العلوم الإختبارية 

مقدّمة

تُسمّى علوم الطبيعة: "العلوم الاختبارية"، و "علوم المراقبة"؛ هذه الخصائص تميّزها عن علوم الرياضيات التي لا تهتمّ مباشرةً بالمضمون المادّي، أو الطبيعي لأفكارها الرمزيّة المجرّدة. وعلوم الطبيعة عديدة، وعددها يزداد باضطّراد، ولكن يمكن اعتبارها جميعاً في إطار أربع مجموعات: الفيزياء والكيمياء والفلك والأحياء (البيولوجيا)؛ إذاً، موضوع علوم الطبيعة هو الأجسام والقوى الطبيعية، المادية، القابلة للمراقبة والاختبار.

ولكن ماهي المنهجيّة المعتمدة في هذه العلوم؟

في كتاب شهير للفيزيولوجي الفرنسي كلود برنار (Claude Bernard) بعنوان: "مدخل الى دراسة الطبّ الاختباري" عرض لمواصفات المنهجيات المعتمدة في مختلف علوم الطبيعة، وهذه المنهجية بحسب برنار، هي مسيرة على ثلاث مراحل، هي على التوالي: المراقبة، والفرضية، والاختبار.

                               I.            المنهج الاختباري:

يتضمّن المنهج الاختباري ثلاث لحظات متعاقبة وأحياناً متداخلة:

1.    المراقبة

إنّ مراقبة الحدث الطبيعي (observation) هي الخطوة الأوّليّة. فالعالم المتخصّص يشاهد الحدث، إمّا بالعين المجردة أو بواسطة آلات. فكلّ المراقبات العلميّة المعاصرة تتمّ عبر أجهزة مراقبة تكون أحياناً فائقة التعقيد وعالية التقنية وباهظة التكاليف. حتى ليمكننا القول أنّ لا علوم طبيعية اليوم من غير آلات متطوّرة: آلات مراقبة وآلات اختبار تكون غالباً هي ذاتها. بهذا المعنى قال باشلار: "إنّ تاريخ كل علم من العلوم، هو تاريخ آلاته". (إنّ المركبات الفضائية، مثلاً، هي آلات مراقبة لا مثيل لها، وآلات اختبار أيضاً).

إلا أنّ أهم ما في المراقبة هو أن العالم ينظر الى الحدث، ليس كمنظر طبيعي اعتيادي، بل كمسألة علميّة تحتاج الى حلّ. إنّ سقوط تفاحة من شجرة هو حدث "عادي" بالنسبة الى غير العلماء، أمّا العالم (نيوتن مثلاً) فيرى فيه مسألة علمية (fait-problème) بالغة الصعوبة.

والأحداث التي تحرّض أو تدفع الى البحث العلمي هي التي تبدو وكأنّها تعارض تفسيراً علمياً سابقاً، أو يعتقد أنّه تفسير "علمي"! إنّه حدث/مسألة، أو حدث مثير للنقاش والجدل (fait-polémique)، كما يقول باشلار. فماذا يفعل العلم إزاء هذا الحدث-المسألة المراقب؟ وقد تقود المراقبة الى تجارب أوليّة، أكثر دقّة، وذلك قبل صياغة الفرضيّة.

2.    الفرضية: Hypothèse

وتسمى أيضاً نظرية أولية، أي جواب نظري أوّلي عن المسألة التي طرحتها المراقبة. هدف هذه النظرية جعل الحدث مفهوماً فهماً معقولاً علمياً، أي تفسيره، ومصالحته مع العلم، بعد أن بدا بالمراقبة كأنّه متعارض مع بعض قوانين هذا العلم.

هذا الجواب لا يجوز أن يكون متسرّعاً. بل هو، على الحقيقة، بناء فكري فيه كل صفات الإبداع والخلق والاكتشاف. إن عبقريّة العالم تبرز في صوغه الفرضية التي سيحلّ بها ما بدا تناقضاً.

