العلم والفلسفة

 

مقدّمة

 

حين سئل " لاشولييه " ما هي الفلسفة؟ أجاب : الفلسفة ؟ لا أعرف؛  وذلك لأن الفلسفة، بتعدد موضوعاتها وحقولها وتدرب ألإتجاهات داخلها لا يمكن أن تنحصر في أي تعريف. ولكن يمكن مقارنة الفلسفة مع أشكال ثقافية أخرى، وخصوصاً العلم بهدف فهمها واكتشاف نقاط التلاقي والاختلاف بينهما.

 

      I.            خصائص العلم:

أي نوع من المعرفة هو العلم؟

العلم هو نوع محدد من المعرفة، هو نشاط منظم يسعى لمعرفة زوايا الطبيعة والإنسان ومحيطه. هو المعرفة التي تتّسم بتحديد او بشروط منها: انّها موضوعية، اكيدة( بقدر مانعرف)، دقيقة، وضعية،  كمية (يمكن قياسها)، ويمكن التحقّق منها واعادة اثباتها على نحو مطّرد (قابلة للاختبار والتجربة).

في العلم موضوعات ومنهج ونتائج، وهو وان كان لا ينهض بلا موضوعات وهدفه دائما بلوغ النتائج ،الاّ انّ المنهج هو الذي يجعل منه علما، فيميّزه عمّا ليس بعلم. المنهج هو الخاصّية الاساسية التي تسمح لنا بالتمييز بين المعرفة العلمية والمعارف غير العلمية. العلم الى حد كبير هو المنهج.

 

    II.            خصائص الفلسفة:

لفظة فلسفة تعني محبة الحكمة، إذًا هي مسيرة متواصلة نحو الحكمة التي احبّتها، يعني مهمّة الفلسفة مهمة لا تنتهي. تستعمل مفردة فلسفة بمعنين:

بالمعنى الواسع: فهي اقرب الى فعل تفلسف او تفكر اي هي فعل التفكير الذي يتميّز بأنّه اكثر تجريدًا وعمقًا من افعال التفكير الاخرى.

بالمعنى الاكاديمي : الفلسفة هي اكثر احترافًا وتَفترض قواعد وشروطًا منهجية محدّدة كيما تتميّز كحقل معرفي، له وجوده واستقلاليته. ويمكن اعتبار سقراط من اوائل مفكري الاغريق الذين مارسوا التفكير الفلسفي ونموذجًا دائمًا للمفكّر الحرّ المتمسّك بالحقيقة. يقول سقراط : "لن ادعو طلاّبي هؤلاء حكماء...بل محبّي الحكمة او فلاسفة". هذا التوصيف فيه من الدلالات ما يكفي لتمييز حرفة الفيلسوف واقلّها معانٍ ثلاث:

أ – الفيلسوف لا يبحث عن المعرفة الجزئية بل يبحث عن الحكمة بما فيها من شمول وعمق.

ب – البحث عن الحكمة هو اعتراف واعٍ وارادي بأنّنا لا نملكها.

ج – المعنى الثالث اعتبار الفلسفة بحثًا عن اجابة اكثر ممّا هي العثور على اجابة.

الفضول او الدهشة ازاء الموضوعات والتحديات المحيطة بالانسان او القائمة في داخله، والرغبة في فهمها واعطائها تفسيرًا او معنى، والتفكير في ذلك كلّه، يجعل الفلسفة مشروعا لنحياه بالفعل وليس مجرد "نظريات "جاهزة. من هنا قول ارسطو :"الدهشة أوّل التفلسف".

 

 III.            علاقة العلم بالفلسفة :


أ- التمايز :
تظهر وجوه التمايز بين العلم والفلسفة على مستوى الموضوعات والمناهج والنتائج.
1- على صعيد الموضوعات، موضوعات الفلسفة شاملة عامة لا يمكن درسها بعلم محدد
مثل المسائل المتعلقة بالثقافة الانسانية ومكانة الانسان وموقعه في هذا العالم؛ بينما موضوعات العلم جزئية تخضع للمنهج الإختباري مثلاً كيفية عمل قلب الإنسان.

2- على صعيد المناهج : مناهج الفلسفة نظريّة عمومًا تستخدم أدوات المنطق من تحليل وتركيب واستنتاج.... أمّا مناهج العلوم فهي تقنيات خاصة بكل علم ( مراقبة، فرضية ، تجربة أو برهان ).
3- نتائج الفلسفة هي فرضيات أو تعميمات أقرب إلى وجهات النظر، بينما نتائج العلم وضعية، دقيقة، كمية يمكن قياسها؛ مستندة إلى وقائع حسيّة.

 

ب-التكامل :
   القول بأن الفلسفة تناقض العلم هو قول خاطئ، هناك تكامل بين العلم والفلسفة وبما يعود عليهما بالنفع في آن معا. بم يتّفق الإثنان؟
    الأمر البديهي الأوّل هو أنّ الفلسفة ليست بديلة عن العلم أو منافسة له، صحيح أن الفلسفة كانت تحتوي في السابق كلّ العلوم، إلاّ أنّ هذا الدور لم يعد لها بل للعلوم الجزئية. لكن هناك دور باقٍ للفلسفة وهو وضع "
Systeme" أو نسق للعلوم الأخرى. فالعلوم تستطيع أن تقول ما تريد وأن تصل إلى نتائج حاسمة، ولكن في تخصصات لا تتعدّى موضوعًا معيّنًا، وتبقى الحاجة إلى من يجمع هذه الموضوعات المختلفة في قالب واحد، وهو عمل الفلسفة.

    كذلك، نادرًا ما يناقش العلم الاسس او البديهيات التي يبنى عليها العلم نفسه او طرائقه او قيمة ما ينتجه او انعكاساته المعرفية والاجتماعية والثقافية، الامر الذي تقوم به الفلسفة فقضايا الفلسفة اكثر عمومية وشمولية من ان يتناولها علم بعينه.
     كما أنّ العلم غير معني بالمواقف الإنسانية تجاه قضية من قضايا التطوّر والمجتمع والمستقبل، أمّا الذي يسأل عن قيمة القضايا فهو الفلسفة؛ مثلاً العولمة. للفلسفة أيضاً دور نقدي وبنّاء خصوصاً في ما يختصّ بالتطور العلمي والتكنولوجي مثلاً: أسلحة الدمار الشامل، حقوق الإنسان، الإستنساخ.

   لم يلغِ تقدّم العلوم والتكنولوجيا الحاجة الى الفلسفة، بل لعلّه قدّم موضوعات وتحدّيات اضافية تحتاج الى نقاش فلسفي. معظم النّاس، وبخاصة مع انتشار الوعي والمعلومات، تتّخذ مواقف محدّدة من التطوّر التكنولوجي والعلمي، وهذه المواقف هي إلى حدٍّ ما فلسفية.


الخاتمة

الفلسفة والعلم، إذًا، جزءان ضروريان لمشروع الإنسان والإنسانيّة، في غاياتهما الراهنة والمستقبلية، وإن اختلفت مناهجهما وأدواتهما، بل لعلّ هذا الإختلاف طبيعي وضروري لقيام كلّ منهما بوظيفته. ولولا هذا الإختلاف الوظيفي لما تمكنّا من تبادل المشكلات والنقد بما ينفع ويصوّب ويعدّل لاستمرار مسيرة تقدّم البشريّة.

 

al3elem walfalsafa cours 2.docx al3elem walfalsafa cours 2.docx
Size : 0.033 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola