العمل والملكية 

العمل والملكية

تمهيد

       التفكير بمعنى العمل وقيمته يعود إلى أزمنة قديمة جدا في المجتمعات الإنسانية المنظمة، بعدما فهم العمل على أنه جهد جسدي ويدوي. وقد أُطلقت عليه على امتداد التاريخ معانٍ مختلفة جدا، وبالتالي تقديرات متناقضة أيضا. كان العمل لمرحلة طويلة يعتبر بمثابة عناء وثقل مفروضين على الإنسان الموجود أمام طبيعة لامبالية تجاهه، لا بل معادية له أحيانا وهو يحاول أن يتكيف ليبقى على قيد الحياة.

     I.            تدرج مفهوم العمل:  

       تأكّد المعنى القاهر للعمل بشكل أقوى مع ظهور العبودية حيث بات فريق بشري أعزل ومقهور في الحرب، في خدمة فريق بشري يضمن لنفسه الحياة والرفاهية. ونال هذا الوضع الإجتماعي تبريرًا عند أرسطو الذي يعتبر، صراحةً العبد بمثابة أداة إنسانية.

       وقد لاقى معنى التعب سندًا بارزًا في رواية خلق آدم. ‏وعندما صار مفهوم العمل يجمع كل نشاط إنساني هادف إلى إنتاج عمل مفيد، بدأت المواقف الإنسانية الاجتماعية والفلسفية تنظر إليه نظرة إيجابية. وبفضل العمل، بدأ الإنسان يكتشف قدرته على تجاوز ذاته.

   II.            العمل بنظر المعاصرين:

       يؤكّد المفكر جورج باتاي، أنّ العمل يكوّن رفضًا صريحًا لما في الإنسان من وجود حيواني طبيعي. أما كارل ماركس فيؤكد "أنّ البشر بدأوا يتميزون عن الحيوانات عندما بدأوا بانتاج وسائلهم الخاصة للوجود... إنّ ما يميّز منذ البدء أسوأ مهندس متخصص، عن النحلة الاكثر اختيارًا، هو أنه يبني المنزل في راسه ( تصورًا) قبل أن يبنيه في عالم الواقع بيتًا للسكن."

       بعد ذلك، برز معنى جديد للعمل لاقى بادىء الأمر دعما دينيا مع الإصلاح البروتستانتي. ثم لاقى دعما فلسفيا صريحًا انطلاقا من ديكارت حيث يقول:"لا يعتبر العمل .بمثابة أمر مفروض، بل واجبا خلقيًا."

       كما أنّ الزمن الذي كان يعتبر سابقاً عامل فناء للوجود الإنساني، يصير بدوره عنصراً ثمينًا وبشكل دائم. ذلك، لأن الساعة المفقودة هي التي تمر من دون المساهمة عمليًا في تمجيد الخالق.

       يضاف إلى ذلك، أنّ العمل يصير بشكل خاص هدف الحياة عينها. والثروات مهما توفرت، لا تحرر الإنسان من واجب العمل.

       ويشير ماكس فيبر إلى أنه "يجب على المواطن الصالح أن يجيب عن هذا النداء، فإن التقدير الديني للعمل المتواصل المنظم في مهلة زمنية بمثابة وسيلة تقشفية راقية، هو العلاقة الاكثر وضوحًا لولادة جديدة بالإيمان الصادق‏.

III.            العمل عنصر تحرر:

       يصير العمل نشاطًا تحريريًا ومرضيًا عندما يتحول إل نشاط مبرمج، حيث يصير الواقع خاضعأ لقواعد العقل. هكذا ينقلب الوضع الأصلي بفضل العمل عينه وفقًا لرأي ديكارت في المنهج "إنّ الإنسان يغدو سيّد الطبيعة ومالكها". ويضيف في الحقل التربوي< فيقول:

كما يؤكّد كانط "إن كل ذلك يدل على أن الطبيعة أرادت أن ‏يتوصل الإنسان بفضل عمله إلى الارتقاء من الوضع الاكثر بدائية إلى الكمال الأفضل، إلى الكمال الذاتي في أسلوب تفكيره وبالتالي إلى السعادة التي يصبو إليها بقدر الإمكان."

IV.            العمل المنتج:

       إن النشاط الإنتاجي يصير عمليًا عملاً منتجًا بالمعنى المزدوج بمثابة حركة مبدعة، وبمثابة فعل متطابق مع الخير؛ إذ ذاك يبرز تمييز جديد وضعه آدم سميث في مفهوم العمل حيث ميّز بين العمل المنتج والعمل غير المنتج بقوله: "يوجد نوع من العمل يضيف إل قيمته الذاتية قيمة جمالية جديدة؛ بينما يوجد عمل آخر لا يعطي النتيجة ذاتها. إنّ العمل الذي ينتج قيمة، يمكن أن يسمى عملاً منتجًا والآخر غير منتج."  فالعبد البائس يتحرر ذاتيًا بالعمل، تلك هي قيمة العمل لهيغل: " إنّ العبد يصير سيد الطبيعه بالعمل، وعندما يتحرر العبد من الطبيعة، يحرره العمل أيضًا من ذاته، ومن طبيعته كعبد، ويحرره بالتالي من سيده"». العمل إذًا سبيل إل الحرية. 

