الخيال

مدخل

يمتاز الإنسان عن سائر الكائنات بأنّه سيّد الأبعاد، فبإدراكه يمتلك القدرة على اكتشاف العالم الواقعي الذي يحيط به. والإدراك ليس مجرّد عمليّة إثارة للحواس الخمس، بل هو عبارة عن علاقة تربطنا بالأشياء، فتكشف لنا وجودها وتحدّد لنا خصائصها. وبذاكرته يمتلك القدرة على استعادة الماضي كماضٍ، فالذاكرة هي إذًا وظيفة نفسيّة تحفظ الماضي وتستردّه في حدود فترة زمنيّة محدّدة. وبخياله يتوجّه نحو المستقبل، ويتحرّر من الواقع ويعبّر عن حاجته الملحّة إلى الإستقلال. فهو يدعونا إلى إعادة خلق العالم كما نريد، من خلال إبداع صور جديدة تحمل رؤيتنا ومعاناتنا، وأحلامنا.

         I.            بعض الأقوال

يقول برادين: "التخيل هو أن نخلق صورًا تكون بديلاً عن الأشياء المدركة هروبًا من الواقع". ويقول جوبير: "أنّه ملكة تنقل ما هو ذهني إلى الوضع المحسوس وتَجسُّدِه في الصور التي تلائمه". وقال لالاند: "هو قوّة تركّب الصور في لوحات او تتابعات مقلّدة لوقائع الطبيعة، إنّما لا تتمثّل شيئًا واقعًا ولا شيئًا موجودًا".

 

مشكلة وجود الصور: (الإشكالية)

عندما يتخيّل الإنسان، فإنّه يستعيد صورًا. هذه الصور، حسيّة كانت أم ذهنية، هل هي موجودة فينا؟ أنستعيدها كاملةً كما كانت، أم مختلفة بعض الشيء، أم جديدة كلّيًا؟

 

      II.            النظريّة التجريبية:

اعتبرت المدرسة التجريبية أنّ الصورة الذهنية هي إعادة تمثّل الفكر لما ادركه البصر. إنّها تكرار عقلي مخفف وأقلّ تميّزًا لإحساس، أو بالأحرى لإدراك حسيّ سابق. هكذا، فإنّ هيوم، الذي ميّز بين الإنطباعات والأفكار، اعتبر أنّ هذه الأخيرة هي صورٌ ضعيفة للإنطباعات او للإدراكات الحسيّة. إنّها بقايا الإدراكات الحسيّة بعد غيابها؛ ووجودها في الذهن شبيه بوجود الصور الفوتوغرافية في الألبوم. لذلك كانت الصور مجرّد رمز أو بديل عن أصل، بنظر التجريبيين، الذين يرون أن لا إمكانية للتصور ما لم يكن هناك إدراكات سابقة، فالذي يولد أعمى لا يتمكّن من تصور الأشياء والألوان. ويرى التجريبيون أنّ العلاقة وثيقة بين التخيل الذي يعيد الإنتاج وبين التخيل الخلاق (الخيال المستعاد والمبدع). فإذا كان الأوّل تمثّلاً لموضوع غائب، فالثاني ليس إلاّ إعادة ترتيب جديد غير مالوف للصور التي خزّنها الإدارك الحسي في الذهن. فالرسام، على سبيل المثال، في تخيّله لعروس البحر، لم يبدع هذه الصورة من مختلف جوانبها، وإنما هو أعاد بناء بعض المعطيات الإدراكية بطريقة مختلفة، أي أنه مزج ما بين صورتين هما في الأساس من موضوعات الإدراك الحسي؛ إنّ وجه المرأة وجسم السمكة هما معطيات حسية. يقول أناتول فرانس: "الشاعر أبدع حورية البحر لكن الطبيعة خلقت البحر والمرأة والغيوم."

