علم العمران

ابن خلدون :

النصف الثاني من القرن الثامن للهجرة , الرابع عشر للميلاد.

حدد ابن خلدون التاريخ بـقوله : حقيقة التأريخ  , انه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم , واما يعرض لطبيعة  زاليكة العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات , واصناف التقلبات للبشر   بعضهم على بعض , واما ينشأ عن ذالك من الملك والدُوَل ومراتبها وما يحتله للبشر بـأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وصار مايحدث من ذلك العمران بـطبيعته وأحواله .  

التأريخ خبر شامل :

نتبين من هذا التعرف ان التأريخ  , بالنسبة لابن خلدون , هوا خبر من مجمل الظواهر والاحوال الاجتماعية: الظاهرة الاقتصادية الظاهرة السياسية والعسكرية , الظاهرة الثقافية فال تاريخ لم يعد يقتصر على ظاهرة واحدة هي الظاهرة السياسية العسكرية , ولم يعد واقفا على أخبار الملك والاشخاص البارزين .

التاريخ هو خبر علمي : فهوا لا يكتفي بسرد الوقائع بل يحاول البحث  عن اسبابها وعللها , وهذا يعني :

1-     ان الاحداث التاريخية لا تقع بالصدفة , إنما لها علل وأسباب

2-     إن هذه الاحداث مترابطة فيما بينها قير منفصلة الواحد عن الآخر.

أما النظر والتحقيق فيما فمن اجل تميز الصحيح من الباطل في الأخبار

 .هذا التحقيق والتحيمص يتطلب في الواقع أمرين :

1-     التأكد من صديق روعة الأخبار وامانتهم. ويكون هذا بشكل اساسي من خلال التعديل والتجريح.

2-     النظر في الممكن من الأخبار المروية  , أي في ما إذا كان الخبر ممكنا في حد ذاته أو مستحيلا . هذه المعرفة سابقة للتحميص لان الخبر , إذا كان بحد ذاته مستحيلا , فلا حاجة للعودة إلى التعديل والتجريح.         

  مغالط المؤرخين:

يحدد ابن خلدون هذه اغلاط  موضحا الأسباب الكامنة  وراء كل منها :

التشجيعات للآراء والمذاهب :أي تأثير الاعتقدت والتحزبات المختلفة . وهكذا فان التشيع يجعل المؤرخ يفتش لا عن الحقيقة المجردة , بال عن أدلة وقرائن تثبت الآراء المسبقة التي تكونت عنده عنده .

الثقة بالناقلين :   أي ان الناقل قد يكون مخطئا عن قصد أو عن غير قصد , فيقتضي ان يتحقق المؤرخ من صديق كلامه بـاعتماد التعديل والتجريح .

الذهول عن المقاصد :  أي ان جهل المؤرخ لحقيقة ماينقله قد يجعل هذا النقل مخالفا للواقع , رغم انه لم يقصد عدم الامانة .

توهم الصدق :أي ان يتوهم المؤرخ الصدق  في خبر كاذب , إما لان المنقول عنه اشتهر بالصدق واما لان الخبر يبدو معقولا

التقرب من أصحاب التجلة والمراتب .

الجهل بـطبائع الأحوال في العمران :وهي سابقة علي جميع ماتقدم الجهل بـطبائع الأحوال في العمران . أي ان مؤرخ , الذي يجهل طبيعة الوقائع  الاجتماعية , قد ينسب أحوال عمران إلى عمران آخر مختلف , فإذا كان يجهل طبيعة المجتمع البدوي مثلا ,قد ينسب إلى هذا المجتمع أخبارا تتنافى مع طبيعته كوجود صناعات مزدهرة أو علم متطورة.

قبول الأخبار المستحيلة.

الذهول عن تبدل الأحوال  .

ولوع النفس بالغرائب وحب المبالغة .

ضرورة الاجتماع :

يعتبر ابن خلدون ان الاجتماع ضروري وطبيعي بالنسبة للإنسان . فقد عرف الحكماء  اليونان الانسان بأنه  "مدني بالطبع  أي لا بد لا من الاجتماع الذي هوا المدينة في اصطلاحهم , وهو معنى العمران . لكن من اللذي يجعل الاجتماع الانساني ضروريا' ؟

- التعاون لاشباع الحاجة المادية الأساسية , أي الحاجة إلى الغذاء .

- التعاون الدفاع عن النفس لان الإنسان يعجز بـمفرده عن تأمين الحماية لنفسه .

