العلوم الإنسانية 

مقدّمة:

غلب على الدراسات الإجتماعية قديمًا الطّابع الفلسفي منذ جمهورية أفلاطون حتى مدينة الفارابي الفاضلة، وصولاً إلى القرن التّاسع عشر، حيث ظهر علم الإجتماع كعلم موضوعيّ مع أوغست كونت ودوركهايم. ولكن يجب ألاّ ننسى دور إبن خلدون الرائد في هذا المجال، فقد وضع في مقدّمة تاريخه دراسة إجتماعية علمية تقوم على الملاحظة والتحليل والشرح والتعليل، وتدلّ على عقل علمي صحيح.

 

      I.            تعريفه وموضوعه:

علم الإجتماع هم علم الظواهر الإجتماعية وقوانينها. يهتمّ علم الإجتماع باكتشاف العلاقات بين الأحداث الإجتماعية، بهدف وضع قوانين عامة. يختلف علم الإجتماع عن التاريخ، فالإجتماع لا يهتمّ بدراسة مقتل كيندي، بل ينصرف إلى دراسة الجريمة السياسيّة كظاهرة إجتماعيّة عامّة.

الظاهرة الإجتماعية جماعيّة:

شبّه سبنسر المجتمع بالجسد الحيّ، أي أنّ الفرد في المجتمع هو كالخليّة في الجسم. وشدّد ماركس على صراع الطبقات، وعلى العوامل الإقتصاديّة في تحريك المجتمع وسيرورة التاريخ.

إلاّ أنّ دوركهايم حدّد الظواهر الإجتماعية كأشياء قابلة للمراقبة في الخارج. والظاهرة الإجتماعية تمتاز بأنّها جماعيّة تتجاوز الأفراد فكيف نفهم ذلك.

فكلّ كائن بشري يجد نفسه، لحظة ولادته، أسير مجموعة من العقائد، من القواعد، من الأعراف، تنتسب إلى الجماعة التي يعيش بين أفرادها. يقول دوركهايم في كتابه: "قواعد المنهج السوسيولوجي". العقائد والممارسات في الحياة الدينية، يجدها المؤمن كاملة وجاهزة لحظة ولادته. البيئة الإجتماعية تثقّف الكائن البشري الذي ينتمي إليها، تطبعه بطابعها. وهذا يعني أنّ لكلّ بيئة عقلاً جماعيًا خاصًّا بها. هذا العقل الجماعي ليس مجموع العقول الفردية، هو بالأحرى عقل عام يتشكّل من العقول الفردية ويتجاوزها في آن.

الظاهرة الإجتماعيّة إلزاميّة:

يتناول تأثير الظاهرة الإجتماعيّة الإنسان من زاويتين: فهي سابقة على الفرد، تسكبه في قالبها الخاص لحظة الولادة، وتمارس عليه إكراهًا وقمعًا، فإذا لم أراعِ أسلوب اللباس المتّبع في بلدي وطبقتي سأكون عرضة لضغط إجتماعي يظهر في الهزء منّي، وليس الهزء هنا سوى نوع من القصاص الإجتماعي.

 

    II.            منهج علم الإجتماع:

اذا كان علم الاجتماع، كما سبق وقلنا، علمًا اختباريًا موضوعه الظواهر الاجتماعية، فانّ قاعدته الأولى هي الانطلاق من المراقبة المباشرة، او غير المباشرة، للواقع الاجتماعيّ. ويعتمد في سبيل ذلك اساليب متنوعة: كالتحقيق الاجتماعي، الانخراط في مختلف النشاطات الاجتماعية...

واذا كان من الضروري ان نقارب الظواهر الاجتماعية كاشياء، كما يقول دوركهايم، فيجب الاّ يعني ذلك انّ للظواهر وجودًا مادّيًا بحتًا، بل يجب ان نتّخذ أمامها موقفًا موضوعيًا.

الاحصاء:

يكاد يكون الاحصاء المنهج السوسيولوجي بامتياز. فقد بات استطلاع الرأي والاحصاء أسلوبين  رائجين في علم الاجتماع، يتناولان جميع جوانب الحياة الاجتماعية لاسيّما الجوانب الاقتصادية والحراك الاجتماعي كالهجرة. ثمّ الجرائم وحالات الإنتحار والمقصود من كلّ ذلك ترجمة الوقائع الاجتماعية إلى أرقام رياضيّة، بغية الوصول إلى حقائق عامة تنظّم في تسجيلات بيانيّة.

وليس الإحصاء مجرّد تعداد لأشخاص أو حالات فقط. فلكي يكون هنالك إحصاء سوسيولوجي يجب أن تتوفّر مجموعة من الأحداث لكتلة أو جماعة. كما يجب أن تتّصف هذه المجموعة بصفات مشتركة تجعل منها واقعًا اجتماعيًا قابلاً للدراسة. لذلك وجب تحديد الحدث أو الظاهرة قبل الشروع بعمليّة الإحصاء. لأنّ مهمّة الإحصاء هي تحويل الظاهرة من ظاهرة نوعية إلى ظاهرة كميّة. فإذا أردت مثلاً أن أقوم بإحصاء حول الإنتحار، يجب أن أحدّد الإنتحار أوّلاً، أو أميّز بين أنواع الإنتحار، كما فعل دوركهايم.

لقد قدّم دوركهايم إحصاءا تتعلّق بظاهرة الإنتحار، فتبيّن له أنّ هذه الظاهرة هي أكثر رواجًا عند غير المتزوّجين، وعند المتزوّجين الذين لا أولاد لهم، أكثر من الآباء والأمّهات. وعند البروتستانت أكثر من الكاثوليك. وعند هؤلاء أكثر من اليهود، وفي وقت السلم أكثر من وقت الحرب. وبنتيجة الإحصاء وشرحه توصّل دوركهايم إلى القانون التالي: "الإنتحار يتناسب عكسًا مع درجة الإندماج الإجتماعي، الديني، العائلي والسياسي".

لكنّ شرح الإحصاءات مهمّة دقيقة، لأنّ المعطيات غالبًا ما تكون متداخلة ولا تكشف لنا مظاهرها عن العلاقات السببيّة دائمًا: ففي ظاهرة الإنتحار مثلاً، يجب أن تؤخذ بالإعتبار عوامل أخرى، كالأوضاع العائلية والإقتصادية والدينية والنفسية.

مناهج أخرى:

إلى جانب الإحصاء هناك نظامان من الدراسة الإجتماعية:

أ‌-     الأبحاث الوضعية: وتتمّ في حقل الظاهرة المباشر.

·        التحقيق الإجتماعي: ويصف موضوعًا إجتماعيًا كالقبيلة مثلاً.

·        إستطلاع الرأي: حول فكرة أو مشروع معيّن.

·        تحقيق ديموغرافي: الولادة، الزواج، الموت.

·        دراسة حالة: دراسة ردود الفعل النفسية لأفراد جماعة تعيش وضعية نفسية خاصة كالمهاجرين مثلاً.

ب‌-الأبحاث الإختبارية: تجري حول جماعات صغيرة: كيف تؤثّر الأكثريّة التي تملك وجهة نظر معيّنة على الأقليّة.

 

 

 

 

III.            علم الاجتماع والتاريخ:

صحيح أن التاريخ هو واحد من العلوم الإنسانية التي تهتم بدراسة الكثير من الحوادث الاجتماعية، إلاّ أنه من المستحيل أن ننطلق من منظور التماهي بين التاريخ وعلم الاجتماع، إذ إن كل منهما يشكل علمًا متخصصًا ومستقلاً بذاته من حيث موضوعاته المتميزة، ومن حيث مقارباته وطرائقه الخاصة. فحين يدرس التاريخ بعض الموضوعات أو الظواهر الاجتماعية فإنه يدرسها لجهة فرادتها الخاصة ولجهة تمركزها الزماني. فالتاريخ يهتم بدراسة الحوادث الواقعية الفردية والخاصة أكثر مما يهتم باستخراج القوانين والتعميمات. أما علم الاجتماع حين يدرس هذه الأحداث عينها، فإنه يحيلها إلى موضوعات وظواهر خاضعة للتحليل ثم للقوننة والتعميم، الأمر الذي يجعل من هذه الظواهر نماذجًا تعميمية غير خارج الزمن.

الواضح إذًا أنّ الاختلاف بين علم الاجتماع والتاريخ لا ينطلق من كون العلم الاجتماعي يعاين الحاضر بإزاء التاريخ الذي يرصد الماضي. فالموضوعات التي يدرسها علم الاجتماع ليست فقط مرهونة بالحاضر، بل إن عالم الاجتماع يحاول أن يحذو حذو العلماء فيدرس ظواهره من حيث كونها حقائق خارج الزمان والمكان.

