الخيال

طبيعة الخيال ووظيفته

مقدمة:

مما لا شك فيه أن موضع الخيال بات يشغل حيزا هاما من تاريخ الفكر الانساني المعاصر. بدءا من هايديغير مرورا بسارتر ومرلوبونتي وغيرهم من الفلاسفة المعروفين في القرن العشرين. ولربما يعود هذا الأمر الى التطور الهائل الذى حصل في بدايات القرن العشرين على مختلف الأصعدة فنية كانت ام علمية . ان معظم الاختراعات والاكتشافات التي حصلت على مدى العصور وعلى مختلف الأصعدة كانت ذات يوم مجرد أفكار نشأت في مخيلة بعض المبدعين أمثال غراهام بل وبيكاسو وغيرهم.

ان المخيلة او الخيال هو تلك الملكة التي تدفعنا نحو ثنايا المستقبل لاستكشافه وسبر أغواره، عكس الذاكرة التي ترمينا في أحضان الماضي. يرى برادين التخيل عملية خلق صور تكون بديلا عن الأشياء المدركة.

وبالرغم من  اتفاق الفلاسفة على أهمية الخيال ودوره الفعال في تطوّر المجتمعات، فلقد اختلفوا في ما بينهم على بعض المسائل الأساسية المتعلقة بالخيال. ولعل اهم هذه المسائل تلك المتعلقة بطبيعة الخيال ووظيفته.

‏ارتأى بعض الفلاسفة وخاصة التجريبين على اعتبار ان وظيفة الخيال تقتصر فقط على استعادة الصور المدركة من الحواس، بينما قسم آخر منهم وجد أن وظيفة الخيال تتعدى مجرد استعادة الصور المدركة الى ابداع أخرى جديدة.

 

اشكالية: هل يمكن أن تنحصر وظيفة الخيال في مجرد استعادة الصور القديمة؟ هل الابداع هو وجه آخر من الخيال المستعاد القائم على استعادة الصور؟  هل الخيال هو نتيجة أحساسات بحتة أم انه عمل يتدخل فيه الفكر؟  أم أن الخيال يتعدى الصور الحسيّة إلى هدفيّة الوعي نحو الأشياء الغائبة؟ ما هو الدور الذي يلعبه الجسد في عمليّة التخيّل؟ 

 

موقف التجريبيّين: الخيال هو استعادة الصور الحسيّة

لقد اشتهر الفلاسفة التجرييون منذ القدم، من ايام ارسطو والحسيين، برد كل الأمور العقلية والواعية الى الاحاسيس، كما فعل كوندياك وغيره. ولعل هذا ما أثر فعليا على آراء الفلاسفة التجربيين الانكليز أمثال هيوم ولوك الذين طوّروا النظرية التجريبية واعطوها اسساً جديدة. فكل ما يصدر عن الفكر بالنسبة لهؤلاء ليس الا انعكاساً لاعمال الحس والادراكات الحسية والعادات. شأن الخيال كشأن الذاكرة وغيرها من الملكات الانسانية.

فالخيال بالنسبة للتجربيين ليس الا الصورة الذهنية المتبقية من الادراك بعد غيبته، هو الأثر المادي المنطبع في الدماغ.

ولقد ميز هيوم بين الادراكات الخارجية وانعكاساتها في الذهن على شكل أفكار متحركة في الأبعاد الزمنية الثلاث: الماضى، الحاضر، والمستقبل. فاذا كانت الصورة تتعلق بالماضي كالذكريات الطفولية تكون من عمل الذاكرة، اما اذا كانت تتعلق بالمستقبل فهي تكون متعلقة بالخيال، وان كانت الصورة الحاضرة هي الآن تتمثّل بالإدراك. ولكنها وفي جميع الأحوال تبقى الصورة رمزا أو بديلا عن أصل. أنّ الصورة الذهنية هي إعادة تمثّل الفكر لما ادركه البصر. إنّها تكرار عقلي مخفف وأقلّ تميّزًا لإحساس، أو بالأحرى لإدراك حسيّ سابق. هكذا، فإنّ هيوم، الذي ميّز بين الإنطباعات والأفكار، اعتبر أنّ هذه الأخيرة هي صورٌ ضعيفة للإنطباعات او للإدراكات الحسيّة. إنّها بقايا الإدراكات الحسيّة بعد غيابها؛ ووجودها في الذهن شبيه بوجود الصور الفوتوغرافية في الألبوم.  