   III.            نقد هذه النظرية:

ينطلق التجريبيون في تفسيرهم للتخيل من منظور خاطئ يرد التخيّل والإدراك إلى طبيعة واحدة. ومن الصعب الدفاع عن هذا الرأي الذي تكذّبه التجربة الشعورية الفطرية. فالتجربة التي يعيشها الفرد في أعماقه يتخللها شعور واضح بأن التخيّل هو عملية مختلفة عن العملية الإدراكية، فالإنسان قادر في الحالات السويّة على التمييز بين الصورة والإدراك بغض النظر عن شدّتهما، فلا نخلط أبدًا بين تصورنا لصوت إنفجار هائل وإدراكنا لصوت صرار. فإننا نميّز بطريقة عفوية ما بين الإدراك والتصوّر، فلا يقع في ظننا أن يكون التصوّر القوي إدراكًا ولا الإدراك الضعيف تصوّرًا لأنّ توجّه الوعي هو الذي يحدد حقيقة فعله.

 

   IV.            الفلسفة الحديثة: (النظرية الظواهرية)

رفض الفلاسفة الحديثون مفهوم الصور الذهنية (الموجودة في الفكر كما الصور الفوتوغرافية في الألبوم).

- آلان: يرى أن لا وجود لصور عقلية، يقول عن صديقه الذي ادّعى أنّه قادر على تخيّل البنتيون Panthéon، أنّ معرفته ظهرت في مسلك جسده. ولنا في حياتنا اليومية أمثلة على ذلك، فإننا عندما ندلّ شخصًا على مكان ما، فإنّ صورة المكان تظهر من خلال حركة يدنا كما لو كنّا نسير فعلاً على الدرب الموصل إلى المكان. باختصار الصورة هي معرفة مرسومة بالجسد.

- هوسرل: والمدرسة الفينومينولوجية (الظواهرية) اعتبروا انّ الوعي ليس سلبيًا، فلا وجود لصور ذهنية داخلية، بل إنّ الوعي هو وعي لشيءٍ ما. وهكذا فإنّ وعيي يتجه لإدراك هذه الطاولة الحاضرة أمامي، كما يتّجه بشكل آخر لإدراكها وهي غائبة.

- سارتر: استند إلى كلّ من آلان وهوسرل، وبلْوَر نظرية "الوعي المتخيّل". التخيّل هو التفكّر بالشيء بوصفه غير موجودٍ أمامنا، أي بوصفه عدمًا. فالتخيّل هو إعدام الشيء. ومهما كانت الصورة بارزة في الوعي، فهي توجّه نحو موضوع غائب. ولكن، لا بدّ من وجود شبيه للمتخيل analogon  نعبر منه وبه إلى المتخيل، ولا بد في ذلك من تجاوز وخرق الشبيه للوصول إلى الرمز المتخيّل. فالصورة الفوتوغرافية هي هذا الشبيه، الذي يعبره وعينا، لنتخيّل من ترمز اليهم هذه الصورة. فالعاشق عندما ينظر إلى صورة حبيبته لا يكتفي بالصورة، ولا حتى بجسدها العضوي المتخيَّل، بل يتخيّل علاقة وعناقًا وحياة مشتركة. ومن خلال علبة مرطّبات فارغة يتقاذفها طفل برجله، يتخيّل هذا الطفل مباراة كاملة في كرة القدم. تنتهي بانتصاره إذا وقعت العلبة في الحفرة، وهو يفرح لهذا الإنتصار لأنه ماثل بين علبة المرطّبات الماديّة وكرة القدم الغائبة؛ فليس المهم في المماثل معناه الحاضر، بل معناه الغائب. غير أنّ المعنى الغائب لا يتمّ إلاّ إذا أعدمنا الصورة كجسم مادي، واخترقناها لنصل إلى الرمز المتخيّل.

 

      V.            نقد لهذه النظرية:

لقد نجحت نظرية سارتر في تفسير قدرة الإنسان الواعي على التمييز بين الواقع والخيال، لكنّها فسّرت فقط الخيال المستعيد أي الخيال الذي يستعيد المواضيع المعروفة، وليس الخيال الخلاّق أو المُبتَكِر، فلا نستطيع أن نعتبر أنّ الخيال الخلاّق هو التفكير في موضوع على أنّه غائب بل يبدو أنّه يستحضر موضوعًا غائبًا أو غير معروف في الواقع عبر عملٍ فنّيٍّ جديد أو إكتشاف علمي غير متوقّع.

