العادات

مقدّمة

يقسّم علماء النفس سلوك الحيوان إلى نوعين:

-         السلوك الفطري ويُسمّى الغريزة.

-         السلوك المكتسب ويُسمّى العادة، أو العادات.

وهذا التقسيم ينطبق على الإنسان أيضًا؛ مع فارق أساسيّ وهو أنّ السلوك الفطريّ عند الإنسان ينحصر بعمل وحيد يقوم به الإنسان في طفولته الأولى: هو الرضاعة. هذه الرضاعة هي الغريزة الوحيدة عند الإنسان. أمّا العادات المكتسبة فهي عنده عديدة ومتنوعة جدًا. وهي أيضًا تسيطر على حياته بشكل متواصل وشبه كامل.

ما الفرق بين الغريزة والعادة؟

الفرق هو أنّ الغريزة فطرية، أمّا العادة فمكتسبة؛ والغريزة للنوع،أمّا العادة فهي فردية؛ والغريزة لاواعية، بينما العادة هي دون الوعي. وما عدا ذلك، فإنّ للغريزة والعادة الصفات عينها تقريبًا؛ هذا إذا حصرنا في مجال السلوك العملي وحده: فالحركات في العادة كما في الغريزة، ليست عشوائية بل هي هادفة، غائيّة. وهي أيضًا في الغالب، تتمّ من غير وعي في تفاصيلها، بل إنّها تتمّ أحيانا كثيرة من غير إرادة، بشكل آلي وأعمى.

وأخيرًا العادة، كما الغريزة، هي سلوك مختصّ بعمل معيّن: فالذي اكتسب عادة السباحة، مثلاً، لا يكون درّاجًا، أو سائق سيّارة ما لم يتعيّن هاتين المهارتين.

إنّ العادة عندما تُكتسب، تُصبح جزءًا دائمًا من كياننا ومن شخصيّتنا، تصبح فينا "طبيعة ثانية". العادة هي مهارة مكتسبة ودائمة تجعلنا نكرّر بعض الحركات والأفعال بشكلٍ شبه ثابت.

مسألة اكتساب العادات:

1-    نظرية الترابط الآلي:

لقد أظهرت الملاحظة والخبرة الشخصية أنّ العادات تُكتسب من طريق تكرار الحركة ذاتها مرّات عديدة، فتتحوّل الحركة المكرّرة إلى عادة، أي تصبح طبيعة ثانية ثابتة  ودائمة.

ولكن لماذا لا تتحوّل الحركة إلى عادة من تمرين واحد؟ لماذا يتأخّر هذا الاكتساب، ويحتاج لمرّات عديدة؟

قدّمت "النظرية الآلية" أو "نظرية الترابط" تفسيرًا لذلك على النحو التالي: العادة هي حركة مركّبة من مجموعة حركات بسيطة متعاقبة بحسب تسلسل (ترابط) معيّن. قبل الاكتساب تكون هذه الحركات غير مترابطة. ولكن التمرين، أي التكرار، يربطها بعضها ببعض، وكل مرة يوثق هذا الربط أكثر من المرة السابقة، وهكذا دواليك، حتى يصبح الترابط محكمًا، إذ ذاك، لدينا عادة، أي أنّ كل حركة بسيطة تصبح تلقائيًا مؤثرًا (أو إشارة) يُحدث استجابة أي يُحدث الحركة التالية؛ وهذه تتحوّل بدورها الى مؤثّر جديد، وهذا المؤثر يُحدث هو أيضًا الاستجابة التالية، وهكذا دواليك حتى اكتمال الحركة الكليّة التي هي العادة.

حفظ قصيدة غيبًا هو مثال واضح لاكتساب عادة، بحسب نظرية الترابط الآلي: في القراءات الأولى تكون الترابطات واهية، ولكنها تزداد م كل قراءة جديدة بحيث يصبح كلّ مقطع من كلمة مؤثّرًا (أو إشارة) يستدعي المقطع التالي، وهذا يستدعي الذي بعده، وهكذا دواليك، حتى يصبح إلقاء القصيدة كلها آليًا أي غيبًا. وهكذا الأمر بالنسبة لاكتساب أي عادة، كائنًا ما كان نوعها.

أدخل عالم النفس الأميركي ثورندايك إضافةً مهمة الى هذه النظرية: فالترابط، أي اكتساب العادة، يصبح أسرع اذا ربطناه بنظام المصلحة الذي أطلق عليه اسم "قانون الأثر"، أي أنّ ربط الإشارة/ الاستجابة يقوى بسرعة، إن حصل المتعلّم، في أثناء التعلّم، على مكافأة، إذا كان ربطه ناجحًا؛ وبالمقابل، فإنّ هذا الربط يتعثّر إذا حصل المتعلّم، على العكس من ذلك، على عقاب أو نتائج مؤلمة. فنظرية التعلّم التي أطلقها ثورندايك في التربية الحديثة، والتي انتشرت في أنحاء العالم، تقوم على علاقة ثلاثية: الإشارة- الاستجابة- اللذة. بينما كانت التربية التقليدية تقوم أصلاً على العقاب والقصاص.