- " ثم ان هذا الاجتماع , إذا حصل للبشر فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم "

خلاصة :

يتفق ابن خلدون في تقريره طبيعة الاجتماع وضرورته مع معظم المفكرين اللذين  سبقوه وبخاصة اريسطو . غير  انه مثلما اعتبر الاجتماع  طبيعيا في البشر , اعتبر كذلك العدوان  طبيعيا فيهم . لذلك لا يستمر الاجتماع الا بالملك الذي يمنع هذا التعدي .

العمران البدوي: أصنافه وخصائصه :  

يعتبر صاحب المقدمة ان نحل المعاش , أي انماط  معيشة البشر هيا التي  تحدد نوع اجتماعهم . وبالفعل , ان الدافع الاول إلى الاجتماع البشري هو التعاون لتحصيل الغذاء , ولكن تحصل الغذاء مرتبط بالدرجة الأولى بـطبيعة الارض : فاما تربة مجدبة قليلة الزرع لا توفر لاهلها سوى ضرورياتهم , واما تربة خصبة توفر لاهلها أسباب الكماليات . في الحالات الأولى يكون العمران بدويا , بينما يكون في الثانية حضريا '

 

مفهوم العمران البدوي :

انه العمران الذي يكون اهله هم من البدو لانهم المنتحلون للمعاش الطبيعي عن طريق الفلاحة )الزراعة ( أو تربية الماشية وهذا يتطلب بادية , أي مساحات واسعة لا تتسع لها الحواضر من المزارع والمسارح للحيوان.

اصناف البدو  :

 

هم ثلاثة اقسام:

-          من كان معاش منهم في الزراعة وهؤلاء سكان المدر

-          من كان معاشه في الغنم والبقر , ويسمون شاوية.

 

-          من كان معاشهم في الابل هؤلاء هم العرب .          

خصائص العمران البدوي :

وأهم هذه الخصائص :

-          البداوة اقدم من الحضارة وسابقة لها :

فالبدو اصل للمدن والحضر وسابق عليهما , لان أول مطالب الانسان الضروري ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلى إذا كان الضروري حاصلا..."

-          التقلب الدائم :

ترتبط حياة أهل البادية  من حيث تنقلهم أو استقرارهم بـوسائل معاشهم . والحال ان هذه الوسائل تختلف بـاختلاف اصناف البدو .

-          قلة الصنائع والعلوم

في المجتمع البدوي تكون الصنائع قليلة واساليبهم بدائية , لان الصنائع المتطورة تستوجب العلم . والعلم يستوجب بدوره الاستقرار . فضلا عن انه كمالي بالنسبة إلى نمط الحياة البدوية .

-          قلة عدد المجتمع البدوي

تتسم طبيعة الحياة في البادية  بالخشونة وشاتف العيش مما يحول دون تكاثر عدد أفراد المجتمع البدوي وبخاصة ان موارد هذا المجتمع محدودة .

صفات البدو :

يعتبر ابن خلدون ان صفات البدو واخلاقهم هيا نتيجة لظروف حياتهم الاجتماعية . أما هذه الصفات فـأبرزها :

أهل ا لبدو أقرب إلى الخير من اهل الحضر

أهل البدو  مغلوبون لاهل الامصار: فضروريات الصنائع كلخياطة والحدادة والنجارة  غير موجودة كلها لأهل البدو, وكذلك الأموال .

  العصبية :

هي النعرة على ذوي القربى وأهل الارحام ان ينالها ضيم أو تصيبهم هلكة نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا . ومن شان هذه النزعة تحمل أفراد النسب الواحد على نصرة بعضهم بعضا غير ان درجات القرابة تتفاوت إذا هناك :

-          عصيبة عامة تشمل أبناء القبيلة الواحدة كلهم

-          عصيبات  خاصة مثل " عشير واحد أو اهل بيت واحد أو اخوة بني اب واحد"

العصيبة والدين :

بين العصيبة والدين علاقة وثيقة . هذه العلاقات ذات بعدين أساسيين :

الأول إن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم

الثاني إن الدعوة  الدينية تزيد الدولة في اصلها قوة على قوة العصبية

خلاصة :

ميز ابن خلدون شكلين رئيسيين من العمران البشري : بدوي وحضري , بيد انه يعتبرهما نموذجين مغلقين متناحرين , بل النظر إليهما في اطار تطور عام يبدأ من العمران البدوي وينتهي مع العمران الحضري.     

العمران الحضاري نشأته وخصائصه :

مفهوم العمران الحضري:

الحضارة هي التعاون على الكمالي . إنها   “تفنن في الترف واحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والابنية وسائر عوائد المنزل وأحواله

   نشأته :

تنشأ الحضرة بـطريقتين رئيسيتين:

-          الأولى : التطور الطبيعي التدريجي

إن هناك تطور تدريجي داخل كل عمران , كما هناك تطور يتم معه الانتقال من البداوة إلى الحضارة

-          ثانيا : التفاعل بين الشعوب

إذا هيئ لقبيلة بدوية ذات عصبية قوية ان تغزو دولة ضعيفة متاخمة لها وان تنتصر عليها , فإنها تنشئ دولة جديدة يتم فيها التفاعل بين الشعبين: الغالب والمغلوب .

خصائصه :

تتفرع خصائص العمران الحضري من طبيعة الحضرة التي تقوم على الكماليات. أهم هذه الخصائص فهي :

-          الحضرة تابعة للبداوة تبعية الكماليات للضروريات

-          الدعة والسكون :

ويعود هذا إلى توافر الكماليات في المدن والامصار , وإلى نحل أهل الحضر المعاشية

-          كثافة السكان :

وذلك بـفعل التجمع المتزايد للبشر في المدن والامصار بـاعتبارها السوق الأكبر لي احتياجاتهم من جهة

-          انحلال العصبية :

في المجتمع الحضري تختلط الانساب وتتداخل الشعوب       , فتنحل هكذا العصبية

-          فقد الشجاعة :

حياة البدأوا تستلزم الشجاعة لمواجهة خاطر الحيوان المفترس وخاطر الغزو , أما الحياة الحضرية فتذهب , من حيث طبيعتها , بالشجاعة لعدم وجود حاجة أهل الحاضر إلى القتال واستخدام السلاح بعد ان اصبحت مهمة الدفع والحماية من مسؤولية الدولة.

-          فساد الاخلاق

-          انتشار العلم والصنائع والفنون:

في المجتمع الحضري تزدهر العلوم والفنون وينتشر التعلم

-          قيام الدولة

    خلاصة :

لم يترك ابن خلدون نقيصة إلا ونسبها إلى اهل الحاضر , كما لم يترك عيبا إلا ونعتهم به غير انه مع ذلك رأى بعد الحسنات في الحضارة : فهيا وراء تقدم العلوم والصنائع . والحضارة أيضًا تكسب الحضري ذكاء وتفيده عقلا .

 

 

الدولة : نشأتها ، عمرها ، أطوارها، أسباب انهيارها

اولى ابن خلدون الدولة عناية كبيرة، الّا أنه لم يقدّم لنا مفهوماً واحدا وشاملا لها : فهي احيانا تعني اي نوع من انواع السلطة الإجتماعية سواء في المجتمع البدوي او في المجتمع الحضاري. وهي أحيانا اخرى الوازع في المجتمع الحضري او الملك التام .

١- نشأتها

يرى ابن خلدون ان نشأة الدول، في حال هرم الدولة المستقرّة، يكون على نوعين رئيسين :

أ- النوع الأول: هو " أن يستبد ولاة الأعمال في الدولة عندما يتقلّص ظلّها عنهم، فيكون لكل واحد منهم دولة يستجدّها  لقومه."هكذا تنقسم الدولة الواحدة دولتين أو أكثر.

ب- النوع الثاني : هو عندما تتطاول قوة خارجيّة من الأمم والقبائل المجاورة على الدولة في مركزها فتستولي عليها. هذا ما يجعل الحروب امورا طبيعية  تعتمدها القبائل والأمم للحصول على خيرات الملك والتنعّم بملاذه . للظفر في هذه الحروب لا بد من مستلزمات أهمها:

          (أ) قوة عصبية القبيلة او الأمة الغازية.

          (ب) ضعف عصبيّة الدولة الهمة وتفكّكها .

 ثم أن استيلاء الدولة المستجدّة على الدولة المستقرّة يتم بالتدريج ومع مرور الزمن، لا بصورة فورية. فضلا عن هذين النوعين الرئيسيين لنشأة الدولة، هناك نوع ثالث يتمثّل في انتقال الملك من بيت الى بيت آخر في العصبية العامة.

 

٢- عمرها

يعتبر ابن خلدون ان للدولة عمراً كالأشخاص وهو لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال :

أ- الجيل الأول  :

" لم يزالوا على خلق البداوة و خشونتها".

ب- الجيل الثاني:

"تحوّل حالهم بالملك والترفّه من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف والخصب".

ج- الجيل الثالث:

" ينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن... ويبلغ فيهم الترف غايته ... فيصيرون عيالاً على الدولة ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم و تسقط العصبيّة بالجملة"

في هذه الأجيال الثلاثة يكون هرم الدولة، ولذلك كان انقراض الحسب في الجيل الرابع. أما عمر هذه الأجيال فهي مائة و عشرون سنة عبى وجه التقريب .

