الحضارة الإيرانية 

المقدمة

نهلت الحضارة الإيرانية من مصادر متنوعة، وأدرجتها في بنائها الثقافي والحضاري؛ ثقد جمعت في إطار توليفي نادر، أسطورة الخلق البابلية، وعبادة النار المجوسية، وتأليه عناصر الطبيعة، وحكمة الفيدا الهندية وتراث الإغريق الفلسفي والحضاري. وقد شكّلت ثنائية الخير والشرّ أساسًا دينيًا وأخلاقيًا في تاريخ إيران، هذا المبدأ الذي يقوم على الصراع الدائم ما بين قوى الخير وقوى الشرّ، وما يترتّب على هذا الصراع من تحرير لإرادة الإنسان وهو يعيش وجوده العابر وسط هذا الصراع الدائم.

     I.            الزردشتية:

أ‌-    ظهور زردشت:

القرن السابع قبل الميلاد شهد ظهور عقيدة جديدة بشّر بها "زرادشت ". ويقول الرواة ان "زرادشت " عاش في صباه على التقوى والصلاح والحكمة، وآثر الابتعاد واعتزل في الجبال مكتفيا بثمار الأرض في غدائه. لم يتمكّن الشيطان من اغوائه، ظل متمسّكا بايمانه بالاله الاعظم، اله النور "اهورا مزدا "، ووضع بين يديه التعاليم التي جمعها في كتاب "الابستاق" أو "الزند أوستا" وأمره بنشرها بين الناس. وفي عهد "داريوش الاول" اصبحت الزردشتية دين الدولة الرسمي.

ب‌-                       الثنائية وخلق العالم:

جاء في عقيدة "زرادشت" أن أصل العالم يقوم على التضاد بين النور والظلام، الخير والشر. وأنّ عملية خلق العالم قد نتجت عن امتزاج عناصر النور بعناصر الظلام، وسط صراع طويل بين اله النور والخير "اهورا مزاد " واله الظلام والشر "اهرمان".

يأتي يوم الحساب وتقوم مملكة "اهورا مزاد " ويهلك "اهرمان "وقوى الشر جميعاً هلاكاً لا قيام بعده. عندها تبدأ الأرواح الطيبة حياة جديدة خالية من الشرور والظلمات والآلام، فيبعث الموتى وتعود الحياة إلى الأجسام ويخلو العالم أبد الدهر من الشيخوخة والموت والفساد، والإنحلال ...

ت‌-                       الأخلاق الزردشتية

جسّدت ثنائية الخير والشر في عقيدة "زرادشت " دعوة إلى الأخلاق الفاضلة. فالتكاليف التي دعت إليها، وهي الإعتقاد والقول والعمل ،انما تتمّ ممارستها بارادة حرة تحدد للإنسان خياره بين الخير والشر أو الله والشيطان . وجاء في "الإبستاق" أنّ على الإنسان واجبات ثلاثة : "أن يجعل العدو صديقاً، وأن يجعل الخبيث طيباً، وأن يجعل الجاهل عالماً." وجاء أيضاً أن أعظم الفضائل هي التقوى ، يأتي بعدها الشرف والأمانة في القول والعمل . أما الكفر فهو رأس الخطايا كلها، وتقوم عبادة الله على الطاهر والتضحية والصلاة. احتلت النار منزلة عظيمة في العقيدة الزردشتية. فقد ورد في الإبستاق إن للنار خمسة أنواع : نار المعابد، نار الأجساد، نار النباتات، نار السحاب والنار السماوية. وترتبط بقداسة النار مجموعة من العبادات والواجبات وإليها يرجع إهتمام الفرس بمعابد أو بيوت النار حيث تجري طقوس العبادة . كما تركت هذه العقيدة أثراً بالغاً في التقويم الفرسي القائل إن السنة تتألف من ١٢ شهراً و الشهر من ثلاثين يوماً، وكذلك في الأعياد الموسمية والدينية وخاصة النوروز وعيد ميترا وعيد النار وعيد الربيع .

  II.            المانوية.

أ‌-    عقيدة ماني

يقول ماني، في مقدمة كتابه "كفلايا"، أنّه الفارقليط الذي بشّر به المسيح، وأنّ الحكمة والأعمال التي أتى بها رسل الله في أزمان متعاقبة وصلت إليه. يمكن اعتبار المانوية عقيدة تتوسّط الزردشتية والمسيحية. فقد احتوت عقيدة "ماني" على أفكار مستمدة من الزردشتية، وخاصة ثنائية النور والظلام. وقد نتج خلق العالم من صراع إله النور ضد إله الظلمات. إذ خلق العظيم الأول المخلوقات للدفاع ضد هجمات إله الظلام. فدعا "أم الحياة" التي دعت "الرجل القديم" أو "أهورا مزدا". ويؤشّر هذا الخلق إلى أثر التثليث المسيحي في العقيدة المانوية.

ب‌-           الأخلاق المانوية

تظهر الأفكار الفلسفية في العقيدة المانوية في خلق الإنسان. فقد قسّمته إلى نفس ترجع إلى العالم العلوي وجسد يتبع العالم السفلي. وخلاص الروح التي تجمع بينهما فإنّه يتمّ بواسطة الله الذي يوقظها ويخلّصها من ارتباطها بالجسد والعالم السفلي.

هذا، وقد نظّم ماني أتباعه في خمس طبقات: أصحاب الحلم، أبناء العلم، أبناء العقل، الصدّيقون أو أبناء الغيب والسمّاعون أو أبناء الفطنة. ووضع منظومة أخلاقية أهم ما فيها الخواتيم السبعة، وهي أربعة روحانية تتعلّق بالعقائد وثلاثة تتعلّق بسلوك المؤمنين:

1- خاتم الفم أي الكف عن الكلام المؤدّي إلى الكفر أو الخبث.

2- خاتم اليد أي الإحتراز من كلّ فعل أو تصرّف يغضب النور.

3-  خاتم القلب أي تجنّب الإستسلام للشهوات الجنسية المحرمة.

Make a free website with Yola