نقد:

لقد لاقت "نظرية الترابط الآلي" في شرحها طريقة التعلّم واكتساب العادات، نجاحًا باهرًا، عائدًا لتبسيطها هذه العملية. ولكن، هل كلّ العادات تُكتسب فعلاً على هذا النحو المبسّط؟

أ‌-       مسألة التكرار: يبدو أنّ "نظرية الترابط الآلي" تنطلق من التباس جعلته قاعدة لها! وهذا الالتباس هو كلمة "تكرار"! "فالتكرار"، تقول النظرية، يجعل الترابط مُحكمًا! ولكن هل هناك تكرار فعلاً؟ التكرار يعني، لغة، إجراءالحركة، أو الفعل، مرةً أخرى كما هو، أي تمامًا كما كان في المرة السابقة. فلو كرّرنا فعلاً هذه الحركات كما هي، لما حصلنا على أي تقدّم. إذا، يمكننا القول، بعكس ما تقوله نظرية الترابط الآلي، إنّ التكرار لا يؤدي بذاته إلى أي ترابط. ليس هناك تعاقب حركات، بل هناك في كلّ مرّة، إلغاء لحركات في المرّة السابقة، لا فائدة منها.

ب‌-  ترك زمن كافٍ بين التمارين: لو كانت نظرية الترابط الآلي صحيحة، لكان الربط يتم بالتكرار وحده. ولكن التجربة أظهرت أننا نحصل على عادة جديدة ب 50 تمرينًا، متعاقبًا الواحد بعد الآخر بسرعة ومن غير ترك أيّ وقت بين التمرين السابق والتمرين الذي يليه. ولكن يمكن ان نكتسب العادة نفسها، ب 20 تمرينًا فقط اذا تركنا بين التمرين والتمرين التالي "الوقت الأفضل".

ت‌-  الطرق الناشطة في التعلّم: لقد أظهرت التجارب التي قام بها علماء النفس وعلماء التربية أنّ التعلّم يتمّ بسرعة أكبر إذا قام المتعلّم بنفسه بالحركات التي ستصبح عادات. فلو أمسكنا بيد طفل يمسك قلمًا، وحرّكنا له يده راسمين الحروف بهذا القلم، لمكث الولد طويلاً ليتعلّم الكتابة، علمًا بأنّه يؤدّي الحركات كلها مترابطة الواحدة خلف الأخرى! ولكن الأمر ليس كذلك. فالطرق الناشطة في التعلّم تحتاج إلى عدد أقلّ من التمارين، وإلى وقت أقلّ أيضًا, وهذا يعني أنّ الربط وحده لا يتمّ بمجرّد التكرار.

ث‌-  دور الذكاء في التعلّم: يمكننا القول أنّ سرعة التعلّم، أي سرعة اكتساب العادة، دليل على درجة الذكاء العالية عند المتعلّم. فالرقصة الشعبيّة، مثلاً، هي فكرة، أو تصوّر، نريد أن نحظى بها لأنفسنا. وهنا تلعب الرغبة والإرادة والجهد الشخصي والذكاء دورًا أساسيًا في اكتساب العادة. فهناك من يكرّر الحركة نفسها مرات عدة من دون أي تقدّم. وهناك من يكتسب  العادة بعد قليل من التمارين. هذا يعني أنّ الربط لا يتمّ بشكل آلي نتيجة للتكرار وحده.

 

2-    النظرية الفيزيولوجية:

كيف تتحوّل الحركات المتكرّرة، عند الحيوان والإنسان، إلى "طبيعة ثانية"، إلى عادة؟

لقد تصوّر الفيزيولوجيون منذ منتصف القرن العشرين أنّ كلّ حركة يقوم بها عضو من أعضائنا تُترجم في الجهاز العصبيّ بدرب معيّن يُشقّ بين الخلايا العصبية. فإذا تكررت الحركة، فإنها ترسخّ هذا الحفر (أي تصبح العادة ناجزة)، بحيث يكفي لاحقًا أن يبدأ أحد أعضائنا بطرف هذه الدرب حتى ينزلق إلى عبور الدرب كلّه! فعندما نبدأ بالكلمة الأولى من قصيدة، فالباقي يأتي تلقائيًا. وهكذا الأمر في كلّ العادات. إنّ العادات "دروب ترابطية" محفورة بالممارسات العديدة بين خلايا جهازنا العصبيّ في عضو معيّن.

