الحضارة الكنعانية الفينيقية 

 

     I.            الإطار التاريخي

يشتق إسم كنعان من الجذر الأكادي "كنع" الذي يعني المنخفض أو الغرب أو بلاد مغرب الشمس. ويرجعه الكتاب المقدس إلى كنعان بن نوح.

 II.            الأبجدية

 يرتبط اسم الفينيقيين بتطوير الأبجاية ونثرها. وقد يكون ما أنجزوه في هذا المجال أفضل إسهام حضاري يؤديه شعب لسائر الشعوب دون استثناء. ان الكتابة وسيلة أساسية أتاحت الاتصال بين البشر. ‏وحفظت ماضي الشعوب وعاداتهم ودياناتهم وأعمالهم وعلومهم. والاكتشافات في عالم الآثار تظهر بأن الكنعانيين هم من قاموا بهذه الخطوة النوعية. لا شك في أن هذه الخطوة كانت مهمة جدا على طريق التجريد اذ حلّ التعبير بالمقاطع مكان التعبير بالصورة. ثم ما لبثت المقاطع أن تحولت من مقاطع تصويرية إلى ‏مقاطع لفظية تتركب منها الكلمات. هكذا أمكن الحد من عدد الرموز وفصلت الكلمات عن بعضها للتعبير عن الافكار. ثم ما لبثت الكلمات ان تحللت إلى مقاطع لفظية والمقاطع نفسها إلى حروف مستقلة، وهذا كان اسهام الفينيقيين.

       بالفعل في اطار هذا الانتقال، من الكتابة التصويرية إلى ‏الكتابة الصوتية واللفظية، جاء عمل الفينيقيين الاساسي. اذ اكتشفوا آلية اللغة الجوهرية وأحلوا الرموز اللفظية مكان الرموز التصويرية. وما لبثوا ان أحصوا الرموز الصوتية التي يمكن أن تتألف منها الكلمات، وخصّوا كل رمز بحرف صحيح، فإذا بالكتابة المقطعية نفسها تتحول إلى الكتابة الأبجدية التي تستخدم اثنين وعشرين حرفًا. هكذا حمل التجار الفينيقيون الأبجدية مع بضاعتهم إلى العالم. ويعترف لهم معظم العلماء بأنهم كانوا معلمي الأمم القديمة. أوليس هذا الإنجاز هو الأثمن في الحضارات كافة؟

III.            من أعلام الفينيقيين:

أ‌-    موخوس الصيداوي:

عالم صيداوي المنشأ، أوّل من قال بنظرية الذرة، والتي تعتبر أنّ في البدء كان الفراغ العظيم، وكانت تسبح في الفراغ ذرات غير متناهية في العدد، فتنتج عن حركتها واصطدامها بعضها ببعض العالم الذي نعرفه. وحركة هذه الذرات ليست نتيجة عامل ذاتي بل هي نتيجة عامل خارجي هو اللوغوس أي الله المحرّك لهذه الذرات.

 

ب‌-                      إقليدوس الصوري:

ولد في صور، وانتقل إلى الإسكندرية حيث أسس أول مدرسة علّم فيها الهندسة والحساب. ألّف إقليدوس كتبًا عديدة، أشهرها كتابه المسمى العناصر والأركان، حيث جمع معلومات اليونان في الهندسة ورتبها. حقق هذا الكتاب شهرة كبيرة وبقي حتى عصرنا هذا، الكتاب المدرسي المعترف به في العديد من الجامعات في العالم.

 

IV.            من فلاسفة الفنيقيين:

أ‌-    زينون الصوري:

ولد في صور، ومنهم من يظن انه ولد في كيتيوم، انصرف إلى الفلسفة. وقرأ كتب هرقليطس وتأثر بأفكاره، لا سيما فكرة النار المقدسة، واعتبارها روح الإنسان والكون. ثمّ أسس المدرسة الرواقية التي دعيت هكذا لأنّه كان يتحدّث في رواق.

كان للمدرسة الرواقية الأثر الكبير في تاريخ الفلسفة. بشّر بالفضيلة واتباع الأخلاق الحسنة. إلاّ أنّ الطابع المهم في فلسفته، هو مناداته بالوحدة الإنسانية والإخاء والسلم. كانت أرض فينيقيا وبعدها أرض لبنان محطًا دائمًا لالتقاء الأديان والثقافات وتزاوج الأفكار وتكاملها. كذلك تأثرت فلسفته بفكرة الإزدواجية الفينيقية: فقد رأى أنّ الكون  يتألف من الطبيعة أو المادة الفجّة ومن العقل على السواء. والعقل يعني بالنسبة إليه الألوهة أو العناية التي تشمل جميع الموجودات في هذا العالم، وتكون لها روحًا مدبرة.

أكّد زينون على أنّ السعادة غاية الإنسان في هذه الدنيا وتحقيقها يكون عن طريق الفضيلة التي تعني سيطرة العقل على شهوات القلب. والفضيلة بدورها لا تتحقق إلا عن طريق الحكمة.

مما لا شكّ فيه أنّ الرواقية كانت فلسفة نبيلة وعملية، ذات نظام أخلاقي. آمن فلاسفتها بضرورة الدين منادين بالتقشف والبساطة وضبط النفس ورأوا الله في كلّ شيء.

Make a free website with Yola