   VI.            أشكال الخيال

1- الأشكال الدونية للخيال (ذات القيمة السلبية)

الخيال الشارد (غير المراقب): يتمثّل في الحلم الليلي وأوهام المريض النفسي؛ ففي هذا الوضع، ليس للإنسان أي قدرة على توجيه خياله فهو، يخلط أوّلاً بين الخيال والواقع. ولا يستطيع ثانيًا أن يفهم العلاقة بين مسلسل التصورات واللوحات التي يتخيّلها، فهي تتوالى بطريقة غير منطقيّة وغير واضحة وغير مفيدة للإنسان. بل تكون ذات خطورة عند المريض النفسي.

الخيال عند الأولاد: الولد أيضًا يخلط بين الواقع والخيال، فيهوى القصص الخياليّة التي تروي أحداث تحصل بين شخصيّات وهميّة تكون لها معاني تعكس إهتماماته النفسية في هذه المرحلة من العمر. فمن الطبيعي أن يكون خيال الولد متأثرًا بهذه المواضيع الأسطورية أو الخرافات لكن من الطبيعي أيضًا أن يتجاوزها مع تطوَر ونموّه العقلي.

أحلام اليقظة: إنّ أحلام اليقظة هي تخيّلات يتوجّه إليها وعي  الإنسان في حياته اليومية وهي تتميّز عن أحلام الليل بأنّها نسبيًّا إرادية، وتتسلسل في شكل متماسك نوعًا ما لكنّها بالمقابل تخفّف كثيرًا من وعي الإنسان لمحيطه المباشر فتؤدّي إلى تشتّت ذهنه وغياب انتباهه فيفشل بالتكيّف مع ظروفه الحاضرة وإذا ما استغرق الإنسان في هذه الأحلام، فقد يؤدّي ذلك إلى فشل في التكيّف مع المحيط وإستبدال تدريجي للعالم الواقعي بالعالم الخيالي، وهذا ما يشكّل قيمة سلبيّة للخيال.

2-  الأشكال العليا للخيال (ذات القيمة الإيجابية)

إنّ الأشكال العليا للخيال تعبّر عن نفسها أفضل تعبير في الإبتكار والخلق، في المجالات العلميّة والفنيّة ويعتبرها باشلار نقيظ للخيال الليلي ذي القيمة السلبيّة أو الدونيّة، فالخيال الخلاّق يتكوّن بفعل عوامل متعدّدة منها عاطفية ومنها ثقافية إجتماعية ومنها عقليّة: (شروط الإبداع)

        العوامل العاطفية: وهي تلعب دورًا أكيدًا في المجال الفنّي وتساهم في إبداع الأعمال الفنيّة، كاللوحة والمعزوفات والقصائد... وكذلك تلعب دورًا في المجال العلمي: فالإنسان يندفع إلى البحث العلمي بفعل رغبته أو حاجته لتحقيق مشروع أو إكتشاف يحقّق أهدافه: إنّ حاجة الإنسان للطيران وحلمه به إنتهى إلى تحقيقه لهذا المشروع العلمي والتقني، والحاجة الملحّة إلى معالجة الإلتهاب الناتجة عن جروح الحرب العالمية الأولى أدّت إلى اكتشاف البنيسلين على يد فلمينغ.

        العوامل الثقافية الإجتماعية: إنّ تحصيل ثقافة العصر، شرط اساسي لنمو الخيال الخلاّق في المجال العلمي والفنّي، إذ يستحيل على الباحث أن يبتكر أو يكتشف شيئًا لا علاقة له بثقافة عصره، فالأدوات الكهربائية تمّ اختراعها بعد اختراع الكهرباء كطاقة وليس قبلها. وكذلك في الفنّ، يبدأ الفنّان بتقليد الفنّانين السابقين، وبعد ذلك، يبتكر أسلوبه الخاص وأعماله الخاصّة.

