الخير والقيم                    ـ

 

الخير والقيم

أ‌-   ماهية الخير:

فلسفيًا: الخير هو "الكائن الكليّ الكمال الذي يريده وينزع إليه الجميع".

أخلاقيًا: الخير هو نقيض الشرّ. وهو ما يجب أن يفعله كل إنسان. فالحضارات والأديان كافة تعيّن لأبنائها الطرق الموصلة إلى الخير والوسائل للإبتعاد عن الشرّ.

فلسفة الأخلاق: ترى الخير بصفته المعيار الذي يحدّد قيمة السلوك الإنساني من حيث الإيجابية أو من حيث السلبية. ينشأ الخير في الأصل، تلبيةً لتطلّع جوهري عند الإنسان إلى تجاوز ذاته. والعقل الإنساني يرى الخير على أنّه المثال الأسمى الذي يحكم وينير حياة الإنسان. والخير في الحياة المعاصرة أصبح مرادفًا للقيمة: كلّ خير قيمةٌ، وكلّ قيمةٍ خيرٌ. فالخير، هكذا مبدأ تقييم يسمح بتحديد الغايات التي يُفترض بالأفعال الإنسانية أن تنشدها.

ب‌-  نظريات حول الخير

وإذا كان الناس يتفقون جميعًا حول رغبتهم في الخبر، فإنّهم بالمقابل، لا يتّفقون حول طبيعة هذا الخير. لذا تتعدّد وجهات النظر أو النظريات:

في الدين: الإرادة الإلهية هي الخير الأسمى.

1- الخير هو اللذة الحسيّة: (مذهب اللذة l’hédonisme)

إنّ اللذة بالنسبة إلى أصحاب هذا المذهب، هي الخير الأسمى. هو خيرٌ كلّ فعل تنتج عنه لذّة، وبالمقابل هو شرّ كلّ فعل ينتج عنه ألم. اللذة الحاضرة بالنسبة إلى أرستيب دوسيرين (Aristippe de Cyrène)، هي غاية الوجود الإنساني. غير أنّ أبيقور (Epicure) اعتبر أنّ الخير الأسمى هو في اللّذة الحسيّة- الفكرية. وقد سعى أبيقور إلى تحرير الإنسان من خوفين: الخوف من الآلهة- الخوف من الموت.

ويرى أبيقور أنّ اللذة تنتج عن إشباع حاجة عند الإنسان. وقد قسم الحاجات إلى ثلاث مجموعات: الأولى، وهي الحاجات الطبيعية والضرورية: مثل لذّة الأكل والشرب.
الثانية، وهي الحاجات الطبيعية غير الضرورية: مثل اللّذة الجنسية.
الثالثة، وهي الحاجات غير الطبيعية وغير الضرورية: مثل لذّة السلطة والأمجاد.

وبما أنّ الحاجات الأولى هي وحدها الضرورية، لذلك على الإنسان أن يعمل على إشباعها باعتدال. وفي حال كانل الآلام ترهقه، فما عليه إلاّ أن يتذكّر صور لذّات ماضية.

نقد: تجاهلت الإيدونية مميّزات الإنسان الجوهرية وحوّلت وجوده إلى مجرّد وجود مادي جسدي وبالتالي دنيوي. فاقتصرت هكذا تطلّعاته على آفاق لذاته الحسيّة والمادية.

فضلاً عن ذلك، فإنّ اللذة، بصفتها حالة جسدية، ليست كلّها لذّات حقيقية: فالمخدرات، مثلاً، التي تسيء إلى الجسم، هي لذات زائفة. ثمّ إنّ بعض اللذات قد تسبّب أذًى وضررًا للغير، لذا يجب حظرها.

2- الخير هو السعادة: (مذهب الأوديمونية L’Eudémonisme)

هو المذهب الذي يعتبر أنّ السعادة، لا اللّذة، هي هدف الحياة. ومن أبرز ممثلي هذا المذهب:
أفلاطون: السعادة هي البحث عن الحقائق الأبدية وتملّكها.

الفارابي: السعادة هي غاية الإنسان القصوى التي لا غاية وراءها، ويبلغها الإنسان عندما يحقق كماله.

ديكارت: السعادة هي في أن نشبع حاجاتنا وفقًا للعقل، وفي أن نحسن استخدام حرّيتنا.

سبينوزا: السعادة القصوى هي في معرفة الله الذي هو الخير الأسمى.

نقد: السعادة هي بكل تأكيد الهدف الأسمى الذي يتطلّع إليه الجميع. غير أنّ الدافعية الأخلاقية لا تقتصر على المستوى الفردي. فالإنسان، في حالات عدّة قد يضحّي بسعادته الفردية من أجل سعادة الآخرين.

3- الخير هو ما يجلب المنفعة: (النفعية l’Utilitarisme)

تستقي مبادئها من الأبيقورية: السعادة هي في تحقيق الحدّ الأقصى من اللذات، إلاّ أنّ هذا الحدّ الأقصى يجب أن يُحسب جيدًا ويُدرس بعناية. الرجل العاقل بالنسبة إلى النفعية، هو الذي يسعى إلى سلوكٍ أخلاقي يخدم منفعته ولذته. ولا يكفي، بحسب ستيوارت ميل (Stuart Mill)، أن نأخذ بالإعتبار العامل الكميّ للّذّات؛ بل يجب أن نرى كيفيتها.

نقد: إنّ المنفعة لا تبني الأخلاق بل تهدمها. وبالفعل، إذا سلّمنا بأنّ الحسابات المدروسة للّذات تحقّق للفرد منفعته الشخصية، فهذا لا يعني أنّها تحقّق منفعة الغير.