لكن ابن خلدون قال بإمكانيّة إطالة عمر الدولة عن طريق إختيار صاحبها أنصاراً له من غير عصبيّته ممن تعوّدوا الخشونة، فيتّخذهم جنداً " ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها ".فيضيف هكذا عمراً آخر الى عمرها.

 

٣- أطوارها

تنتقل الدولة في أطوار مختلفة يكتسب القائمون بها في كل طور خلقاً من أحوال ذلك الطور.

ويرى ابن خلدون أن أطوار الدولة لا تعدو في الغالب الخمسة :

أ- الطور الأوّل:

طور الظفر بالبغيّة: أي الحصول على ما كان يرغب به البدو من نعيم و ترف متوفّرين في الملك.

ب- الطور الثاني:

طور الإستبداد والإنفراد بالملك: فيه ينزع صاحب الدولة، بعد ان استولى على الملك بمساعدة أبناء عصبيّته، الى الإنفراد بالمجد بينما يسعون هم الى الإستمرار في مشاركته هذا المجد.

فيحدث نزاع بينه وبينهم ينقطعون عن مساعدته وقد يخرجون حتى عليه.

ج- الطور الثالث:

طور الفراغ والدعة: لتحصيل ثمرات الملك، فينصرف أهل الدولة، بعد أن تخلّصوا من المتاعب، إلى الراحة والسكون والدعة. و في هذا الطور أيضاً تبلغ الدولة أوجّها من حيث القوّة والسلطة كذلك.

د- الطور الرابع:

يفقد صاحب الدولة في هذا الطور الطموح فيسالم غيره من الملوك ويقتنع بما بناه أسلافه ويقلّدهم اعتقاداً منه أنهم أبصر أبصر بما بنوا من مجد و أسّسوا من ملك، وأنه يخطىء إذا خرج عن تقليدهم.

هـ- الطور الخامس:

طور الإسراف والتبذير: يتلف فيه صاحب الدولة ما جمعه أسلافه على شهواته وملاذه والكرم على بطانته.

 

٤- أسباب انهيار الدولة:

إن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما: فالأوّل الشوكة والعصبيّة، وهو المعبَّر عنه بالجند، والثاني المال الذي هو قوام اولئك الجند وإقامة ما يحتاج اليه الملك من الأحوال والخلل إذا طرق الدولة طرقها في هذين الأساسين.

أ- الخلل من الجهة العصبيّة:

تبدأ هذه العصبيّة بالضعف اعتباراً من الطور الثاني مع استبداد صاحب الدولة وانفراده بالمجد.

في هذه الأثناء تقلّ الحماية في أطراف الدولة و ثغورها. فتبدأ الدولة هكذا " تتلاشى إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور"

ب- الخلل من جهة المال:

وهو يترافق مع الخلل من جهة العصبيّة، و يتعاظم مع تطوّر الدولة وحاجتها المتزايدة إلى المال.

 

٥- قيمة نظريّة العصبيّة:

العصبيّة عند ابن خلدون هي الرباط الإجتماعي الطبيعي والواقعي.

أما من حيث دورها، فهو أساسي على شتّى الصعد:

۱- في البداوة: العصبية هي التي تجعل السكن في البادية ممكناً.

٢- في الرئاسة : " الرئاسة لا تكون ألاّ بالغلب، والغلب إنما يكون بالعصبيّة."

٣- و في وهن الدولة وانقراضها، إذ العصبية هي أحد أساسي الملك، فإذا تسرّب الخلل إلى هذا الأساس تسرّب إلى الدولة.

٤- في الدين حيث الدعوة الدينية لا تتم من غير عصبية.

 

بيد أن ابن خلدون يشير من جهة ثانية إلى أمرين أساسين هما:

أ- أن الدولة، إذا استقرّت وتمهّدت، فقد تستغني عن العصبيّة، لأنها حينذاك تصبح مألوفة لديهم ولا تعود بحاجة إلى عصبيّة قويّة لإخضاعهم.

لكن هذه القراءة الواقعيّة والماديّة للتعاون الإجتماعي بين البشر، يقابلها قراءات أخرى:

منها ما يرى الرباط والتعاون اللإجتماعيين في الثقافة المشتركة، ومنها ما يراها في اللغة الواحدة أو الدين الواحد، منها ما يراهما في العامل الجغرافي، و منها كذلك ما يراهما في الطبقية الإجتماعية...

 

Make a free website with Yola