        العوامل العقليّة: وتتمثّل في القدرة العقليّة والإعداد العلمي أو الفنّي الذي يهيِّء الإنسان للبحث وللإبتكار فالخيال الخلاّق مشروط ليس فقط بالإعداد النظري إنّما أيضًا بالبحث المتواصل الذي يتكلّل أخيرًا بالإكتشاف، كان إديسون يقول: "إنّ الإختراع يتطلّب عشرة بالمئة من الإلهام و تسعين بالمئة من التعب في البحث".

        آلية الإبتكار: إنّ الإختراع هو تفكيك لمفاهيم قديمة وبناء لمفاهيم جديدة. في مرحلة أولى يقوم عقل الباحث برفض وتفكيك المفاهيم القائمة من خلال ملاحظته للأخطاء الموجودة فيها وتناقضها مع الواقع العلمي وفي مرحلةٍ لاحقة يبتكر تفسيرًا جديدًا بديلاً للتفسير القديم مرتكزًا على الخيال الخلاّق أو الإلهام من جهة، وعلى إعداده المنهجي من جهة ثانية أي أنّ الحلّ الجديد المطروح ينتج عن التفاعل بين الإلهام والمنهجية والتجربة. الحقيقة العلمية ليست نهائية بل نسبيّة والفكر النقدي هو الفكر الذي يتجاوز ما هو قائم ليمهّد لإبتكار جديد.

 

VII.            الخيال والإلهام:

يبقى السؤال حول طبيعة الإلهام والخيال المبدع وحول دور العقل الباطن في هذا الإبداع. يتحدّث البعض عن ايجادهم في الصباح الباكر الحلّ لمسألة كانت قد شغلتهم في الأيام الماضية دون نتيجة. علماء النفس يفسّرون هذا الأمر بعمل العقل الباطن، والفلاسفة التعقليّون يرجعونها إلى صفاء الوعي في الصباح. هذه الإكتشافات تسمى الوعي أو الإلهام مثلاً  ما حدث مع أرخميدس ونيوتن .ولكن في الحقيقة أنّ أرخميدس ونيوتن ما كانا ليكتشفا الحلّ لو لم يبحثا طويلاً قبل إكتشافه، فالخيال المبدع هو تنظيم عقلي يحتاج إلى الذكاء، إنّه ميزة العبقري على إكتشاف علاقات جديدة بين العناصر الكونية، لا يكتشفها الإنسان العادي.

 

 

خاتمة

        إنّ الخيال ليس وظيفة مستقلّة جامدة ومنفصلة عن الشخصية التي يرتبط بها. الخيال هو وظيفة ديناميّة فاعلة تعبّر عن وعي الإنسان وعن بنيته النفسيّة بشكلٍ عام. الخيال هو إنفتاح وتجدد، فهو الذي يميز الإنسان عن غيره من الكائنات. للخيال دور كبير في عملية تقدّم إنساني، و الفنان لا يكتفي بتطوير الطبيعة كما هي بل يريد خلقها عن جديد. في غياب التطوّر العقلي والنموّ النفسي يبقى الخيال مؤدّيًا لدور سلبي أو دوني فيقتصر على وظائفه الطبيعيّة في الأحلام الليليّة أو في الأوهام المرافقة للإضطرابات النفسية.

أمّا إذا توصّل الإنسان إلى تحقيق نمو عقلي ونضوج عاطفي وانفتاح ثقافي، عندها يقوم الخيال بأداء وظائفه الخلاّقة.

 

 

دروس

في

 

الفلسفة العامة

 

السنة الثانوية الثالثة

 

فروع

الاقتصاد والاجتماع

العلوم العامة و علوم الحياة

 

إعداد

مصطفى حمزة و حسين مراد

 

 

 

التخيُل

 

1-    تعاريف:

عرف"لالند" الخيال بأنه "قوة تركب الصور في لوحات او تتابعات مقلدة لوقائع الطبيعة ،انما لا تمثل شيئا واقعا ولا شيئا موجودا".

