علوم إسلامية

 

مقدّمة:

تولّدت علوم جديدة بموضوعات متخصّصة، ونكاد نحصر هذه العلوم بثلاثة: علم الكلام، وعلم أصول الفقه، وعلم التصوّف. العلم الأول، أي علم الكلام موضوعه المعتقدات الإيمانية في الله، والعالم، والإنسان وعلاقته بالله، واليوم الآخر. أمّا العلم الثاني، أي علم أصول الفقه، فموضوعه فلسفة الإسلام في اشتراع الأحكام في أمور الدين وفي شؤون الدنيا. والعلم الثالث، علم التصوّف، موضوعه أخلاق الإسلام وتوظيفها التربوي وأيضًا انفتاح التجربة الإسلامية الشخصية على بعد روحي إشراقي.

 

1- علم الكلام:

أ‌-    التعريف:

يقول ابن خلدون هو: "علم يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والردّ على المبتدعة المنحرفين في الإعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنّة".

ب‌-  التسمية:

أشارت الكتب إلى علم الكلام بأسماء عديدة:

1- علم أصول الدين. وسبب هذه التسمية أنّ علم الكلام يهدف إلى تأسيس العقيدة على قواعد عقلية برهانية.

2- علم العقيدة أو علم العقائد الإسلامية. سبب التسمية أنّه يبني العقائد الإسلامية ويرتبها للناس حتى يؤمنوا بها.

3- يبقى الإسم الأشهر وهو علم الكلام، إذ اعتبروا أنّ أهمّ مباحثه هو مبحث كلام الله – أي القرآن- وهل هو قديم أم محدث؟ وقد كثر فيه التّشاجر وسُفِكت فيه الدماء.

 

ج- موضوعات علم الكلام:

        ماذا نعتقد في الله، ما هي صفاته، أفعاله، هل نراه، هل يكلّمنا، هل يكترث بنا، هل يتولاّنا أو يتخلّى عنّا، على ماذا يحاسبنا، ماذا يغفر وماذا لا يغفر.. هل يغفر للعبد سواء أتاب قبل موته أم لم يتب.. كيف نستحقّ جنّته ونخلص من ناره في الدنيا قبل الآخرة.. ما معنى أن يرسل لنا رسالة، وكلامه هل هو قديم أم مُحدث؟ هل نختار أفعالنا ونقدر عليها أم أنّ قدرة الله تسيّر كل حركة في الكون؟

 

د- نشأة علم الكلام:

1- العوامل الداخلية:

أ‌-     طبيعة النصّ الديني: يرى إبن خلدون أنّ الأساليب البيانية للقرآن هي احد أسباب نشأة علم الكلام. ففيه آيات محكمة معانيها بيّنة، وآيات متشابهة يلتبس معناها على القارئ.

ب‌-           السياسة: وقع أوّل اختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيّهم، وكان حول موضوع الخلافة أو الإمامة، ولم يسفر عن هذا الإختلاف في الرأي خلاف بين المسلمين وفراق. ولكن لم يكد يمضِ نصف قرن حتى نشأ جدل ديني بين المسلمين حول قضايا الخلافة وشرعية الحكم والسلطة ومسألة الإيمان والأعمال، فأسهم هذا الجدل في تكوين فرق عقائدية ونشأة علم الكلام.

ت‌-           كبائر المعاصي: برز داخل البيئة الإسلامية أثناء حكم الدولة الأموية من يرتكب المعاصي ويتبرّأ منها بإرجاعها إلى المشيئة الإلهية وهم الجبرية. مثلاً قد تقتل السلطة شخصًا وتعلن أنّ الله أراد ذلك، لأنّ كل شيء خاضع لإرادته، وكذا قد يجاهر بعض الأشخاص بالمعاصي، ويدافعون عن أنفسهم بالجبر الإلهي، ونتج عن ذلك أن ضجّ الناس وتكاثرت التساؤلات حول علاقة الأعمال بالإيمان: هل الإيمان قول فقط، أم هو قول وعمل؟ هل مرتكب الكبيرة مؤمن حقًا؟ وهكذا فتحت مسألة المعاصي الباب واسعًا أمام التفكّر حول مفهوم الإيمان وحدوده وحول الفعل الإنساني: فهل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟

2- العوامل الخارجية:

انتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية وانفتح العقل العربي على تعدد الثقافات السابقة له والمعاصرة، واتصل بعلماء الديانات الموجودة ودخل معها في حوار وجدل.