كمثل الرسام عندما يتخيل على سبيل المثال لوحة فنية، فهو لا يفعل شيئا سوى استحضار الصور الذهنية التي تمثل ادراكات حسية سبق أن مرّ فيها فى تجاربه الحياتية فتقتصر مهمة الفنان أو المبدع على استعادة الصور و تركيبها فقط لا غير.

من هنا يستنتج التجريبيون ان الأعمى لا يمكن أن يتخيل بسبب افتقاره الى احدى الحواس التي تؤمن له ادراكا تا حسية حاله حال الأصم.

من هنا، يعتبر بعض الفلاسفة المتأثرين بالفلسفة التجريبية أن عملية الابداع ليست سوى تكرار لبعض التجارب التي مر بها هؤلاء الأشخاص المبدعين بالإضافة الى تأثيرات أخرى كالمحيط والبيئة والحاجات والميول. فالرسام، على سبيل المثال، في تخيّله لعروس البحر، لم يبدع هذه الصورة من مختلف جوانبها، وإنما هو أعاد بناء بعض المعطيات الإدراكية بطريقة مختلفة، أي أنه مزج ما بين صورتين هما في الأساس من موضوعات الإدراك الحسي؛ إنّ وجه المرأة وجسم السمكة هما معطيات حسية. يقول أناتول فرانس: "الشاعر أبدع حورية البحر لكن الطبيعة خلقت البحر والمرأة والغيوم."

ان الابداع العلمي والفني، يصبح عند هؤلاء رهن بمكتسب ثقافي سابق. فلا خلق من عدم في أي مجال كان. فليس من عبقري إلا وقف على أكتاف غيره ليرى أبعد. بل إن أي عبقري هو ابن مدرسة فكرية وثقافة عصر معين. فإن النظرية العلمية تبرز عندما تنضج بعد تحضير طويل، فهناك علماء كانوا يعملون مستقلين في بلاد مختلفة وتوصلوا إلى نظرية واحدة. فقد توصل نيوتن و ليبنيز في الوقت ذاته إلى حساب التفاضل.

من هنا أن الإبداعات الإنسانية لا تنشأ من العدم، بل إنها تتحرك فوق أمواج الاستمرارية ثم تندفع بعد ذلك إلى الأمام. فإن بعض مظاهر القلاع القديمة استمر في قصور النبلاء في عصر النهضة من دون أن يكون له أي قيمة دفاعية.

نقد موقف التجريبييّن:

ينطلق التجريبيون في تفسيرهم للتخيل من منظور خاطئ يرد التخيّل والإدراك إلى طبيعة واحدة. ومن الصعب الدفاع عن هذا المنظور الذي تكذبه التجربة الشعورية الفطرية. فالتجربة التي يعيشها الفرد في أعماقه يتخللها شعور واضح بأن التخيّل هو عملية مختلفة عن العملية الإدراكية، فلا نخلط أبدًا بين تصورنا لصوت إنفجار هائل وإدراكنا لصوت صرار. يزعم التجريبيّون أن الانسان معرض للخلط بين الإدراكات الحسية والصور الذهنية فيحسبون تارة الادراكات تصورات و يزعمون وطورا التصورات ادراكات، وهذا يعني أن خطأ التجريبيين هو في عدم تمييزهم بين المستويات المختلفة للوعي. فكل من الإدراك والتخيّل هو مظهر من مظاهر الوعي، أي طريقة خاصة للوعي في توجهه لمعرفة العالم. فالوعي يمكن أن يكون وعيًا مدركًا، والوعي يمكن أن يكون وعيًا متخيّلاً، وهذا يعني أن فعل الوعي ليس هو نفسه إبان عملية التخيّل وإبان عملية الإدراك.

وهكذا يحصر التجربيون موضوع الخيال فى الصور النابعة عن الادراكات الحسية فقط دون أى شيء آخر. ولكن الا تحدّ هذه النظرية من اهمية ودور الخيال في حياة المجتمعات، الا يتعدى دور الخيال مجرد نقل الأحاسيس المعاشة في التجارب السابقة؟

موقف سارتر: التخيّل هو هدفيّة الوعي نحو موضوع غائب

 