وهذا هو المنطلق الذي اعتمده “لاكومب” في قسمته للظواهر إلى نوعين:

ظواهر أولى ثابتة تتشابه في كل المجتمعات ويطلق عليها تسمية “مؤسسة اجتماعية” (Institution). وظواهر أخرى هي بمثابة وقائع أو أحداث مفردة وخاصة، تشكل موضوع الدراسة التاريخية. وعلى هذا النحو فإن دراسة النظام الاقطاعي في منطقة بورغونيا Bourgogne حتى العام 1360 هو موضوع للدراسة التاريخية. أما تحديد طبيعة النظام السياسي الاقطاعي وخصائصه ومحدداته العامة فهو من اختصاص علم الاجتماع.

وبالرغم من الاختلافات العميقة بين الاجتماع والتاريخ، إلا أنهما يتبادلان الخدمات، ويسهم كل منهما في إغناء العلم الآخر. فالتاريخ لا يُستغنى عنه في الدراسات الاجتماعية، لأن علم الاجتماع لا يمكنه أن يسقط من حساباته فكرة الصيرورة. وهذا ما يعبر عنه “موس”  Mauss حين يعتبر أن الظاهرة الاجتماعية تتحدد بأنها لحظة من لحظات تاريخ الجماعة تتميز بنهاية حالة وبداية حالة جديدة.

وفي المقابل فإن التاريخ بدوره يحتاج إلى علم الاجتماع لكي يصف الأحداث بشكل صحيح ومنضبط. فعملية الوصف تكون مشوّهة إذا نحن لم نفهم الموضوع أو الحدث الذي نقوم بوصفه. والفهم هو عبارة عن استخدام مقارنات ومشابهات لتحويل الحدث إلى مسألة تصورية أو علاقة. ولذلك يقول “دوركهايم” أنه من غير الممكن أن نصف حدثًا مفردًا لأننا لا نراه ولا نفهمه. فالمقارنة والخروج من حالة الحدث الفردي الخاص تجعل فهمنا للأحداث التاريخية أكثر نضوجًا وعمقًا.

وإذا كان علم الإجتماع ضروريًا لشرح التاريخ. فإنّ التاريخ، بالمقابل، يوفّر لعلم الإجتماع مجالاً إستقرائيًا واسعًا من الأحداث والظواهر الإجتماعية والتاريخية لتحليلها، والوقوف على تطوّر المؤسسات المرتبطة بها.

خلاصة عامة

وضع "فيبير" مذهبًا لدراسة الاحداث الاجتماعية يرمي الى إدراك معاني الاحداث الاجتماعية، كما هي في ضمير  النّاس. ذلك انّ هذه الأحداث هي حقائق نفسية يعيشها ابناء مجتمع معيّن في ظروف معيّنة. فهم أصحاب تجربة معيوشة لا نستطيع فهمها الاّ اذا شاركنا فيها. وانتقد "مونيرو" فكرة دوركهايم القائلة: انّ الظواهر الاجتماعية هي اشياء. واعتبر انّها حقائق إنسانية لا يمكن فهمها بالأساليب التي تعتمدها دراسة الظواهر المادّية. فنحن هنا مدعوّون الى فهم الحادث الاجتماعي في معناه الداخلي، لا في علاقاته بالأسباب الخارجيّة. انّ الاحداث الاجتماعية هي اهداف انسانية لا تدرك الاّ بعمليّة تعاطف وجداني ينقلنا الى دواخل من يعيشها. 

ولكن هل نستطيع عيش مشاعر الآخرين؟ تبدو هذه المقارنة ممكنة ومفيدة على المستوى الفردي. امّا على المستوى الاجتماعي فتبدو غير متوافقة مع اي بحث علمي.

علم الاجتماع الصحيح يجب ان يكون متفهّمًا وشارحًا في الوقت نفسه. ذلك انّه مدعو الى عيش الدلالات الخاصّة وفهمها وابرازها من جهة، ولانّ الاعتراف بانّ هذه الدلالات المكتشفة تتجاوز المشاركين في ظاهرة اجتماعية الى حقيقة واقعية، من جهة أخرى.

 

لمزيد من التعمّق حول الموضوع إضغط على هذه العبارة: مبحث العلوم الإنسانية 

Make a free website with Yola