4- الخير هو في الشعور مع الآخر:

هو موقف إجتماعي حيث المرجعية الأخلاقية هي في الشعور الغيري، لا في المنفعة الذاتية.

التعاطف: اعتبر آدم سميث أنّ شعور التعاطف هو "الشرط الضروري والكافي في الوقت نفسه لبناء الأخلاق". حيث يُسرّ الإنسان لسرور الآخرين ويحزن لحزنهم.

نقد: ما هي الضمانة بأنّ التعاطف هو معيار صحيح دائمًا لقياس الأفعال الخيّرة؟ (إثنان يتعاطفون على السرقة).

الشفقة: الفعل الخيّر هو بالنسبة إلى شوبنهاور الفعل الذي يكون دافعه الشعور بالشفقة. وتُعتبر الشفقة شعورًا يحرّر الإنسان من أنانيته ومن فرديته.

نقد: إلى أي حدّ يصحّ اعتبار الشفقة قيمة عليا ومعيارًا وحيدًا للأخلاق؟

الغيرية الإجتماعية: اعتبر أوغست كونت (Auguste Comte) أنّ الأفعال الخيّرة هي التي يكون دافعها شعورٌ غيري يحرّر الفرد من أنانيّته ومن فرديّته وينمّي إجتماعيته.

نقد: تجاهل كونت وجود علاقات فردية- فردية، كما تجاهل وجود جماعات كثيرة ومتعددة عندما اعتبر الإنسانية هي المجتمع الوحيد.

5- الخير هو الإنسجام مع الطبيعة:

الرواقيون: رأوا أنّ الخير هو في أن يعيش الإنسان بانسجام مع الطبيعة.

سبنسر (Spencer) وضع معطيات الأخلاق بالاستناد إلى مفهومين ظهرا مع التطوّر: الإصطفاء الطبيعي، وبقاء الأصلح.

غويو (Guyau): رأى أنّ الأفعال الخيّرة هي التي تساعد في انتشار الحياة، لأنّ الحياة لا تستمرّ إلاّ بالإنتشار.

نيتشه (Nietzsche): رأى أنّ الأفعال الخيّرة هي التي تهيئ لظهور الإنسان الأسمى (Surhomme). أمّا الشفقة، والحب، والمساواة، فهي أفخاخ ينصبها للإنسان الأسمى العبيد المنهزمون للموت.

نقد: يمكن أن نوجّه إلى نظريات الإنسجام مع الطبيعة النقد التالي: إنّ النشاط الأخلاقي يقوم به الإنسان بصفته كائنًا روحيًا، وقيمة هذا النشاط الأخلاقية ليست مستمدة من علاقة الإنسان بالكون أو بالحياة المتطورة.

6- أخلاق الواجب:

إنّ النية الحسنة التي تدفع بالإنسان إلى العمل بمقتضى الواجب، هي بالنسبة إلى كنط (Kant) المعيارية الأخلاقية. فالإرادة الخيّرة هي التي تعمل بمقتضى الواجب، أي بمقتضى احترام القانون ليس إلاّ، "إفعل كما لو أنّ حكمة فعلك ينبغي- بإرادتك- أن تصبح قانونًا شاملاً". من جهة ثانية، فإنّ غاية الفعل الأخلاقي يجب أن تكون الإنسان، "إفعل دائمًا بحيث تعتبر الإنسانية التي فيك وفي الآخرين غاية وليس أبدًا وسيلة".

إنّ إستقلالية الإرادة هي التي تسمح للإنسان بأن يتعامل مع الآخرين بصفتهم غايات لا وسائل، وتسمح له في الوقت عينه بأن يبقى هو نفسه.

نقد: بنى كانط القيمة الأخلاقية على أساس العقل العملي بعيدًا عن الحسّ التجريبي.

7- أخلاق الحريّة:

للأخلاق خاصيتان رئيسيتان: الأولى أنّها حرّة، أي تصدر عن فاعل حرّ. والثانية أنّها تصدر بتبصّر وبإشراق العقل. والحقيقة الإنسانية بالنسبة إلى سارتر، هي حريّة خالصة.

نقد: يبدو سارتر شديد الحرص على تأكيد حريّته، وغير مكترث بحريّة الغير: "الآخر هو الجحيم". إنّه يفترض ضمنًا أنّ حريّة كلّ إنسان، بصفتها سلطة مطلقة تفعل أو لا تفعل، تقبل أو ترفض؛ هي منسجمة مع حرية الآخرين جميعًا.

ت‌-          خلاصة:

إنّ تعدّد النظريات حول الخير والقيم يظهر التفاوت في التصورات الأساسية للإنسان. بيد أنّ هذه النظريات بالرغم من اختلافها، تتّفق حول الخلاصة التالية: الفكر الإنساني يتّسم بنشاط أخلاقي يقظ. وبالفعل فالإنسان يعي وجود اقتضاءٍ في علاقاته مع الله ومع الآخرين ومع الطبيعة ومع نفسه. غير أنّه يحقّق ذاته عندما يسيطر عليها من كلّ النواحي، ويعمل على تفتّح شخصيته الخاصة وعلى أنسنتها كلّيًا. هذه الأنسنة لا تتحقق إلاّ في المجتمع الإنساني، وفي علاقة منفتحة على الآخرين تقتضي الطيبة والشرف والأمانة والصدق والعطف والرحمة واحترام الآخر.

 

khayr wa kiyam cours2.docx khayr wa kiyam cours2.docx
Size : 0.036 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola