّر متصل ، كل شيء يتحرّك بإستمرار . يعبر هرقليطس عن هذه الصيرورة الدائمة فيقول :"أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين ، فإن مياها جديدة تجري حولك أبدًا". التغير واقع نلمسه وحقيقة تنطبق على جميع الكائنات، لولاه لما كان شيء لأنّ الإستقرار موت وعدم. والأضداد تتصارع لكن صراعها يفضي إلى الحركة وإنتقال من حالة إلى نقيضها : من المرض إلى الصحة .   

ب‌-                       المنحى الماورائي:

ينكر برمنيدس و الفلاسفة الإيليون الحركة ويقول إن العالم ساكن. يعتبر برمنيدس إنّ التغير و الحركة وهم. تجعلنا الحواس نعتقد بأن الظاهر في تحرك دائم ، إلاّ أنّ العقل يزيل هذا الوهم مرتكزاً على مبادئ واضحة بديهية، وهي أن الوجود موجود لا يمكن أن لا يكون موجوداً بمعنى أن الحركة تخالف العقل الذي لا يقبل بإنتقال الشيء من اللاوجود  إلى  الموجود.

نختم أخيرًا بالحلّ الأرسطي. يتطرّق أرسطو إلى مسألة الحركة من ضمن مذهبه العام. كلّ حركة تفترض ثابتًا وتغيّرًا على السواء، شيئًا يبقى على الرغم من التغيّر وشيئًا مستجدًّا ليكون هناك تغيّر، ماهية تتحقّق وأعراضًا تستجدّ وتتبدّل. يشرح أرسطو الصيرورة الشاملة بالإرتكاز على نظرية القوة والفعل: حبة القمح هي سنبلة بالقوّة، تصبح بالفعل عند نضوج الحصاد. وجميع الكائنات تسعى للإنتقال من القوّة إلى الفعل. هذا هو سرّ النشاط والحركة. إلا انّ النظرية كلّها لا تكتمل إلاّ عندما يتصوّر ارسطو أنّ الله فعل ومحرّك اول للعالم، لا يتحرّك ولا يتغيّر لأنّه الكمال المطلق الذي تتوق إليه جميع الكائنات، فيحرّكها توقها إلى بلوغ كمالها.

  II.            مسألة المعرفة

إختلف الفلاسفة حول طبيعة المعرفة متأثرين باختلاف مسألة الوجود والحركة. إذا كان الوجود ماديًا، كانت المعرفة حسيّة. أما إذا كان الوجود غير مادي، فمن الواجب أن تكون المعرفة أكثر من مجرد عملية حسية.

أ‌-    النهج المادي الحسي :

في البدء انصبّت جهود الفلاسفة اليونان على محاولة فك لغز المادة الأولى ومعرفة العناصر التي تتألف منها الأجسام:

-         رأى طاليس أن الأشياء تعرف بالحس، وإعتمد الإستقرار والبرهنة.

-         لاحظ هيرقليطس الصيرورة عن طريق الحس، إلاّ أنّ شعوره القوي بالتغيّر الظاهر للحواس قاده إلى القول باللوغوس وأستنتاج  حقيقة مطلقة فوق التغيّر وعلم يقيني في الجوهر الواحد وفي العقل الإنساني الذي يدركه.

-         في السياق عينه، رأى ديمقريطس في الإحساس، المصدر الوحيد للمعرفة وفي الذرات التي تشكّل الجواهر الكامنة وراء الظاهر، الموضوع الوحيد للمعرفة الحقة.

ب‌-                        النهج العقلي الماورائي :

قسم برمنيدس المعرفة الى اثنتين :الاولى عقلية يعول عليها لأنها ثابتة كاملة ويقينية. والثانية ظنية تقوم على العرف وظواهر الحواس.

 

ت‌-                        النهج السقراطي والأفلاطوني.

صحيح أن سقراط، كما قال شيشرون، أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وعدل عن الطموح إلى معرفة الماورائيات، مكتفياً بما يستطيع الإنسان معرفته: أي علم الإنسان إنطلاقاً من ذاته، وتحديد الفضائل للعمل بمقتضياتها. لكنه جاء بجديد في حقل المعرفة، عندما أبرز نظرية المفهوم أو الفكرة العامة التي أصبحت اليوم من الأمور التقليدية .

تظن العامة  أن الحواس  هي التي تدرك وإن الشيء الذي يحكى عنه هو الشيء المرئي ، هذا الحصان أو ذاك مثلاً . في الواقع، هذا التصور خاطئ لأن الحصان موضوع الفهم، ليس صغيراً أو كبيراً ولا أبيض أو أسود، إنه موضوع عقلي، مثال يفهم، حصان يتصوره العقل ويمتلك فقط الخواص المشتركة بين جميع الأحصنة المنظورة. إنه إكتشاف بسيط، لكنه مهم على صعيد علم النفس ونظرية المعرفة .    

تابع أفلاطون خط سقراط الذي يختصر بأن الفكرة هي الأساس في المعرفة والأخلاق لأنها تمثل العقل ، والمعرفة الحقيقية هي معرفة الفكرة. إلا أنه زاد على رأي سقراط أن الفكرة، أكثر من ذلك، هي الوجود الأصلي، الحقيقة المطلقة والأزلية .

أهمية هذه المعرفة الحسية أنها تحرك حنيناً في النفس إلى عالم المثل الذي سبق أن أدركته قبل سقوطها في الجسد الذي ما فتئ يكبّلها ويحجب عنها رؤية الحقيقة، فإذا بها شبيهة بسجين مكبّل في كهف، لا يرى الأشياء على حقيقتها، كما هي في النور، بل عبر ظلال تنعكس منها على جدران الكهف، وإذا بالمعرفة الحقيقية تذكر: يتّخذ شكل التحول والحواس والأهواء والمادة، وإرتقاء الجدل الصاعد من المحسوسات إلى المعقولات.

 

III.            إنجازات علمية

يعود للحضارة اليونانية الفضل بتحقيق خطوات هامة على صعيد العلوم. وقد كان إسهامهم الأول في فصل العلم عن الأفكار الدينية المسبقة. وقد حققوا إنجازات هائلة على صعيد الطب والفلك والرياضيات، سوف نكتفي بتوسيع أهمها وهو الطب.

أ‌-    الطب

مارس الإغريق الطب منذ القديم ، بشكلين مختلفين : شكل علمي إختباري وشكل خرافي، سحري أو ديني . أما أشهر أطباء اليونان فهو أبقراط إبن طبيب. أعطى الطب طابعه العلمي الحق بتحريره من الدين و الفلسفة وتطبيق المبادئ العقلية عليه. اعتمد على نظام التغذية وعلى الرياضة البدنية. نسبت إليه مؤلفات عديدة، بعضها :" الأدلة  " "تنظيم التغزية".

أهمية أبقراط أنه أوجب الإعتماد الكلي على العلاج الطبي. وهو يرى أن على الطبيب، لدى وصوله إلى مدينة لأول مرة، أن يدرس المناخ وموارد الماء  وطبيعة الأرض، لتأثيرها في الأوبئة والأمراض الفردية. للأمراض علل طبيعية، يقضي التشخيص باكتشافها ودراسة كل حالة بعناية وملاحظة. حدد أيضا أخلاقية مهنية وأوجب على الطبيب المتخرج أداء قسم لا يزال حتى عصرنا. واستحق بكل ذلك، أن يدعى "أبا الطب".

Make a free website with Yola