ويقترح" جوبير" تعريفا للتخيل مفاده "انه ملكة تنقل ما هو ذهني الى الوضع المحسوس وتجسده في الصورة التي تلائمه".

ويقول "برادين ""يعني التخيل ان نخلق صورا بديلا عن الاشياء المدركة هروبا من الواقع او نتيجة احساس فني او تحقيقا لرمزية تخريفية او تمثيلا لشيء؛فيكون التخيل نشاطا ذهنيا".

2-    اشكال التخيل :الخيال لغة هو ما تشبه للمرء في اليقظة او المنام وقد ياتي بمعنى الظن والوهم ؛والخيال قد يكون :

-تمثيلي :وهو قدرة الفكر على استحضار الصور المدركة بعد غياب الاشياء التي احدثتها او تركيب الصور تركيبا حرا .ويعتبر هذا النوع من التخيل على علاقة مباشرة بالادراك الحسي وهو مظهر من مظاهر الذاكرة الحسية .

- مبدع :تخيل الشيء يعني  اخترعه وابدعه كما في التخيل المبدع الذي هو قوة تتصرف بالصور الذهنية بالتركيب والتحليل والزيادة والنقصان وهو ينشء تركيبات جديدة من الصور غير مستمدة من الواقع.

3- الوهمي: تخيل الشيء له اي توهمه كما في التخيل ا لوهمي ،الذي ينسج الرؤى والاحلام نسجا خياليا لاصلة له بالوجود الحقيقي .

3 التخيل ومشكلة الصور الذهنية

*النظرية التجريبية :فسر التجريبيون الحياة النفسية في القرن التاسع عشر على اساس الصور الذهنية.الا ان علم النفس المعاصر ادخل مع آلآن "وعلماء النفس الشكليين تبديلا جذريا على مفهوم الصور الذهنية عندما ردوها الى فعل التصور ذاته.وكان علم النفس التقليدي في منحاه التجريبي يساوي الصورة الذهنية بما يتبقى من الادراك بعد غيبته ،اي بالاثر المادي المنطبع في الدماغ.

لقد ميز هيوم "الانطباعات"الحاصلة عن الادراكات الخارجية من "انعكاساتها "في الذهن على شكل صور خفيفة او على شكل افكار وتتحرك هذه الصور في الابعاد الزمانية المختلفة .فتبقى الطريق سالكة بين المخيلة والذاكرة والادراك لكن تبقى الصورة في جميع الاحوال مجرد رمز او بديل عن اصل.
ولما كانت الصورة متولدة من الادراك فاننا نفهم ان الذي يولد اعمى لا تتكون عنده صور بصرية وكذلك الاصم...(ان فاقد حاسة ما يفقد الصور المتعلقة بها )ونفهم  ايضا العلاقة بين التخيل المستعيد والتخيل الخلاق؛فالاول هو تمثل موضوع غائب من خلال الصورة الذهنية التي خلفها ؛والثاني هو في الحقيقة ترتيب جديد غير مالوف للصور المتبقية عن الادراكات الخارجية .واذا كانت الصور الذهنية انعكاسا ضعيفا للادراكات الخارجية فإن الفرق بين الحالتين عندئذ ينحصر في درجة قوة كل منهما.وهذا ما يعرض الانسان للخلط  بينهما في الحالات العادية او في حالات النوم والهلوسة.

تقويم:ان وموقف التجريبيين غير مقبول ؛فإننا في الحالات السوية نميز جيدا الصور من الادراك بصرف النظر عن شدتهما.

ويدعي التجريبيون امثال"تان" اننا نحتاج الى برهان لكي نميزبين الصورة والادراك،فانني اذا كنت في غرفتي  وسمعت خربشة على الشرفة فانني احتاج الى فتح النافذة لاتاكد من صدقية ادراكي ومن انني لا اتخيل .لكن في الواقع افتح لاتحقق فقط من موضوع الادراك هل كان كما افترضته ام شيء آخر ؟ لكني لا اخلط بين التصور والادراك ؛ومرد ذلك الى طبيعة الوعي ،

فاننا بطريقة عفوية نميز ما بين الادراك والتصور ؛وتعليل ذلك ان توجه الوعي هو الذي يحدد حقيقة فعله فعندما اتوجه بوعيي الى ادراك الاشياء الخارجية فلن يقع في ظني ابدا انني اتخيل اشياء غير موجودة .فكان خطا التجريبيين انهم اكتفوا بمقارنة مضمون الادرك بمضمون التخيل .فكانت نظرتهم تركزعلى مضمون الوعي وتهمل فعله .