وهناك فيزيولوجيون يعتبرون أنّ تخزين العادات، مثله مثل تخزين الذكريات، لا يمكن ان يكون في الأعضاء بل في الدماغ! وبعض الماديين ذهبوا الى اعتبار العادة غير مختصة بالحيوان والانسان، ولا حتى بالكائنات الحية، بل هي خاصية من خصائص المادة الجامدة: فالورقة التي تُطوى مرات عدّة، تأخذ "كسرة" (عادة) الطوي بسرعة! والمفتاح الذي يُستعمل طويلاً في القفل، يأخذ عادة الدوران السهل.

إلاّ أنّ هذا الكلام على عادات للأشياء الجامدة الطبيعية أو المخترعة، ليس أكثر من لعب على الكلام. فالعادات هي أفعال ومواقف خاصة بالكائنات الحيّة، الحيوان والإنسان تحديدًا.

 

مسألة قيمة العادات:

1-    حسنات العادة:

فلنتخيّل إنسانًا من غير عادات! ماذا يمكنه أن يفعل؟ ماذا يبقى من انسانيّته؟ وهل يمكننا فعلاً أن ننزع عنه طبيعته الثانية؟

إنّ العادات التي اكتسبناها على كرّ مراحل العمر هي "أدوات" عملنا في هذا العالم: من المشي، إلى التفكير. ومن دونها يستحيل أيّ تكيّف. فهذه "الأدوات"، التي لا غنى عنها هي الوسائل التي نستخدمها لاكتساب المزيد من المعارف، والمزيد من العادات أيضًا.

إنّ النشاط الذي نقوم به باستخدامنا العادة هو الأسرع والأكمل والذي يقتضي منّا أقلّ الجهود ويعطينا أفضل النتائج. العادات الراسخة فينا هي قدراتنا ومهاراتنا. والذي لا يملك الا عادات ناقصة، فإنّ أعماله تكون مضعضعة رعناء لا تصل الى غاياتها.

العادة تحرّر الارادة، لأنها تخفف الأعباء عن الإرادة التي هي جهد. إنّها تجعل الإبداع ممكنًا. والعادة هي رصيد يمكن أن نكتسب به، وبسهولة، عادة أخرى قريبة منها: كعازف البيانو يمكن أن يتعلّم بسرعة الطباعة على الآلة. والعادات الفكرية والعقلية تسهّل حلّنا لمسائل فكرية أو علميّة، لذا تقوم التربيّة على "تعويد" الطلاب بالتمارين على حلّ مسائل كثيرة حتى تسهّل عليهم حلّ غيرها...

باختصار، العادات هي إجمالاً، مهارات ضروريّة ولا غنى عنها في حياتنا؛ وهي، بمعناها العام، وسيلة فضلى للتكيّف في حياتنا اليوميّة.

2-    مساوئ العادة:

ليس للعادات حسنات فحسب، بل هي تحمل مخاطر جمّة على حياتنا العمليّة، والفكريّة والإبداعيّة والعاطفيّة، نذكر منها:

أ‌-       في المجال العملي: العادات المكرّرة يوميًّا تخلق الرتابة، وتفرض السلوك الآلي الذي، على الرغم من بعض فوائده التي لا يمكن نكرانها، يحوّل الإنسان الى نوع من آلة طبيعية، بحيث تُستعبد كل مبادرة جديدة. وحياتنا الحديثة في المصانع والمكاتب، سلبتنا شخصيتنا الإنسانية القائمة في جوهرها على المبادرة. كان لايبنتز يقول: "إننا آلات في ثلاثة ارباع حياتنا"! والبعض يرى في أكثر من ثلاثة أرباع!

ب‌-  في المجال الفكري: إنّ العادات الفكرية، على صعوبة فهمها واكتسابها أحيانًا كثيرة، تتحوّل بطول الممارسة الى عقبات فعليّة أمام امكانية اكتساب معارف جديدة. العادة تقتل الروح النقدية التي هي مرحلة ضرورية وأوليّة في درب الاكتشاف. إنّ العلماء، بمعنى العارفين، هم كثر. ولكنّ العلماء الذين يتجاوزون معارفهم التي هي معارف سواهم، هم وحدهم الذين يذكرهم تاريخ العلم، لأنّهم أضافوا شيئًا جديدًا إلى صرح الثقافة الإنسانية، وساهموا في صنع هذه الثقافة في مجال العلوم الدقيقة، والعلوم الإنسانية، والنقد الأدبي، والتكنولوجيا وغيرها...