  V.            شخصية العامل لمواجهة تقسيم العمل:

       مع بروز نظام جديد في قطاع الإنتاج برز وضع جديد مؤات جدًا لظهور الشخصية الفردية، يشير إليه اميل دوركهايم بقوله: كان لا بدّ من بروز مهمات جديدة ومتنوعة. وتلبية لتلك الحاجات تحررت قدرات عقلية جديدة، ما كانت لتوجد أبدا لولا مقتضيات الحاجة إلى القيام بواجبات العمل الجديد المقسم.

VI.            عقبات تواجه العامل :

       غير أن التفاؤل النظري بدا عمليًا وهمًا، لأن العامل لا يجد دائما العمل الذي يساعده على الازدهار، ويدرك تماما، في المجال التطبيقي، كم يجب عليه أن يعاني لكي يجد العمل الذي يرغبه، والنتاج الذي يحبه أيضا. أضف إل ذلك، أنه في المجتمع الصناعي، فإن الفائدة من العمل تذهب إلى أصحاب العمل أكثر مما تصيب.‏من هنا، فإن التباعد في تقدير قيمة العمل يولّد عند العامل شعورًا بالظلم، بينما كان يظن أنه يجد في العمل وسيلة التحرر الذاتي.

       علمًا بأن العمل، ككل سلعة، يخضع لتبدلات العرض والطلب. فإذا كان نادراً ومفيدًا ارتفعت قيمته، وإذا كثرت اليد العاملة القادرة على تحقيقه، فإن قيمته تنقص.

VII.            دور التضامن في تحرر العامل:

       في القرن التاسع عشر، كان استغلال بؤس العمال ظرفا لإنماء الثروات، عموما لدى أرباب العمل، غير أنه بنمو خط التضامن المنظم في النقابات، فُرض على أرباب العمل التخلي عن أساليب استغلال العمال، وتقليص ساعات العمل اليومية مما وفّر فرصًا للراحة وبالتالي للانتاج الأكثر.

       ولا بد من أن نتذكر أن الراحة هي فرصة للعامل لكي يقوم بمجموعة نشاطات يختارها الأفراد لازدهار طاقاتهم الجسدية والعقلية؛ بيد أن التغيير الطارىء حاليًا على العمل والراحة يُدخل العمال في إشكالية أساسية في حياتهم، حيث عجز هذا التغيير عن توزيع ساعات الراحة، وساعات العمل. وبالتالي لم يتسن له الانصراف لإبراز نشاطاته الاجتماعية التي لا يمكنه التخلي عنها.

VIII.            الملكية:

مفهومها : هى الحق في المطالبة وفي المحافظة بأمان على كل ما اكتسبه المرء بشكل شرعي، وعلى التمتع به ‏والتصرف فيه، والإفادة منه ماليًا باستهلاكه أو بتلفه، أو بنقل ملكيته، أو بالتوجيه به بعد موته.

IX.            أشكال الملكية:

‏يُميّز عادة بين:

‏أولا: ملكية فردية حيث المالك فرد، وملكية جماعية حيث المالك فريق من الأفراد.

ثانيا: الملكية الخاصة التي تعبر عن حق المالك فردًا كان أم جماعة، ‏على شيءٍ ما. والملكية العامة التي تعود إلى

‏الدولة.

  X.            مواضيع الملكية:

‏حق الملكية يصيب كل ما يتناوله عمل الإنسان مثل:

‏ا- الأغراض المادية المحددة كالأراضي والنباتات .

2- الأغراض المنقولة كالأثاث والسيارات وغير ذلك.

3- حقوق المؤلف.

4- إمتيازات الشركات والمؤسسات .

5- حقوق الإنسان المادية المترتبة على المجتمع كالدّين والودائع والأمانات.

XI.            حدود حق الملكية:

‏ليس لحق الملكية حدود، ولكنها تعطي صاحبها:

‏أولا: حق الاستعمال والتبذير لملكيته من دون أي تدخل، أو اعتراض من الآخرين.

ثانيًا: حق البيع والتأجير والرهن والتوصية وفقا لإرادته.

‏ثالثًا: حق الاستثمار والتصرّف بممتلكاته كما يريد.

XII.            المشكلة الإجتماعية في حقّ الملكية:

المشكلة الاجتماعية: هي المشكلة الناتجة عن الصعوبات الاقتصادية والأخلاقية (واقع الظلم) الناجمة عن وجود الطبقات الاجتماعية (واقع الفقر). وفي الموقف من حق الملكية هذا، هناك اتجاهان متباينان:

الليبرالية الإقتصادية:

‏تعالج الليبرالية الاقتصادية هذا الموضوع انطلاقًا من مبدأ : اتركوا الأمور تتم وتمرّ، فهي تؤمن الأفضل.

‏في نظر الليبرالية الاقتصادية يجب على الدولة تحمي الملكية الخاصة.

الإشتراكية الماركسية:

‏ترى الماركسية أن اللبيرالية تؤدي إلى استثمار الإنسان من قبل الإنسان.

‏من هنا، يرى كارل ماركس أن التحولات الإشتراكية هي التي تحل المشكلة وذلك من طريق تأميم وسائل الإنتاج. إلا أن انتقادات ماركس لم تلحظ أن الذكاء والنشاط الإنسان لا يقفان عند حدود. وهذا ما حدا بالرأسمالية إل القيام بإصلاحات متوالية جزئية، ولكنها متكاملة لتحسين أوضاع العمال. 

 

 

3amal wa moulkiya cours 2.docx 3amal wa moulkiya cours 2.docx
Size : 0.027 Kb
Type : docx

Make a free website with Yola