في الحقيقة إنّ موقف التجريبيين تشوبه تساؤلات جمة. فالإنسان السوي، يستطيع في الحالات السوية التمييز بسهولة بين ما هو تصورا وما هو ادراك، والسبب الأساسي يعود بالنسبة للفلسفة الظاهرية الى طبيعة الوعي الذي يسمح لنا بالتمييز يبن الادراكات والتصور. ان توجه الوعي هو الذى يحدد حقيقة فعله ومثال ذلك، عندما اتوجه بوعيي لادراك الأشياء الخارجية لا يمكن ان يقع بظني انني أتخيلها. لقد خلط التجريبيون بين مضمون الادراك ومضمون التخيل وأهملوا فعل الوعي الذى هو بحسب الظواهرية متجه الى الخارج وليس مجرد مضامين داخلية. كيف تطور فهم الخيال بعد هذا النقد؟ وبماذا يختلف عن التجريبيين؟

لقد نسج سارتر نظريته عن التخيل متأثرا بالفيلسوف الفرنسي آلان والالماني هوسيرل مؤسس الفلسفة الظاهرية، وقد ركز الأول على هيكلية الصور في الخيال، اي ان المعرفة تسري في مسالك الجسد كمثل صديق آلان الذي زعم تخيل البانتيون ووصفه في حركات جسده يمينا ويسارا، كمثل الانسان في الحياة اليومية الذي يدل أحدا على موقع معين من خلال حركات الجسد.

أما هوسرل فقد أكد على هدفية الوعي المتخيل الذي يتخيل الأشياء الغائبة الغير ماثلة في الحاضر كما الادراك الحسي الذي يدرك لأشياء الماثلة أمامنا.

وجاء موقف سارتر مزيجا من الموقفين السابقين، فتخيّل الشيء عنده هو التفكير به باعتباره غائبا وغير موجود كتخيل طاولة غير موجودة، لا أستطيع لمسها وادراكها في الحاضر. ان فعل الادراك هو فائض عن الوعي ومتجه الى موضوع خارجي حاضر، أما فعل التخيل فهو يقف عند حدود ذاته لانه متجه الى موضوع غائب.

ومن ناحية أخرى يرى سارتر الصورة سالكة في مجاري الجسد مثل آلان قبله . فالتخيل ليس مجرد معرفة ذاتية داخلية، بل هو بحاجة الى مماثل من الحياة المادية يسمه سارتر المماثل أو(Analogon‏) وهو أشبه بالرمز المادي كمثل العاشق الذي يتخيل حبيبته لا من فراغ بل بواسطة عطر أو صورة فوتوغرافية يكون منطلقا ماديا لتوجه الوعي المتخيل.

 إن موقف سارتر يتفق بالتالي مع النظريّات التي تزعم إن التخيّل الإبداعي الخلّاق ليس مجرّد استعادة صور وحسب بل إنه يتعدّى ذلك إلى تركيبات جديدة، توليفات مميّزة تعطي للخيال بعدًا معرفيًّا يساهم من خلالها بإغناء المعارف الإنسانيّة في الميادين المختلفة علميّة كانت أم فنيّة  أو أدبيّة وغيرها. فالمبدع يركّب فرضيّات ونظريّات قد تبدو للوهلة الأولى متناقضة ومتباعدة فيوفّق بينها وينتج بذلك عن خياله نظريّات علميّة جديدة أو لوحات فنيّة مبتكرة ومميّزة. ويبدو ذلك بوضوح في اختراع الفرضيات العلمية التي تقوم على تفكيك النظريات القديمة من أجل اختراع نظريات وتفسيرات جديدة لظواهر الكون، فإن فرضية نيوتن عن الجاذبية الكونية تجمع في مفهوم واحد أحداثا متنوعة في ظاهرها مثل سقوط الأجسام وحركات الكواكب والمد والجزر.  ويبرز أيضأ هذا النمط من اكتشاف العلاقات غير المألوفة في الاختراعات الفنية وخصوصا في الشعر.

 

خلاصة: إن التخيل بشكله المستعيد والمبدع هو فعل بنائي. وأن الاستعادة لا تقطع السبيل على الإبداع. كالكاتب الذي يستعمل كلمات المعجم لتصبح عملا أدبيا رائعا. إن الماضي حاضر في العمل الإبداعي لا ليعيقه بل ليحفزه إلى التجديد. وليس الإبداع خيارا شخصيا بل هو أصيل في العقل البشري الذي يعيد النظر في مكتسباته متحررا من جمود التبعية وآلية العادات الذهنية.

من إعداد الأستاذ إتيان عيد- بتصرف

Make a free website with Yola