ت‌-  في المجال الفني عمومًا: الفنّ بحدّ ذاته هو تجاوز المألوف، أي تجاوز التقاليد والعادات. ولكن كان الفنانون والأدباء والشعراء غالبًا ما يبدأون حياتهم الإبداعية بالتأثر ببعض الأسماء الكبرى وبتقدليدها، فإنّهم يصبحون مبدين حقيقيين عندما يشكلون رؤيتهم الخاصة ويبتدعون أسلوبًا خاصًا بهم، ويقاربون الموضوعات بأفكار جديدة. لو ظلّ الفنان في إطار ثقافته المكتسبة، أي عاداته الفنيّة، لما كان معروفًا في تاريخ الفنّ. لذا غالبًا ما تتعرّض الاتجاهات الفنيّة الجديدة إلى مقاومة من أصحاب النظريات التقليدية التي لا ترى أي جمال في خارج قواعد الماضي وقوالبه. وثمة مخاطر تهدد الفنّان المبدع نفسه عندما يتحوّل مقلّدًا لذاته؛ أي عندما يبدأ بممارسة فنّه كعادة وتقليد لإبداعه السابق! وهذا دليل على جفاف الإبداع لديه.

ث‌-  في المجال العاطفيّ: العادة تطفئ العاطفة. فالهوى يعبّر عن شهوةٍ لمشاعر جديدة. بهذا المعنى قال جبران: "إنّ الحبّ الذي لا يتجدّد يومًا بعد يوم يموت يومًا بعد يوم". وقد أظهر أطباء التحليل النفسيّ أنّ "وقوف الحبّ" على شخص معيّن (أحد الأبوين في الغالب) في مرحلة معيّنة (مرحلة الطفولة) يمثّل حالة مرضيّة تمنع كلّ حبّ جديد، أي تجعل النضوج العاطفي مستحيلاً. إنّ الشهوة للحياة تخبو عندما تخبو العواطف بسبب الرتابة والعادة. الأمراض النفسية هي بمعنى ما، أمراض عاطفية. فالعصاب هو عادة عاطفية متحجّرة.

 

كيف نتخلّص من العادات السيّئة؟

قد يكون الحكم على بعض العادات أنّها سيّئة حكمًا نسبيًا ومنحازًا. فالذي يزاول عادة من العادات لا يراها سيّئة، أو بالأحرى يرفض أن يعترف أنّها سيّئة. ولكن يمكننا أن نحكم على عادة بأنّها سيّئة إذا كانت تسبب أذًى وضررًا، على المديَين القصير الطويل، لصاحبها أو لذويه، أو لمجتمعه، أو لوطنه، أو للآخرين عمومًا.

لقد حدد أرسطو الفضيلة بأنّها توسّط بين تطرّفين: كالشجاعة مثلاً، التي هي فضيلة لأنّها في موقع وسط بين الجبن والتهوّر؛ ويمكننا القول أنّ الإسراف في بعض العادات هو الذي يجعلها عادات سيّئة. ولكن هناك عادات لا ينطبق عليها عمومًا مفهوم "الاعتدال"، و"الوسطيّة": كالإدمان على المخدّرات؛ وهذا النوع من الإدمان، بتداخل العوامل النفسيّة والعضويّة فيه، يتجاوز الطرق العاديّة المعتمدة للإقلاع عن بعض العادات.

فالقدماء كانوا يقولون: إنّ العادة ترسّخت من طريق التكرار، لذا يكفي أن نوقف هذا التكرار حتى تزول! ولكن هذه "الوصفة" غالبًا ما كانت تفشل لأنّها كانت تجهل الروابط المعقّدة النفسيّة والجسديّة والاجتماعيّة والعاطفيّة، وبخاصّة الميول اللاواعية، التي تجعل بعض العادات أرسخ ممّا يُظنّ.

ولكنّ الطرائق التي يعتمدها علم النفس الحديث، متأثّرًا بنظريات التحليل النفسيّ خصوصًا، تقترح نوعًا من "التعويض" عن إيقاف عادة سيّئة، بعادة جديدة حميدة غيرها. أي إعطاء مجال للذّة جديدة بدلاً من اللّذة التي تمّ إيقافها. وهذه الطريقة الجديدة لا تلغي القديمة. فإيقاف عادة سيّئة، أو استبدالها، لا يُفرَض فرضًا، بل لا بدّ من اقتناع صاحب العادة، وإرادته، في كلّ الأحوال. وهكذا يكون التخلي عن بعض العادات مرتبطًا بمفاهيم التربية الحديثة.

إنّ التخلّي التدريجيّ عن عادة سيّئة طريقةٌ فاشلة. فالإيقاف يجب أن يكون تامًّا وشاملاً من أوّل الطريق. كما ينبغي الابتعاد عن الأجواء التي كانت تحتضن العادة السيّئة، وكانت هذه العادة تتمّ مزاولتها فيها. مهما يكن، فإنّ العادات ليست كلّها واحدة. لذا ينبغي مقاربة كلّ عادة كحالة خاصّة بحسب خصوصيّة صاحبها وأوضاع محيطه وفرادة شخصيّته. 

Make a free website with Yola