فقد اكدت الفلسفة الظاهرية على ان الوظائف النفسية ليست مضامين داخلية ،بل هي افعال للوعي المتجه الى الخارج فيكون فعل الادراك مختلفا تماما عن فعل التخيل ولا يقع الخلط بينهما قط في الاحوال السوية فإتجاه الوعي لادراك هذه الطاولة الموجودة امامي يختلف عن اتجاهه لتصورها غائبة.

ان التمييز بين الادراك والتصور بالشدة هو الذي يجعل التخيل ادراكا حسيا سيئا باعتباره صورة ضعيفة  عن الادراك الحسي.

4       نظرية سارتر

تاثر سارتر بآراء "آلان" ومواقف "هسرل"  يقول آلان بشأن صديقه الذي ادعى انه قادر على تخيل "البنتيون" ان معرفته سرت في مسالك جسده فتساوت الصورة الذهنية مع حركات جسده.باختصارلا وجود لصور ذهنية  خالصة ،فالصورة هي معرفة مرسومة في حركات الجسد.

وكما اكد" آلآن "على هيكلية الصورة فإن "هسرل "اكد على هدفية الوعي المتخيل،فلا وجود لصور ذهنية داخلية ،بل ان الوعي هو فعل هادف الى شيء"فكل وعي هو وعي لشيء ما"انطلق سارتر من هذه النقطة ليصف الوعي المصور وصفا فينومولجيا؛ فالوعي في عملية الادراك يجد موضوعه في حين انه في عملية التخيل ُيوجد موضوعه دفعة واحدة .

يقول سارتر ان تخيل الشيء هوالتفكير فيه باعتباره غائبا وغير موجود؛فهو توجه الوعي الى الشيء عندما لا المسه ولا اراه،فمهما كانت الصورة بارزة في الوعي فانها تبقى توجها الى عدم وجود.فان فعل الادراك متجه الى موضوع حاضر وفعل التخيل متجه الى موضوع غائب.

امتلاك الشيء المدرك ما لا يحصى من التحديدات تفرض نفسها في عملية الادراك من الخارج،في حين ان الشيء المتخيل لا يملك من التحديدات الا ما يعطيه اياه الوعي وفقا لقصده .مثل تخيل العاشق لحبيبته فإنه يتصورها من خلال مماثل يكون منطلقا ماديا لتوجيه الوعي المتخيل فتتجلى صورتها دفعة واحدة غير قابلة للانقسام .فالمهم في المماثل هو معناه الغائب؛فلا يكتمل التخيل الا بتجاوز المماثل الحاضر الى معناه الغائب كما يتجاوز زكاء رائحة الوردة شكلها ولونها.

هكذا فصل سارتربين عمليتين فكريتين هما الادراك والتخيل فعارض المذهب التجريبي الذي ربط التخيل بالادراك.

5       المعنى الانساني في التخيل

ما زلنا نتتبع اخطاء النظرية التجريبية ،فليس التخيل الخلاق مردود الى التخيل المستعيد وبالتالي الى ادراكات الاشياء الخارجية .فلما كان الادراك توجها اسقاطيا (projectif  )في العالم الخارجي كما يرى علم التحليل النفسي المعاصرفيكون الادراك ذاته نوعا من التخيل ؛فان عالم النبات ،والعاشق،والصياد،والرسام...كل واحد من هؤلاء يرى في الغابة ما يستجيب لرغبته واهتماماته .فالتخيل يقود ادراكنا بصورة واعية اوغير واعية وهو بذلك سابق على المعرفة الموضوعية .لذلك كان تحصيل هذه المعرفة يقتضي تخليص ادراكاتنا من الاوهام والخرافات والاسقاطات .لقد راى ديكارت وباسكال ومالبرانش في التخيل سببا للخطأ .(فهو حسب ديكارت مصدرا للوهم والظلال باعتباره انفعالا للجسد وعند باسكال هو ملكة تشوه الاشياء وتملي على الانسان رغباتها وتغره بسعادة زائفة  وتقود العقل خفية بينما يتوهم العقل انه يقودها فهي تربط بين الصور بروابط غير عقلية فتسبب اخطاء كثيرة.

 

 

وراى فيها سبينوزا  قوة لا اخلاقية فهي مصدر الاهواء التي تستعبد الانسان .)                        

وكان باشلار اكثر دقةعندما ميز بين التخيل العادي الذي يبعدنا عن الواقع وبين التخيل العلمي الذي يضع الفرضيات لتفسير الظواهر الطبيعية؛ فههنا يتلاقى العقل والتخيل في خدمة العلم كما التخيل حتما في خدمة الفن .فان الخيال في تعاونه مع العقل في مجال العلم وفي توثباته اللاعقلية  المبدعة في مجال الفن كان عاملا من عوامل الابداع الانساني.

6       التخيل والابداع

داب علماء النفس التقليديون على التمييز بين تخيل مستعيد وتخيل خلاق. من المؤكد ان خيالا خلاقا باطلاق لا يستوعبه اي تفسير. فالخلق هو اخراج الشيء من لا شيء اما التفسير فهو مماثلة شيء بشيء ورد المجهول الى المعلو م  والجديد الى القديم  والغريب الى المالوف.

لذا فان تفسير الابداع هو اذا نفي الاصالة المطلقة عنه :فهو على علاقة بشخصية المبدع  ومحيطه الاجتماعي وعصره.فما هي العوامل المؤثرة في عملية الابداع؟

أ –الابداع استمرارية(ثقافة المبدع)

ان الابداع العلمي والفني رهن بمكتسب ثقافي سابق؛فلا خلق من عدم في اي مجال كان.فليس من عبقري الا ووقف على اكتاف غيره ليرى ابعد؛بل ان اي عبقري هو ابن مدرسة فكرية وثقافة عصر معين فان النظرية العلمية تبرز  عندما تنضج بعد تحضير طويل .فهناك علماء كانوا يعملون مستقلين في بلاد مختلفة وتوصلوا الى نظرية واحدة .فقد اكتشف "لافوزيه"و "برستلي "بشكل متزامن عنصر الاوكسيجين.وفي مجال الفن فإن الرسام العبقري يبدا بتقليد لوحات معلميه وبالاخذ من معارض الفن ثم يتحرك بعد ذلك في اصالة يخالف فيها معلميه.

نستنتج مما سبق ان الابداعات الانسانية لا تنشأ من العدم ،بل انها تتحرك فوق امواج الاستمرارية  ثم تندفع بعد ذلك الى الامام .

ب)المصادر العاطفية (الميول والحاجات)

تشكل الحاجات والميول بعض عناصر الابداع وهي تزوده بالقدرة والنشاط فقد كانت الاختراعات الانسانية الاولى امتدادا لحاجات التكيف البيولوجي عند الانسان في وسطه الطبيعي.وتتحفز طاقة ابداع وتسكن ايضا حسب حاجات الوسط الاجتماعي فقد كانت الحرب العالمية الثانية سببا لاختراع الكثير من التقنيات تلبية للحاجات المختلفة في البر والبحر والجو.

واذا انتقلنا الى المؤلفات الفنية الفينا اصولها كما يرى علماء التحليل النفسي في الميول والاهواء والمشاعر المكبوتة والمتصارعة في اعماق اللاوعي فيكون الابداع الفني عملية تصعيد(اسماء)للاهواء والاحوال المكبوتة.كما اننا عندما نعاني الحرمان نصرخ من خلال العمل الفني معبرين عما نريد."فاغنر".