والعالم لا يفترض نظرية واحدة كحلّ محتمل لمسألته، بل يضع فرضيات عدة، كلّها ممكنة عقلياً وعلمياً. كبلر (Kepler)، مثلاً، وضع، كما قال، تسع عشرة فرضية ممكنة لخط دوران المريخ حول الشمس، قبل أن يختبر أنّ كل نظرياته هي خاطئة باستثناء واحدة فقط، وربما من دون أي استثناء في أحيان كثيرة! مثلاً: توريتشللي (Torricelli) وفرضية وجود ضغط هوائي غير منظور (ضغط جوي)، لتفسير عدم صعود الماء في الأنابيب الفارغة الى علو يتجاوز 18 ذراعاً (أي 10،33 أمتار)...

إنّ الفرضية هي عمل عقلي تركيبي إبداعي، تهدف، من جملة ما تهدف، الى إعادة الوفاق والانسجام داخل العلم الذي تعرّض لمناقشة من الفرضية الجديدة، وذلك بإدخال النظرية الجديدة في نظامه المتماسك système. إنّ الفرضية يجب أن تكون قادرة على الاجابة عن كل الأسئلة التي يطرحها الحدث/المسألة، كلها من دون أي استثناء. يجب أن يكون عندها التفسير العلمي.

ولكن كيف نمتحن صحة النظرية أو خطؤها؟ هنا يأتي دور التجربة.

3.    التجربة أو التحقّق من الفرضيّة

التجربة وحدها تحكم على علمويّة (scientificité) الفرضيّة. هناك فرضيات ليس من الممكن اختبارها بالوسائل التقنية الراهنة، إمّا كلياً أو جزئياً. فنطلق عليها اسم: "نظرية"، على الرغم من أنّ عناصرها كلّها علميّة. مثلاً: "نظرية النسبية" لأينشتاين (Einstein)، "نظرية الثقوب السوداء"...

وثمّة فرضية حصلت في التاريخ ولا سبيل لمراقبتها ولاختبارها، مثل نظريّة الانفجار الكوني الأعظم (بيغ بنغ Big bang). هناك نوعان من اختبار الفرضية:

1- إما بمراقبة جديدة: وهذا الأمر يحصل غالباً في العلوم التي يصعب الاختبار فيها، مثل علم الفلك. فإنّ نظرية وجود كوكب نبتون تأكّدت صحتها بهذه الطريقة، عندما تمت مشاهدته فعلاً.

2- وإما بالاختبار المختبري: أي بتركيب اصطناعي مشابه للحدث الطبيعي، وإمكانية إعادته مرّات عدة بالشروط  نفسها. فإذا كانت النتيجة واحدة، تكون النظرية قد تمّ التحقق منها.

لا بدّ من ملاحظة هامة ههنا، وهي أنّ التحقّق الاختباري الايجابي من فرضية ما، لا يعني أنّ هذه النظرية صحيحة بالضرورة. فأحياناً كثيرة تكون النظرية غير علمية وخاطئة، وتكون نتائجها صحيحة. وتبقى هكذا لفترة من التاريخ! مثال ذلك، أننا وضعنا روزنامات جيّدة ظلّت شائعة آلاف السنين انطلاقاً من فرضية خاطئة هي أنّ الأرض ثابتة!

إذًا الاختبار قادر على أن يؤكد بدقة خطأ فرضية. ولكنّه لا يستطيع أن يؤكد بالدقة نفسها صحّة فرضية. لكأنّ الطبيعة قادرة أن تقول "لا" بشكل مؤكّد؛ ولكنها ليست قادرة أن تقول نعم بشكل أكيد.

خاتمة

إنّ علوم الطبيعة تتطور كحلّ لمعضلات تطرح على العقل البشري، أو كحلّ لتناقضات بين الطبيعة وعلمنا. فالجهد البشري الفكري والتقني (العلمي) يتآزران لتقديم هذه الحلول. ولكن لا بدّ أيضاً من تعاون واسع داخل البلد الواحد (وبمؤازرة دعم السلطات كافة) وتعاون بين البلدان أيضاً، للقيام بهذه الإنجازات العلميّة الاختباريّة بشكل ناجح وسريع ومستمر ومن غير توقّف.

 

لمزيد من التعمّق حول الموضوع إضغط على هذه العبارة: مبحث العلوم الإختبارية 

Make a free website with Yola