 

ه- أهم قضايا علم الكلام:

الجبر والإختيار:

اعتقد المسلمون الأوائل بقضاء الله وقدره وأمسكوا عن مناقشة معنى ذلك والمجادلة فيه، ولكن خروجهم من "المدينة" وتبدّل نظام الحكم أدّيا إلى تغيّر في نمط الحياة، وبالتالي اضطرّوا إلى فتح حوار حول حريّة الإنسان ومسؤوليته.

أول فرقة عُرفت بالقدرية، لقولها بقدرة العبد على اختيار أفعاله. تذهب هذه الفرقة، إلى أنّ الإنسان قادر على فعل الخير والشرّ، ومسؤول عمّا يفعل يوم الحساب، يُثاب على ما هو خير، ويعاقب على ما هو شرّ بمقتضى العدالة الإلهية.. ودلّلت هذه الفرقة على مقولتها بنصّ آيات تدلّ ظاهرًا على التخيير، كقوله تعالى: "فمن يفعل مثقال ذرّة خيرًا يرَه ومن يعمل مثقال ذرّة شرًّا يره" (الزلزلة/8) واعتمدت مبدأ التأويل في أي نصّ يتعارض ظاهره مع مقولة من مقولاتها.

تصدّى لهؤلاء فرقة الجبرية التي تقول بأنّ العبد مجبر في أفعاله، تسيّره الإرادة الإلهية في كلّ ما يصدر عنه، وأنّ الله قد قدّر عليه مسبقًا كلّ ما يفعل، وكلّ ما يترك وكلّ ما يختار. واستدلّ على قوله بآيات يدلّ ظاهرها على التسيير، كقوله تعالى: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" (التوبة/51).

تمسكّت المعتزلة بحريّة إرادة الإنسان لسببين: السبب الأول أنّ الجبر والتسيير يناقضان العدل الإلهي، والسبب الثاني أنّ حرية إرادة الإنسان تفسّر وجود الشرّ في العالم. وقسّمت لذلك المعتزلة أفعال الإنسان إلى إرادية وإضطرارية: الأفعال الإرادية هي الواعية وتشمل الحركات والسكنات والنظر والعلم. والأفعال الإضطرارية هي التي لا إرادة للعبد فيها، وتكون بموجب القانون الضروري، مثل المرض والموت. واستدلّت المعتزلة على حريّة الإرادة الإنسانية ببراهين عقلية تتلخّص بأربعة:

أ‌-     الجبر والتكليف: لو كان الله صانعًا لأفعال العباد، لأصبحت الفروض والتكاليف لا معنى لها، فالإنسان هو الذي يخلق أفعاله التي يريد بالقدرة التي أعطاه إياها الله.

ب‌-  الجبر والعدل: لو كان الله صانعًا لأفعال العباد ثمّ حاسبهم عليها ففي هذا الحساب ظلم.

ت‌-  الجبر والشرّ: لو كان الظلم والفساد من قضاء الله، لاتّصف الله بذلك.

ث‌-  الجبر والإنسان: مهما تضافرت البراهين العقلية لحرمان الإنسان من حريّة إرادته إلاّ أنّه يحسّ من نفسه وقوع الفعل على يده. إنّه يشعر بالواجب ويعرف أنّه مسؤول.

وعلى الرغم من حشد المعتزلة للبراهين والأدلّة على حريّة إرادة الإنسان إلاّ أنّ الوجدان الإسلامي العام أنكر استقلال الإنسان بالفعل.

جاء الأشعري بنظرية "الكسب" التي فرّق فيها الإختيار والإقتدار؛ وقف الأشعري وسطًا بين الجبرية والمعتزلة. قسّم الأفعال إلى اضطرارية وإختيارية، ورأى أنّ الإنسان حرّ في أن يختار أفعاله الإرادية، ولكنّه لا يملك القدرة على إتيان الفعل الذي يختاره، بل يكسب هذه القدرة لحظة التنفيذ، إذ يخلقها الله فيه. وحيث أنّ الإنسان صاحب خيار حرّ بين الصلاح والفساد، فهو مسؤول عن اختياره، وحسابه عدل.

 

Make a free website with Yola