ويقدم لنا التحليل النفسي امثلة كثيرة على الاعمال الفنية التي تعبر عن مشاعر مكبوتة فإن لوحات "اوتريلو"عامرة بواجهات المقاهي لانه عاش في وسط كان يمنعه من تعاطي المشروبات.كما ان المواقف المثالية تجد تفسيرها ايضا في مفهوم الرغبة في التعويض،فقد ظهرت فكرة المجتمعات المثالية (حمهورية افلاطون/مدينة الله  عند اوغسطينوس)في اجواء الفساد والاحباط الاجتماعيين.

ج)التخيل والفكر:

يجب التاكيد على ان الشروط العاطفية تؤمن فقط مناخ الاختراع ، اما الاختراع ذاته فهو فعل فكري .فإن التخيل الخلاق يحتاج الى الذكاء الذي يدرك العلاقا ت بين الظواهر.ويبدو ذلك بوضوح في اختراع الفرضيات العلمية ؛فإن فرضية "نيوتن"عن الجاذبية الكونية تجمع في مفهوم واحد احداثا متنوعة في ظاهرها مثل سقوط الاجسام وحركات الكواكب والمد والجزر                                                                                                                                           ويظهر هذا النمط من إكتشاف العلاقات غير المألوفة في  الشعر فقد شبه المعري سواد قلبه المتشائم بسواد عينيه.

 

-         وهناك من يريد ان يذهب في تفسير الخيال الخلاق تفسيرا يتجاوزاساليب المنطق التقليدية فعند هؤلاء ان اساليب المنطق تسدد خطانا وتمنعنا من الزلل والوقوع في الخطا لكنها لا تساعد كثير في التقدم الى الامام .

-         ان في اصل اي اختراع حدسا منسوبا الى العاطفة او العبقرية وايضا الى الصدفة .وان لمحات الحدس المعرفة عند مشاهير العلماء"نيوتن"والتفاحة"،بوانكاريه" اكتشف دلالاتة الرياضية.وهو يهم بركوب السيارة.فاراديه": لو علمتم كيف توصلت الى اكتشافاتي لجعلتموني من جملة المجانين .هذه الاكتشافت الفجائية هل هي فعلا كذلك؟(اي تحصل فجأة)

ان علينا الا نفرط في الكلام على دور اللاوعي والحدس الذي يقفز كما يظن البعض الى واجهة الفكر من غير تحضير .فإن الوصول الى حل مشكلة في الصباح بعد معالجتها مطولا في المساء هو فعل نضج اكتمل في النفس ؛فاللاوعي في هذه الحالة هو مجال راحة العقل الواعي حيث تتوضح العلاقات وتنفرج بعد ان كانت مضغوطة ومتداخلة فتاتي الامور واضحة بعد ذلك الجهد الطويل .وقال "آلآن" لكي نجد دون ان نفتش يجب لن نكون قد فتشنا طويلا من غير ان نجد ".والى ذلك فإن الحدس ليس معصوما عن الخطأ وفي افضل الاحوال فإن الحدوس هي غالبا بدايات توجه العقل وتحرك نشاطه .فإن تصاميم الاعمال ومسوداتها عند المبدعين الكتاب والشعراء مليئة بالتشطيب مما يدل على ان طريق الالهام الاولى هي تحضير للعمل النهائي المنوط بالعقل.

النتيجة

 

ان التخيل بشكلية المستعيد والمبدع هوفعل بنائي .وان الاستعادة لا تقطع السبيل على الابداع وان الماضي حاضر في العمل الابداعي لا ليعيقه بل ليحفزه الى التجديد؛وليس الابداع خيارا شخصيا بل هو اصيل في العقل البشري الذي يعيد النظر في مكتساباته متحررا من جمود التبعية وآلية العادات الذهنية .وهويقوم بدوركبير في كل عملية تقدم انساني ،علمية كانت ام تقنية ام فنية ...وهو يسهم بالتالي في صنع الانسان للحضارة الانسانية واحيانا في خرابها وتدميرها !

 

ta5ayol cours 2.docx ta5ayol cours 2.docx
Size : 0.027 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola